صادفتها في عيادة طبيب العائلة، متوتّرة، قلقة، يداها ترتجفان، تجلس لحظة ثمّ تنهض، خطواتها غير ثابتة. كانت على عجلة من أمرها، تتنفّس بصعوبة، تضع يدها على صدرها، ما جعلني أظن أنها تتعرّض لنوبة قلبية. سألتها عما تعاني فقالت: "حاسة شي مش منيح بدو يصير، قلبي كتير عم يدق، خايفي موت، كتير كتير خايفي ودايخة...". حياتنا مليئة بمسبّبات القلق والخوف والتوتر، انطلاقاً من المخاطر المحيطة، والإستحقاقات، وعاملي الوقت والمال، وغيرها من الأمور المقلقة. إلّا أنّ القليل من القلق ضروري لاستمرارية الحياة بشكل سليم، فغياب القلق، قد يدفعنا إلى الرمي بأنفسنا من الأماكن المرتفعة، والموت المحتم، كذلك نحن بحاجة للقلق عند مواجهة الخطر. الخوف والقلق ضروريان لكن باعتدال، كالاحتماء أثناء القصف، والهجوم، والوقاية من الأمراض المعدية.
القلق الاضطرابي
نقلق في المراحل المصيرية، الإنتقالية من حياتنا، وفي أوقات الإستحقاق، كتوتر ما قبل الإمتحان، السفر للمرة الأولى، الزواج والولادة... إلّا أنّ هذا التوتر يصبح قلقاً إضطرابياً عندما يمنعنا من متابعة الحياة اليومية بشكل طبيعي ومتوازن، فنشعر به على رغم غياب العوامل والظروف المسبّبة له.
القلق الذي نشعر به في مراحل حياتنا المصيرية طبيعي، هو انفعال يرافقنا أثناء المشاكل في العمل، عند اتخاذ قرار معيَّن... أما اضطراب القلق فهو مرض نفسي، جدي، يرهق المصاب به، بشكل مستمر ودائم، ويجعله في حالة عجز. ولكن تجدر الأشارة إلى أنّ معالجته تماماً والعودة إلى الحياة اليومية الطبيعية ممكنة.
الأعراض
اضطراب القلق، هو شعور دائم بالقلق والخوف، لا يحتاج إلى عوامل خارجية لظهوره، يسبب تسارع في ضربات القلب، ضيق في النفس، ألم وانزعاج في الصدر، غثيان وتشنّج في البطن، إرتجاف، برودة وتعرّق في اليدين والقدمين، تنميل، قشعريرة، شعور بالإختناق، دوار وإغماء، جفاف في الفم، خوف من فقدان السيطرة والقيام بأمور غير طبيعية، خوف من الموت، عدم القدرة على الإسترخاء، صعوبة في النوم...
الأسباب
إنّ اضطراب القلق ليس دليل ضعف في القدرات الشخصية والطباع، أو سوء في التنشئة، بل ينشأ عن تلاقي عوامل عدة، تضمّ تغييرات على مستوى الدماغ، وضغوطات بيئية حياتية. فعلى مستوى الدماغ تتمّ برمجة الخوف والإنفعال، الذي يتأثر بالضغوطات الحياتية الحادة أو طويلة الأمد.
وهناك توجّه علمي نحو الدور الجيني الوراثي في اضطراب القلق. كما تلعب العوامل الإجتماعية البيئية المسبّبة، كالصدمة النفسية، دوراً في ظهور القلق.
أنواع اضطراب القلق
• إضطراب الذعر: هو شعور بالرعب، فجائي ومتكرّر، دون سابق إنذار.
• إضطراب القلق الإجتماعي: ويُسمّى بالفوبيا الإجتماعية، يظهر لدى مَن تعرّض لتجارب سلبية سابقة كالمعاملة السيّئة، والتعرض للسخرية والإنتقاد. هو قلق يسيطر على الأوضاع الإجتماعية اليومية، مثلاً، خوف من حكم الآخرين ورأيهم، أو خوف من القيام بتصرفات قد ينتقدها الآخرون ويسخرون منها.
• الفوبيا: هو خوف من شيء أو من وضعية معيّنة، كفوبيا الإرتفاع، فوبيا الأماكن المغلقة، الطيران، وغيرها. ويكون عادة مستوى الخوف غير متناسب مع الوضعية المرتبطة به. وقد يؤدي هذا الخوف إلى تجنّب تلك الوضعية، كتجنّب استعمال المصعد الكهربائي على رغم الحاجة الملحّة لذلك في حال المرض.
• إضطراب القلق العام: قلق وتوتر مبالغ به، غير مرتبط بالواقع المعاش، ويظهر حتّى في غياب ما يثير القلق.
العلاج
يتمّ علاج المصاب باضطراب القلق من قبل الطبيب والمعالج النفسي. فيصف الطبيب الدواء المناسب للتخفيف من الأعراض. أما المعالج النفسي، فيرافق المصاب لتخطي سبب ذلك، ويساعده على التعامل مع وضعه، وصولاً إلى حياة يومية طبيعية. تتمّ مساعدة مرضى اضطراب القلق من خلال العلاج النفسي التحليلي، العلاج السلوكي، العلاج بالإيحاء، العلاج بحركة العين.
بعض النصائح:
• تغيير نمط العيش والعادات والظروف الضاغطة.
• الإبتعاد عن الأشخاص السلبيين.
• الإستغناء عن المنتوجات التي تحتوي على الكافيين، كالقهوة والشاي والمشروبات الغازية ومشروب الطاقة.
• عدم تناول أيّ علاج دوائي دون إشراف الطبيب، حتى الأدوية المصنوعة من الأعشاب.
• طلب مساعدة المعالج النفسي عند بداية الشعور بالقلق بشكل متكرّر، على رغم غياب أعراض اضطراب القلق الأخرى.
نعيش في عالم تكثر فيه الضغوطات والمعاناة يوماً بعد يوم، كما تتزايد الأمراض الجسدية والنفسية. والحلّ الأمثل لمعالجة ذلك هو باللجوء إلى الأشخاص المختصين طلباً للتوجيه والمساعدة، وذلك بهدف السير قدماً، بأهلية واستعداد للمواجهة بقوة وراحة واستقرار نفسي.
(ساسيليا دومط - الجمهورية)