تصاعدت أمس حدة الأزمة بين السعودية وإيران الناجمة عن الاعتداء على سفارة المملكة في طهران وقنصليتها في مشهد، إذ قطعت كل من البحرين والسودان العلاقات مع طهران، وواصلت الرياض سياسة الحزم فأعلنت وقف رحلات الطيران إلى إيران وقطع العلاقات التجارية معها. وأكد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أن قطع الرياض علاقاتها مع طهران «أعقب أعواماً من العدوانية الإيرانية«، مشدداً على ضرورة أن تتصرف إيران «كدولة طبيعية» قبل إعادة العلاقات معها.
وتعهدت إيران لمجلس الأمن أمس بعدم تكرار الاعتداء على البعثات الديبلوماسية، مبدية في رسالة إلى المجلس الدولي أسفها للاعتداء على السفارة السعودية. ولم تبقَ الأزمة محصورة بين الدولتين، إذ أعلنت البحرين والسودان أمس قطع علاقاتهما بإيران وخفضت الإمارات العربية مستوى العلاقات الديبلوماسية معها، بينما دعت دول كبرى الى احتواء التوتر الذي ينذر بتداعيات إقليمية، كما أعلنت الأمم المتحدة توجه الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا إلى الرياض ثم إلى طهران في مسعى لعدم انعكاس هذا التوتر على المفاوضات المفترضة بين المعارضة السورية والنظام في جنيف في 25 كانون الثاني الجاري.
وقال وزير الخارجية السعودي في مقابلة مع وكالة «رويترز« أمس، إن طهران مسؤولة عن زيادة التوتر. وأكد الجبير أن الرياض سترد «على الاعتداء الإيراني»، واتهم طهران بإرسال مقاتلين لدول عربية والتخطيط لشن هجمات في المملكة وجاراتها في الخليج، وأوضح أن قطع العلاقات أعقب أعواماً من «السياسات العدوانية الإيرانية».
وقال الوزير السعودي: «لا يوجد تصعيد من جانب السعودية. كل تحركاتنا رد فعل. الإيرانيون هم من ذهبوا إلى لبنان. الإيرانيون هم من أرسلوا فيلق القدس والحرس الثوري إلى سوريا«.
وأشار إلى أن السعودية ستوقف كل العلاقات التجارية وستوقف كل حركة الملاحة الجوية مع إيران وستمنع مواطنيها من زيارة هذا البلد. وشدد على أن إعدام نمر النمر حق سعودي وجاء نتيجة قيامه «بالإثارة وتنظيم خلايا ومدها بالسلاح والمال«.
وبعد سرد الجرائم التي أعدم بسببها أيضاً 43 من أعضاء تنظيم القاعدة يوم السبت الماضي، قال الجبير عن الإعدامات «نستحق على ذلك الإشادة لا الانتقاد«.
وأكد الجبير ترحيب السعودية بالحجاج الإيرانيين في مكة والمدينة سواء للحج أو العمرة. وأضاف أن على إيران أن تتصرف مثل «دولة طبيعية» وليست «ثورية»، وينبغي عليها احترام الأعراف الدولية قبل إعادة العلاقات.
وبالفعل، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السعودية أمس «وقف جميع الرحلات من والى إيران«. وجاء في بيان الهيئة ايضا ان القرار يأتي على «خلفية الاعتداءات السافرة التي تعرضت لها سفارة خادم الحرمين الشريفين في طهران والقنصلية في مشهد بإيران«، مضيفاً أن «الناقلات الوطنية ستتخذ الإجراءات اللازمة بغية عدم تضرر المسافرين ممن لديهم حجوزات مسبقة بالتنسيق مع المسافرين».
وأعلنت البحرين في بيان «قطع علاقاتها الديبلوماسية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، والطلب من ديبلوماسييها المغادرة «خلال 48 ساعة». وشمل القرار إغلاق بعثة البحرين لدى إيران وسحب كل طاقهما.
كما أعلن السودان قطع علاقاته الديبلوماسية مع إيران «فوراً«، بحسب بيان لوزارة الخارجية التي أكدت أن القرار يأتي على خلفية «حادثة الاعتداء الغاشم على سفارة» السعودية وقنصليتها.
أما الإمارات العربية فقد استدعت سفيرها وخفضت التمثيل الديبلوماسي. وأفاد بيان للخارجية الإماراتية أن أبو ظبي قررت خفض التمثيل «الى مستوى قائم بالأعمال وتخفيض عدد الديبلوماسيين الإيرانيين في الدولة»، كما تم «استدعاء» سفيرها في طهران سيف الزعابي تطبيقاً للقرار.
ونددت الولايات المتحدة الأميركية بالهجمات على المنشآت الديبلوماسية السعودية في إيران.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية جون كيربي للصحافيين : إننا ندين الاعتداءات على الممتلكات الديبلوماسية السعودية في إيران»، مضيفاً «نحن نأخذ الهجمات على المنشآت الديبلوماسية على محمل الجد«.
وأضاف كيربي: «إننا نتابع التقارير بأنه قد تم القبض على بعض من مرتكبي هذه الهجمات، ونحث الحكومة الإيرانية على الاحترام الكامل لالتزاماتها الدولية لحماية مقر البعثات الديبلوماسية«.
وفي القاهرة، أفاد نائب الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد بن حلي عن اجتماع طارئ لوزراء الخارجية الأحد المقبل، بهدف «إدانة انتهاكات إيران لحرمة سفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد»، إضافة الى «إدانة التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية».
وطالبت أندية الهلال والنصر والأهلي والاتحاد السعودية المشاركة في دوري أبطال آسيا لكرة القدم على مواقعها الالكترونية، بعدم لعب مبارياتها المقررة مع الأندية الإيرانية في إيران ونقلها الى أرض محايدة.
وواصلت طهران تدخلها في الشأن السعودي الداخلي، وقال نائب وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان إن «قرار السعودية قطع العلاقات (الديبلوماسية) لن ينسي خطأها الجسيم بإعدام عالم دين»، حسبما قالت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية.
وسارعت دول عدة الى التحذير من تصاعد التوتر، وأعلنت وزارة الخارجية الروسية أن موسكو «مستعدة لدعم» حوار بين الرياض وطهران، طالبة «بإلحاح» منهما «ومن الدول الخليجية الأخرى ضبط النفس»، وسلوك «طريق الحوار».
كما دعت فرنسا الى «وقف تصعيد» التوتر، بحسب تصريحات للناطق باسم الحكومة الفرنسية ستيفان لوفول الذي اعتبر أن «تميز فرنسا هو قدرتها على الحوار مع الجميع، وقد ذكر وزير الخارجية (لوران فابيوس) بالرغبة في وقف التصعيد». كما دعت برلين عبر المتحدث باسم المستشارة الألمانية انغيلا ميركل، ستيفن سيبرت، الى بذل كل ما في وسعهما «لاستئناف علاقاتهما».
وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إيرنست في مؤتمره الصحافي اليومي: «ما زال ينتابنا القلق بشأن حاجة الطرفين الإيراني والسعودي لنزع فتيل التصعيد في الموقف. نحث جميع الأطراف على التحلي بضبط النفس وعدم إشعال التوترات الملتهبة بالفعل في المنطقة«.
وعبّر البيت الأبيض عن القلق جراء عدم حماية مقر البعثة الديبلوماسية السعودية في طهران من جانب السلطات الإيرانية.
وأجرى وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس اتصالات هاتفية مع الجبير ومع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف. وقال مسؤول أميركي إن كيري أجرى الاتصالين لأن الأزمة الناشئة تهدد بمزيد من التصعيد. وأوضح مسؤول آخر لوكالة «فرانس برس«: «نحض على الهدوء وعدم التصعيد. إن الموقف يحتاج الى الهدوء».
وفي نيويورك، ذكر المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن الأمين العام بان كي مون قال إن إعلان قطع العلاقات الديبلوماسية السعودية مع طهران أمر مقلق للغاية«. وأشار دوجاريك إلى أن بان تحدث مع الجبير هاتفياً كما فعل مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الأحد، مضيفاً أن الأمم المتحدة تحث الوزيرين على «تجنب أي أفعال قد تفاقم الوضع أكثر«.