بعيداً من الأنظمة الغذائية الشائعة التي يصفها خبراء التغذية لمرضاهم ونسمع بها ونقرأ عنها مراراً وتكراراً، تمكّن العلماء أخيراً من إحراز تقدّم واسع في عالم الرشاقة عن طريق ربط الحمض النووي والشفرة الوراثية بخسارة الوزن. ما هي تحديداً هذه الحمية التي يُعلَّق عليها آمالاً كبيرة؟ قالت إختصاصية التغذية، راشيل قسطنطين إنه "إستناداً إلى ما نُشر في "New York Post"، يبشّر المستقبل بحلول واعدة لمشكلة البدانة في العالم بفضل حمية الجينات المعروفة أيضاً بحمية الـ"DNA" التي تعتمد على خفض الوزن عن طريق الخريطة الجينية لكلّ شخص، ما يُتيح وضع أنظمة غذائية خاصّة بكلّ إنسان تساعده على التخلّص من كيلوغراماته الزائدة حتّى إذا عجز عن تحقيق ذلك سابقاً من خلال الحميات التقليدية. وفق العلماء، يمكن لأصعب الحالات أن تجد الحلّ عن طريق هذا الريجيم".
ثورة في عالم الرشاقة والصحّة
وعن تحليل الشفرة الوراثية والحمض النووي، شرحت أنّ "هناك نحو 25 ألف جينة في الجسم، غير أنّ العدد المسؤول عن الغذاء والرياضة يبلغ 50. يتمّ أخذ عيّنة من لعاب الفم وإرسالها إلى مختبرات أجنبية، بما أنها لا تزال غير متوافرة في الدول العربية، ومن خلال ذلك تُحدَّد كمية النشويات التي يمكن تناولها خلال اليوم، والدهون، ونوع الغذاء المناسب، وجرعة الفيتامينات والمعادن والأوميغا 3 والفيتامين D الضرورية للجسم، ورصد الحساسية على الملح والكافيين واللاكتوز والغلوتين، والرياضة المناسبة، وفترة الإستراحة التي يجب أخذها بين التمارين.
ما يساهم في خفض الوزن خلال فترة زمنية أقصر من غيرها لأنه يتمّ العمل مباشرةً على الجينات. وجدت دراسة أُجريت في جامعة ستانفورد أنّ إتّباع ريجيم "DNA" يملك فاعلية أكثر بمرّتين ونصف تقريباً مقارنةً بأيّ حمية أخرى".
ولفتت إلى أنّ "فوائد هذه الحمية لا تقتصر فقط على الشقّ الغذائي، إنما تشمل أيضاً الجانب الصحّي. عند الخضوع لفحص الجينات، يمكن تحديد مدى إستعداد الشخص للإصابة بالأمراض، كالسكري والضغط المرتفع، ما يُعتبر ثورة في عالم الطب والصحّة ويساهم بشكل كبير في الوقاية من الأمراض. إذاً أهمّيته لا تقتصر فقط على خفض الوزن، إنما أيضاً محاربة الأمراض.
لذلك خلُص العلماء إلى أنّ هذه الحمية هي الحلّ الجديد للأشخاص الذين يريدون خسارة الوزن أو حتّى الحفاظ على صحّتهم. علماً أنها تناسب كلّ الفئات العمرية والحالات الصحّية، لكن لا يمكن وصف كلّ نتيجة لمجموعة أشخاص لأنّ تركيبة جيناتهم لا تكون مشابهة إطلاقاً".
خطوات واضحة وثابتة
وعمّا إذا كانت هذه الحمية مفيدة فعلاً أم لا تزال مجرّد نظرية، أجابت قسطنطين أنه "إستناداً إلى المؤتمر الأوروبي لعلم الوراثة البشرية، تبيّن بعد تحليل 191 شخصاً إتبعوا حمية "DNA" أنّهم خسروا نحو 33 في المئة من وزنهم الزائد وحصلوا على جسم رشيق بعد رصد الخريطة الجينية التي تمّ على أساسها وضع مجموعة خطوات متعلّقة بتنظيم الوجبات. كذلك توصّل الباحثون إلى أنّ هذا النظام الغذائي يملك تأثيراً إيجابياً في المزاج، ويؤمّن كلّ المواد الضرورية، ويخلّص الجسم من السموم والدهون الإضافية التي تسبب له التعب.
كلّ هذه الأمور تُفيد الوظائف الحيوية، وتمنح النشاط، وتُرسل إشارات إلى الدماغ للشعور بحال جيّدة. في الحميات العادية يتمّ عادةً وضع نظريات عامّة نتائجها غير مؤكّدة على رغم أنها مثبتة علمياً، إلّا أنّ هذه الحمية واضحة وثابتة لأنها تعني كلّ شخص وفق جيناته".
وإستكملت حديثها: "عموماً يتمّ وصف الحميات عالية البروتينات، أو قليلة النشويات، أو منخفضة الوحدات الحرارية، أو عالية الكالوريهات، أو غيرها من الأنظمة الغذائية من دون إثبات علمي أنّها تناسب هذا الشخص.
أمّا في حمية الـ"DNA" فيمكن الحصول على الغذاء المناسب للشخص إستناداً إلى خريطة واضحة تظهر كلّ إنزيمات الجسم. فالإنزيم هو المسؤول عن هضم أنواع معيّنة من المأكولات، كإنزيم اللاكتاز الذي يؤدي نقصه أو عدم توافره إلى حساسية اللاكتوز. من جهة أخرى، وفي ما يخصّ الفيتامين D، من المعلوم أنّ معظم سكّان البحر الأبيض المتوسط يعانون نقصاً شديداً فيه على رغم تعرّضهم للشمس.
لكن إستناداً إلى دراسة في جامعة ستانفورد إعتمدت على الخريطة الجينية، تبيّن أنّ شعوب البحر الأبيض المتوسط تفتقر إلى الجين الذي يساعد على إمتصاص الفيتامين D، لذلك يجب الحصول على مكمّلاته الغذائية. أمّا حامض الفوليك الذي يصفه الأطباء عموماً خلال الحمل منعاً لحدوث تشوّهات خلقية عند الجنين، يمكن من خلال حمية "DNA" معرفة إذا هناك دافع فعلي لتناول مكمّلاته".
غذاء مناسب ورياضة صحيحة
وتطرّقت قسطنطين أيضاً إلى تأثير الجين في شكل الجسم، فأفادت أنّ "الخريطة الوراثية تتحكّم في كلّ شيء، بدءاً من لون الشعر والعيون والطول، مروراً بحرق الدهون، وعملية الأيض، وشكل الجسم. لذلك نجد بعض النساء يتمتّعن بشكل التفاح (تراكم الدهون في المعدة)، أو الإجاص (تراكم الدهون في الأرداف والأفخاذ). من خلال حمية الجينات يمكن تحديد النظام الغذائي المناسب لشكل الجسم.
فالنشويات على سبيل المثال (خبز، وطحين، ومعكرونة، وأرزّ) تتمركّز في منطقة البطن، ما يعني أنّ الأشخاص الذين يملكون شكل التفاحة عليهم الإبتعاد من هذه الأطعمة. أمّا في ما يخصّ حرق السعرات الحرارية فهو خاصّ بكلّ إنسان، بحيث إنّ البعض يحرق أكثر من غيره، ويمكن تحديد ذلك عن طريق الحمية الجينية".
وفي ما يخصّ الشقّ البدني، أوضحت أنّ «حمية "DNA" تُظهر قدرة الجسم على ممارسة الرياضة، ومستوى لياقته بشكل عام، ومعدل الراحة بين التمارين. هذا الأمر يعطي فكرة لإختيار أنواع الرياضة الملائمة لطبيعة الجسم، وبالتالي تعزيز التحكّم في الوزن. وبذلك يتمّ الجمع بين الغذاء المناسب والرياضة الصحيحة بناءً على تركيبة الجسم الجينية، ما يضمن تحقيق نتائج مذهلة".
وختاماً علّقت قسطنطين أنّ "هذا النوع من الحميات حقّق نتائج مذهلة ونجاحات كبرى في البلدان الخارجية، وهو يدخل تدريجاً إلى منطقتنا وسَيكون حلّاً مستقبلياً لمشكلات عديدة متعلّقة بالبدانة والأمراض، لذلك يجب إعطاؤه الأهمية التي يستحقّها. لكن يجب التنبيه أيضاً أنّ التقيّد بحمية الجينات لن يكون وحده كافياً لحلّ كلّ المشكلات المتعلّقة بالوزن، إنما يجب أن ترافقه الرياضة، جنباً إلى تحسين العادات الغذائية".
(سينتيا عواد - الجمهورية)