"أخطاء شائعة"، إذا صحّ التعبير، اعتدنا على ارتكابها، على الأغلب عن جهل وغير قصد أو بسبب اعتقادنا أنها الأصحّ، كفيلة بإشعال الغضب أو الخوف أو الحزن في نفوس فلذات أكبادنا، حدّ إيذائهم أو جعلهم عرضة لأمراض نفسية وعقلية! فما هي هذه الأخطاء وكيف نتجنبها لحماية أطفالنا من أي عامل سلبي؟!
المشاعر السلبية عند الأطفال هي من المشاكل التي يوليها علماء النفس والتربية أهمية بالغة، سيّما وأنها "مؤشر إلى تعرّضهم لإساءة معيّنة أو جرّاء نقص في تلبية حاجاتهم"، كما يشرح الطبيب والمعالج النفسي د. مرام الحكيم في حديث لـ"لبنان 24".
الغضب إذاً ردّ فعل على فعل سلبي. تماماً مثلما هو الحزن والخوف. "كلّ المشاعر لها وظائف معيّنة عند الأشخاص، صغاراً وكباراً"، يقول الحكيم، منبهاً إلى أن "الجنين في الرحم يشعر بمشاعر سلبية أيضاً".
ويتابع: "هناك نظريتان علميتان مختلفتان حول موضوع الأجنّة ومرحلة الحمل، الأولى تقول بأنّ أعصاب الجنين لم تصل بعد إلى مرحلة النضوج وبالتالي فهو لا يشعر، أما النظرية الثانية التي باتت تدعمها المعاينات والمتابعات تفيد بأن أعصاب الجنين تنقل الحوافز وهو يملك مشاعر وأحاسيس (من ضمنها الغضب) ويتفاعل مع محيطه، رغم أنه لا يُدرك ولا يعي ما يحصل من حوله (لا إدراك ولا تحليل)".
نتحدث هنا عن الجهاز العصبي الذي يُخزّن الأحداث عن طريق الحواس ويترجمها إلى مشاعر! ومع أنّ ثمة صعوبة في إثبات ذلك بسبب غياب التواصل المباشر مع الجنين، بحسب الحكيم، فإن بعض التسجيلات الصوتية من داخل الرحم (التي تجرى في مختبرات خاصة) قد بيّنت هذا التفاعل. أكثر من ذلك، فإن حركة الجنين لدى سماعه أصواتاً مرتفعة أو مدويّة مثل أصوات القنابل هي من أبرز الدلالات إلى تفاعله مع العالم الخارجيّ... والداخلي!
فما هي العوامل التي توّلد مشاعر سلبية لدى الأجنّة؟!
يجيب الطبيب والمعالج النفسي: "محاولات الإجهاض التي تضع الجنين في موقع المستسلم أو المقاوم، تدخين الأم، الأصوات المرتفعة والصاخبة التي تخيفه، شعور الجنين بالجوع بسبب سوء تغذية الأم، الضغوطات النفسية التي تعيشها الأم أو الحزن الشديد في حالات وفاة شخص قريب (ومن المعروف أن الحبل السريّ ينقل إلى الجنين هورمون الكورتيزول والأدرينالين)...كلّها أمور تؤثر سلباً على الجنين فيترجمها بمشاعر الغضب أو غيره".
ويلفت د. الحكيم إلى أنّه في خلال بعض المعاينات الطبية العلاجية (التي تعيد الشخص إلى مراحل الماضي في حياته) "نرى أنّ الأفراد يعيشون تلك الأحداث مجدداً من دون أن يعرفوا ماهيّتها لكنهم يقرّون بأنّ ثمة شيئاً سلبياً قد حصل معهم، أو قد يرون مثلاً مشاهد تحاكي حدثاً معيّنا (مثل رؤيتهم لأمرأة حامل)...وبالفعل، عندما نمضي قدماً في المعاينة ونتحدث مثلاً مع الوالدة، فإننا نكتشف أنها فعلاً لم تكن ترغب بالجنين وحاولت إجهاضه أو ما شابه!"
وطبياً، لا يمكن الحديث عن "منسوب" معيّن من تلك العوامل السلبية التي قد توّلد مشاعر سلبية، "فهذا يعود إلى قدرة تحمل الجنين للضغوطات تبعاً لتكوينه الجسدي والعصبي".
وإذا كان من الصعوبة في مكان رصد مشاعر الجنين وكيفية تفاعله، فإن هذا الأمر يصبح جليّاً في مرحلة الولادة حيث يسهل رصد لغة الجسد!
"إنها مرحلة مفصلية وأساسية"، يقول الحكيم شارحاً أن "الولادة قد تكون سهلة وطبيعية وتسير كلّ الأمور على ما يُرام فيكون المولود في هذه الحال بمنأى من خطر الأذية والمشاعر السلبية، لكنها قد تكون في المقابل عسيرة بفعل أمور مختلفة، منها للأسف، ما بات "دارجاً" في أيامنا هذه حدّ أن ظنّ الناس أنه الأسلم والأصحّ!
يتحدث د. الحكيم عن تحديد موعد للولادة بشكل مسبق حيث يتمّ إعطاء الأم طلقاً اصطناعياً كي تلد طفلها! ويقول: "هذه الظاهرة التي بتنا للأسف نشهدها كثيراً في السنوات الماضية خلافاً لما اعتدنا عليه على مرّ الزمن، مؤذية للمولودين الجدد وتسبب لهم الغضب كونها تعرّضهم لأوجاع ومخاوف شتّى".
والحال أنّ ثمة حالات استثنائية تستدعي تحديد موعد للولادة عوض انتظار الولادة الطبيعية، وهذا أمر مفهوم، لكن للأسف فإن عدداً من الأطباء باتوا اليوم يختلقون مسببات لتبرير الولادات المحددة مسبقاً بما يتناسب مع أوقاتهم وظروف عملهم، وحتى أنّ بعض الأمهات يرفض انتظار موعد الولادة الطبيعية ويطلب تحديد تاريخ حيث تذهب الأم إلى المستشفى وهي لا تشعر بأي عوارض أو ألم وتعود مع طفلها في اليوم التالي!
ويشرح الحكيم أنّ "التقلصات القوية بسبب الطلق الاصطناعي ولا سيّما إذا لم يكن الجنين حاضراً بعد، هي بمثابة ضغوطات قاسية تفوق قدرته على التحمّل، وتعرّضه لأوجاع وخوف، تماماً كما تعرّض الأم لأوجاع إضافية أيضاً"!
برأيه، "الولادة الطبيعية هي الأنسب. هكذا ولدت البشرية على مرّ العصور. أكثر من ذلك، فإنه يشير إلى أنّ آلام الولادة الطبيعية لا تسبب أذية للمولود، والأمهات قادرات على تحملها. وعليه، يعتبر أن اللجوء إلى وسائل التخدير أثناء الولادة هو بدوره سلبيّ جداً وخطير كونه يحدّ من قدرات الأم وقوّتها فتصبح غير قادرة على التحكم بعضلاتها ومساعدة طفلها على الخروج، تماماً كما تحدّ من حركة الجنين، ما يدفع الطاقم الطبي في نهاية المطاف إلى إستخدام آلات لإخراج الطفل، وهو ما يعدّ خطراً بحدّ ذاته"!
ليس هذا وحسب! يقول الحكيم إنّ الوضعيات التي تُجبر الأم على اتخاذها أثناء الولادة ليست سليمة ومساعدة: "يحب ألا تتمدد الأم على ظهرها بل أن تكون في وضعية القرفصاء كي تساعدها الجاذبية على إخراج الطفل"!
أكثر من ذلك فإن الطبيب والمعالج النفسي يعيب اعتبار الأم الحامل مريضة، كما باتت المستشفيات تصنفّها، قائلاً:"لم تكون الولادة في المستشفى أصلاً؟! الحامل ليست مريضة كي يصار إلى إلباسها الرداء الأبيض وزجّها في غرفة مليئة بالمعدات والحديد، بل عليها أن تلد في أجواء مناسبة ومريحة وبعيدة من الضوضاء والضجيج... بات علينا أن نغّير مفهومنا للولادة، وهو مفهوم خاطئ طرأ منذ مئة عام ولا يزال للأسف سائداً"!
ويلفت الحكيم إلى أن مرحلة الولادة هي مرحلة أساسية في تكوين الأمراض النفسية والعقلية التي قد تصيب الفرد لاحقاً (علماً أنه شخصياً لا يعرف مصدرها)، وبالتالي علينا أن نتجنّب قدر المستطاع الأمور التي تسبب للأطفال صدمة وغضباً وحزناً وخوفاً.
وعن عوارض تلك المشاعر السلبية لدى المولود الجديد، يشرح د. الحكيم أنّه "يمكن ملاحظة العوارض لدى الجنين بسهولة وذلك من خلال نومه وبكائه ورفضه للطعام أو الرضاعة أو تشنجّ قبضات يديه…
وبحسب الطبيب، هناك 6 أنواع من بكاء الطفل، كلّ منها يؤشر إلى حاجة معيّنة (الجوع، الخوف، الحاجة إلى اللمس، الحاجة إلى التنظيف…)، ويقول:"ليس صحيحاً أنّه من الصعوبة التواصل مع الطفل أو فهم لغة جسده".
ومن الأخطاء الشائعة التي بات معظم الأمهات يرتكبنها هي برمجة طعام الطفل ونومه وعدم حمله كي لا يعتاد على الحمل!
"إن الجوع حاجة بيولوجية وطبيعية، تماماً كالنوم"، يقول د. الحكيم شارحاً أنّه من الضروري لمس الطفل وحمله بطريقة سليمة (بطنه يواجه بطن الأم) كلما أراد ذلك!
يأسف الحكيم لأن "هناك جيلاً بات يولد مشبعاً بالغضب جرّاء هذه الإساءات والنقص في تلبية احتياجاته"، خاتماً بالإشارة إلى أنّ "المشاعر السلبية هي في نهاية المطاف مؤشر إلى حصول أذية أو إساءة، والاثنان إذا ما بقيا من دون معالجة وتراكما فإنهما يؤديان إلى أمراض مختلفة، جسدية ونفسية وعقلية، قد يكون من الاستحالة اكتشاف مصدرها في مرحلة لاحقة إلا على يد معالج نفسي متخصص"!
(في التقرير المقبل إضاءة على المشاعر السلبية لدى الأطفال في مراحل لاحقة وصولاً إلى سنّ المراهقة).