العديد من الصحافيين، وموظفي المستشفى، وحرّاس الأمن، والمضيفات، والطيّارين... يبدأون دوام عملهم عندما تكون مجموعة أخرى من الناس على وشك الخلود إلى الفراش. إنه ما يُعرف بالعمل الليلي أو الـ"Night Shift" الذي إنتشر بشكلٍ واسع منذ عشرات السنين، مولّداً فرص عمل جديدة ولكنها لا تخلو من المخاطر الصحّية. أكّدت إختصاصية التغذية، كريستال بدروسيان لـ«الجمهورية» أنّ "هناك دلائل قويّة على أنّ تبديل دوام العمل مرتبط بمشكلات صحّية عديدة لا يمكن غضّ النظر عنها، خصوصاً أنها تهدّد الحياة بشكل مباشر لتصدّرها لائحة الأمراض المسؤولة عن أكبر عدد من الوفيات عالمياً".
ولفتت إلى أنّ "إنعكاسات الـNight Shift الصحّية على المدى القصير تكون مشابهة للأعراض التي تنتاب المسافرين إلى بلد آخر يكون فيه فارق الساعات طويلاً، وتشمل الشعور بإنزعاج في الأمعاء، والغثيان، والتقيّؤ، والإمساك، والحرقة، والتعرّض للإصابات بسبب الدوخة وقلّة النوم، والأرق، وإنخفاض نوعيّة الحياة، وعدم الراحة بشكل عام".
أخبث الأمراض
أمّا على المدى البعيد، كشفت بدروسيان أنّ العمل الليلي رُبط بزيادة خطر الإصابة بـ:
- أمراض القلب: وفق تحليل لمجموعة أبحاث، تبيّن أنّ خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية يرتفع بنسبة 40 في المئة لدى مَن يعمل بدوام ليلي. أمّا نسبة السكتة الدماغية فقد زادت بنسبة 5 في المئة لكلّ 5 أعوام يتمّ خلالها إجراء الـ"Night Shift"، على أن يتمّ حساب ذلك بعد مرور 15 عاماً على العمل مساءً.
- السكري ومتلازمة الأيض: وجدت دراسة يابانية أنّ الأشخاص الذين يعملون 15 ساعة تناوب زاد إحتمال تعرّضهم للسكري بنسبة 50 في المئة مقارنةً بنظرائهم الذين يعملون فقط خلال النهار.
فضلاً عن أنّ الدوام الليلي متصل بمتلازمة الأيض، وهي عبارة عن مزيج من المشكلات الصحّية تشمل إرتفاع الكولسترول السيّئ، والضغط، والسكر في الدم، والبدانة، ما يشكّل عامل خطر للسكري، وأمراض القلب، والسكتات الدماغية.
أظهرت دراسة عام 2007 شملت 700 شخص في القطاع الطبّي لمدّة 4 أعوام أنّ خطر متلازمة الأيض إرتفع لديهم بمعدل 3 مرّات أكثر من نظرائهم الذين يعملون نهاراً.
- إضطرابات المزاج: تبيّن أنّ موظفي الليل يعانون أكثر من أعراض الكآبة وإضطرابات المزاج، والسبب الرئيسي يرجع إلى العزلة الإجتماعية التي تؤثّر سلباً في نفسيّتهم. فضلاً عن أنّ هذا النوع من العمل ينعكس مباشرة على كيمياء الدماغ. أظهرت دراسة عام 2007 أنّ هؤلاء الأشخاص يملكون مستويات أقلّ من الناقل العصبي «سيروتونين» الذي يلعب دوراً أساساً في تحسين المزاج.
- إختلال الجهاز الهضمي: توصّل الباحثون منذ أكثر من 50 عاماً إلى أنّ الأشخاص الذين يعملون مساءً تزداد لديهم قرحة المعدة، والغثيان، والتقيّؤ، والإمساك، وبعض مشكلات حركة الأمعاء كالقولون العصبي، والحرقة.
- ضعف الخصوبة وتعقيدات الحمل: يبدو أنّ تبديل ساعات العمل من وقت إلى آخر يستطيع التأثير أيضاً في الجهاز التناسلي عند النساء. وجدت دراسة شملت مجموعة من مضيفات الطيران أنّ اللواتي بدّلن دوام عملهنّ خلال الحمل كنّ مرّتين أكثر عرضة للإجهاض مقارنةً بنظيراتهنّ اللواتي لم يتبعن هذا الأسلوب.
فضلاً عن أنّ الـ"Night Shift" مرتبط بزيادة التعقيدات خلال الإنجاب، والولادات المُبكرة، وضعف وزن المواليد، ومشكلات الخصوبة، وعدم إنتظام الدورة الشهرية، وميعاد مؤلم، وإلتهاب بطانة الرحم.
- السرطان: أعلنت منظمة الصحّة العالمية عام 2007 أنّ العمل في الليل قد يكون «مسرطناً». إستناداً إلى تحليلين مهمّين، تبيّن أنّ تبديل العمل يزيد خطر سرطان الثدي بنسبة 50 في المئة، ويعرّض الطيّارين والمضيفات للسرطان بنسبة 70 في المئة. فضلاً عن أنه قد يزيد سرطان البروستات والقولون. ولكن هذا الإحتمال يزداد بعد أعوام عديدة على إتباع الـ"Shift Work".
- البدانة: هناك أسباب عديدة مرتبطة بين البدانة والعمل الليلي، كسوء التغذية، وقلّة الحركة، وإختلال الهرمونات، ونقص النوم، وإرتفاع هرمون الـ"Ghrelin" الذي يزيد الشهيّة، في مقابل إنخفاض هرمون الـ"Leptin" الذي يضمن الشبع.
مسبّبات الوزن الزائد
وشرحت خبيرة التغذية أسباب تعرّض موظفي الـ"Night Shift" لزيادة الوزن:
- حرق سعرات حرارية أقلّ: وجدت الأبحاث أنّ الأشخاص الذين تتقلّب دورات نومهم يحرقون 60 كالوري أقلّ في اليوم مقارنةً بنظرائهم الذين يحصلون على نوم طبيعي منتظم. قد يعتبر البعض أنّ 60 كالوري ليست بهذه المشكلة الكبيرة، إلّا أنّها تعني 420 كالوري أسبوعياً.
- عدم هضم الطعام جيداً: حرق الكالوري لا يقتصر فقط على المجموع اليومي، إنما أيضاً عقب تناول الوجبة الغذائية. يتطلّب عادةً الهضم، وإمتصاص المغذّيات وتوزيعها في الجسم 10 في المئة من مجموع السعرات الحرارية التي يتمّ حرقها خلال اليوم، غير أنّ الأكل مساءً يؤثّر سلباً في هذه العملية.
- تقلّبات السكر في الدم: معدل الغلوكوز صباحاً يكون عادةً جيداً وينخفض خلال اليوم. غير أنّ مَن يعملون في الليل يتقلّب معدل السكر لديهم كثيراً، خصوصاً عند الإفراط في الأكل. يُذكر أنّ معدل السكر في الدم والإنسولين يعملان بأعلى كفاءة في الصباح عند تناول الفطور.
- زيادة الشعور بالجوع: بسبب الحرمان من النوم، يزداد الجوع، ويشعر الدماغ والجسم بتعب شديد، ما يدفع الشخص إلى الأكل أكثر لتعزيز الطاقة والقوّة، ويؤدي بالتالي إلى إنخفاض الـ"Leptin" وإرتفاع الـ"Ghrelin".
- إضطرابات النوم: الأشخاص الذين ينامون أقلّ من 7 ساعات لديهم مؤشر كتلة جسم (BMI) أكثر من نظرائهم الذين ينامون لوقت جيّد. يُذكر أنّ قلّة النوم تُبطئ عملية الأيض، وتؤدّي إلى التعب والعصبية، فتنخفض الرغبة في ممارسة الرياضة ويزداد الأكل.
لمعالجة المشكلة سريعاً
ولوضع حدّ لهذه المشكلة، قدّمت بدروسيان النصائح الثمنية التالية:
- التركيز على البروتينات بما أنها تعزّز عمليّة الحرق أكثر من الدهون والكربوهيدرات. لذلك من المهمّ أن تشكّل 10 إلى 15 في المئة من الغذاء.
- إختيار الكربوهيدرات الغنيّة بالألياف لضمان الشبع لوقت أطول، ومنع تقلّبات الغلوكوز.
- عدم الإنتظار طويلاً للحصول على الطعام، فذلك يدفع إلى الأكل العشوائي والإفراط في الكمية.
- تقليص السعرات الحرارية المستهلكة بنسبة 5 في المئة لتعويض إنخفاض حرق الكالوري.
- تناول سناكات غنيّة بالبروتينات وليس بالكربوهيدرات والسكريات.
- التركيز على الخضار (جزر، خيار، قرنبيط)، وشرب المياه بإنتظام.
- ممارسة الرياضة حفاظاً على كفاءة الإنسولين، وتعزيز حرق الكالوري، وطرد المشاعر السلبية. لتحقيق ذلك، يجب الإستيقاظ قبل وقت من بدء العمل.
- تنظيم الجدول بطريقة جيّدة، والأفضل أن يكون الدوام الليلي منتظماً بدلاً من أن يتغيّر بإستمرار.
- التحكّم في الصحّة من خلال مراقبة الوزن، ومستويات السكر، والضغط والكولسترول، وإجراء فحوص طبية دورية.
(سينتيا عواد - الجمهورية)