المدمن هو أحد المقرّبين، قد يكون إبناً أو أختاً أو صديقاً أو حتّى جاراً لنا. قد نكون على علم بإدمانه أو لا، إلّا أنّ المهم هو معرفة أنّ الإدمان ليس وباء، وكلٌّ منا معرَّض للوقوع في هذا الفخ لسبب ما. المدمن يحتاج دعمنا، وأن نشعره بأننا هنا لأجله، ونمسك بيده لتخطي هذه الأزمة والخروج من العبودية والذل والخضوع، تجنّباً لقدر الموت البطيء أو المفاجئ، لكنه دون شك الموت المحتّم.يعرف المدمن بأنه في مأزق، وهو ضمنياً يريد أن يخرج منه، لكن ذلك يصبح شيئاً فشيئاً صعب المنال، ليس فقط بسبب التعلق وصعوبة الإنسحاب، لكن بسبب إدانتنا وتجنّبنا له، كأنه مصاب بالبرص المعدي. المدمن ليس شخصاً سيّئاً، إلّا أنّه لجأ للإدمان بحثاً عن الراحة، من معاناته.
قد يكون اعتنق المادة بسبب معاشرة أبناء السوء، الذين تواجد معهم للهروب من منزل وأهل، من علاقات عائلية سيّئة، أو عاطفية فاشلة، أو بحثاً عن حلم لم يتحقق في الواقع. بالتالي، ليس إنسانياً إدانة الشخص المدمن على المخدرات.
لماذا ندمن؟
لا يمكن أن نستثني أيّ فرد، مهما كانت مزاياه ومواطن القوّة لديه من خطر تعاطي المخدرات. إلّا أنّ الوصول إلى الإدمان يكون نتيجة شعور الفرد بالإختلاف سلباً عن غيره، وعدم قدرته على فرض نفسه إجتماعياً، دراسياً، أو مالياً، فيلجأ للتعلق بالمادة بحثاً عن هذا التساوي مع غيره. هذه المادة تشعره بعد تناولها بأنّ كلّ شيء على ما يرام، شعور غير حقيقي وغشاش؛ وبعد أن يكون المخدّر حلّاً، يتحول إلى مشكلة بحد ذاته.
يعرف المدمن بأنّ عليه التخلّي عن هذه العادة، إلّا أنها تؤمّن له الإشباع النفسي الذي يحتاج، ما يدخله في حلقة مفرغة. يتخذ القرار بالتوقف، لكن عندما يشعر بالحاجة الملحة للمادة، يعود من جديد طلباً للراحة، آنياً.
الأسباب النفسية
قد يدمن الإنسان لأسباب نفسية، بيئية إجتماعية، وعائلية. نلاحظ بأنّ الظروف نفسها التي يمرّ بها الأشخاص في الحياة تؤدي إلى ردود فعل مختلفة تماماً، وذلك بحسب البنية النفسية والشخصية ومراحل الحياة السابقة لكلّ منا. فيلجأ ذوو الشخصية غير الإجتماعية إلى التدخين، والإفراط في تناول الحلويات والطعام والكحول، كما أنهم لا يتعلّمون من أخطائهم السابقة.
يدمنون كي يحققوا الإشباع النفسي، ولتخفيف الضغوط والتغلب على الإحباط. ويميل أصحاب الشخصية غير الناضجة، الذين يعوّلون على الأهل في قراراتهم، إلى الإدمان. ويشكل الإدمان عقاباً للذين يشعرون دائماً بالذنب، ويميلون إلى معاقبة أنفسهم، فيلجؤون إليه. أما أصحاب الشخصية القلقة، فيدمنون كي يتمكنوا من التكيف مع الظروف والتعايش. وتخفف مادة الإدمان، غضب الشخصية العدوانية السلبية، الذي يخفيه أصحابها متظاهرين بالهدوء.
الأسباب الإجتماعية والعائلية
يساهم المجتمع ككلّ في التشجيع وتسهيل الإدمان، من خلال اعتبار هذا الأمر طبيعياً، وانخفاض سعر المواد المخدرة وسهولة تداولها، وانتشار الأماكن المشجعة على الإدمان كأماكن المقامرة، والحانات الليلية. كما ينتج الإدمان عن البطالة، والأحوال الإقتصادية المتدنّية، إذ يشعر الفرد بأنه عاجز، ضعيف، فاقد للرغبة بالحياة، وغير قادر على الإستمرار والتحمّل.
ويدمن المراهق الذي يعيش تسيّباً من قبل الأهل، ويحظى بالبحبوحة، بلا رقابة. كذلك من يشعر بغياب الأهل، بحثاً عن الإشباع النفسي وتعويضاً لغيابهم، فيتسلى بكل ما لذ وطاب، خصوصاً من لم يترب على القيم والمبادىء.
إلى ذلك يدمن الأشخاص الذين يعانون من التفكك العائلي والصراعات بين الأهل، وبين الأهل والأولاد. كذلك من يعاني من العنف الأسري المباشر، أو من خلال المشاهدة، فيهرب من العائلة بحثاً عن بديل، يسدّ فراغه العاطفي، ويؤمّن له الأمان والراحة.
تؤدّي أحياناً صدمة خسارة أحد الأشخاص العزيزين إلى تعاطي المواد المخدّرة، بهدف تحمّل الحزن والألم. ويلعب عامل الإيمان بالله وإرادته دوراً هاماً، فكلما ارتفعت نسبة الإيمان، كلما تدنّى احتمال اللجوء للمخدرات بسبب الفقد. كما يلجأ إلى التعاطي والتعلّق بالمادة مَن تعرّض لخيبة عاطفية، كالطلاق، والخيانة، حيث يشعر بفقدان الرغبة بالحياة، وبالضعف التام والإستسلام وحاجة التعلق ببديل، فيقع بالإدمان.
ويدمن مَن يجهل حقيقة المخدّر، ورواسب تعاطيه، ولشدة اعتداده بنفسه وظنّه بأن لديه القدرة على التوقف عنه متى أراد، فيجرّبه عندما يدعوه الأصدقاء، رفاق السوء، لذلك. كما يشعر الشباب في سن المراهقة بالخجل ممَّن يدعوهم للتعاطي خوفاً من نعتهم بصغار السن أو بالضعفاء، فيلبّون الدعوة.
أعراض الإدمان
رغبة قوية بالحصول على المادة، تقلّب في المزاج، الغضب السريع، اللامبالاة، عدم القدرة على التخلّي عنها، القيام بسلوكيات عنيفة خارجة عن السيطرة للحصول عليها، زيادة الجرعة شيئاً فشيئاً، الإنعزال والإنطواء، الوحدة، الإستمرار بتناول المادة على رغم معرفة أضرارها، التمسك بالمادة المخدِّرة وتفضيلها على كلّ شيء حتّى الوجبات الغذائية، فقدان الوعي، غيبوبة، فقدان الوزن، الإصابة بأمراض معدية، الموت المفاجئ.
إجتماعياً
غياب متكرّر عن الدراسة أو العمل، تدنّي مستوى الإنتاجية، غياب عن البيت لفترات طويلة، السرّية، عدم الإهتمام بالمظهر الخارجي، التهرب من تحمل المسؤولية، الإسراف، تغيير الأصدقاء، التعرّض لحوادث سير، مشاكل أسرية، إنفاق المال دون حساب، الإبتعاد عن الدين، إهمال مصدر الرزق، مشاكل قانونية كالعقاب على جرائم السرقة والقتل التي يقوم بها المدمن في سبيل الحصول على المال لشراء المادة.
المعالجة
يؤدّي الإدمان على أنواعه إلى نتائج غير مرضية على حياة المدمن والمحيطين به، من أهل وأصدقاء ومركز عمل...
لا يقتصر التوقف عن الإدمان على أعراض الإنسحاب التي تصيب المدمن خلال فترة إقلاعه عن المادة المخدرة، كالصداع، ارتفاع ضغط الدم، الإسهال، الإضطراب في الشهية والنوم، التعرّق، الألم في العضل، تزايد ضربات القلب، إكتئاب قد يصل بالمريض إلى الوفاة، إنما يكمن التوقف عن الإدمان في معرفة السبب الذي أدّى إليه، ومعالجته.
يرتكز العلاج من الإدمان على أسس طبية علاجية، عائلية وإجتماعية، بدءاً بالطبيب النفسي الذي يصف الدواء، ويترافق مع المعالج النفسي بوجود ومساعدة الأهل، الذين يحتاجهم المدمن. كما يتابع المدمن دورات لتدعيم مهاراته، وتسهيل إيجاده فرصة عمل. وبعد الإنتهاء من العلاج، يتابعه المعالج النفسي في علاج داعم، منعاً للإنتكاسة.
يتمّ الإنسحاب من المواد عبر تخفيف الجرعة تدريجاً، واستبدالها بدواء موقت، وذلك في المستشفى أو في العيادات الخارجية، بحسب الحالة.
من الضروري:
• 8 تقييم وضع المدمن الصحي، كإصابته بالإيدز، السل، التهاب الكبد الوبائي وأمراض أخرى.
• الإبتعاد من الأماكن والأشخاص الذين لهم علاقة بالإدمان.
• الإعتراف للمعالج النفسي أو الطبيب أو أحد المقرّبين في حال محاولة التعاطي من جديد.
• المتابعة الدائمة مع المعالج النفسي.
• التعوّد على مواجهة أمور الحياة من خلال نقاط قوة يتمّ تدعيمها لدى الفرد.
• الحب والودّ والزواج بالنسبة للأشخاص الوحيدين.
• ممارسة النشاطات الإجتماعية والرياضية.
مكافحة الإدمان
لا بدّ من تعريف الناس من خلال دورات توعية ومحاضرات، وإعلانات عبر وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة على الإدمان، أنواعه، مخاطره، وكيفية تجنّب الوقوع به.
ويجب توجيه الأهل ليرافقوا أبناءهم ويراقبوهم، ويعتمدوا الحوار البنّاء معهم عبر التخلّي عن الصراعات العقيمة ومظاهر العنف، والتركيز على أهمية منزل العائلة كمصدر حب وأمان للجميع، وذلك لعدم الدفع بأفراد الأسرة للجوء إلى أبناء السوء بحثاً عن هذه الحاجات.
كما لا بدّ من لفت نظر الأهل إلى أهمية التواجد في البيت العائلي، وعدم السماح بالتسيّب والإسراف بهدف التغطية على الغياب عن الأبناء، وأهمية كون الأب والأم المثل الأعلى الصالح الذي يتبعه الأبناء ويتمثلون به.
كلّ فرد معرض للوقوع في فخ تعاطي المخدرات والإدمان عليها، لذلك لا بدّ من اعتماد الجرأة وطلب المساعدة من فريق عمل لتخطي ذلك. كما يجب أن يمدّ المقرّبون يدهم باتجاه مَن يعاني من هذه المشكلة، لدعمه ومساعدته للخروج منها.
ولا بدّ من أن يلتفت المسؤولون إلى مَن يدمن المواد المخدرة أثناء وجوده في السجون، فالسجين يجب أن يتأهل، ليصبح عنصراً فعالاً ناجحاً في المجتمع، وإلّا فالعقاب أي العنف سوف يؤدّي إلى ردّة فعل عنيفة بالمقابل، ما يوسع رقعة العنف والإجرام شيئاً فشيئاً. نعم لسجون مجهّزة لتأهيل السجين، وبناء قدراته ومهاراته، لا لتدمير ما تبقى لدى هذا الفرد، الذي يشكل حلقة من مجتمع، قد تساهم في بنائه إيجاباً أو سلباً.
(ساسيليا ضومط - الجمهورية)