نقلت مجلة «الإيكونوميست» عن ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز قوله إن قراراً بشأن طرح أولي لأسهم «أرامكو« سيصدر خلال بضعة أشهر، وعن الخلافات مع إيران أكد أنه من غير المسموح أن تتحول إلى حرب وصفها بأنها ستكون كارثة.
وتحدث الأمير محمد بن سلمان إلى «الإيكونوميست» في الرابع من كانون الثاني الجاري في لقاء امتد لخمس ساعات، في أول مقابلة مسجلة له، وفي ما يلي نصها:
[ دعنا نركز أولاً على الإعدامات الأخيرة، لماذا حدثت الآن بعد سنوات عديدة من الهجمات الإرهابية في السعودية؟ ولماذا وضعتم رجل دين شيعياً بارزاً ضمن القائمة؟
- أولاً، هذه أحكام صادرة من محكمة لتهم تتعلق بالإرهاب، وقد مرت عبر ثلاثة مستويات من الإجراءات القضائية. لقد كان لديهم الحق في توكيل محامين وكان محاموهم حاضرين في كل مراحل الإجراءات. كانت أبواب المحكمة مفتوحة أيضاً لأي وسيلة إعلامية وللصحافيين. وكل الإجراءات والنصوص القضائية نُشرت للعلن. لم تأخذ المحكمة إطلاقاً بأي تمييز بين الأشخاص سواء كان سنياً أو شيعياً، فهي تراجع الجريمة والإجراء والمحاكمة والحكم، ثم تنفذ الحكم.
[ لكن هذه الإعدامات أشعلت ردات فعل عنيفة في إيران، تم الهجوم على سفارتكم، قطعتم العلاقات الديبلوماسية، وكذلك فعلت البحرين والسودان. ماذا ستكون عواقب هذا التصعيد على التوترات الإقليمية؟
- نرى ذلك باستغراب، بأن هناك تظاهرات ضد السعودية في إيران. فما علاقة مواطن سعودي ارتكب جريمة في السعودية وصدر بحقه قرار من محكمة سعودية، ما علاقة ذلك بإيران؟ إن دل ذلك على شيء فهو يدل على حرص إيران على توسيع نفوذها في دول المنطقة.
[ ألم تصعدوا بشكل غير عادل التوترات من خلال قطعكم العلاقات الديبلوماسية؟
- بالعكس، نخشى أنها ستتصعد أكثر. تخيل لو تمت مهاجمة أي ديبلوماسي أو أحد أفراد عائلته في إيران، سيكون موقف إيران حينها أصعب بكثير، لذا نحن منعنا إيران من التعرض لمثل هذا الإحراج. تم إشعال النار في البعثة السعودية والحكومة الإيرانية تتفرج. لو حصل هجوم على طفل أو ديبلوماسي أو عائلته، فماذا سيحدث؟ سيحدث الصراع الحقيقي والتصعيد الحقيقي.
[ هل تتوقع صراعاً بين إيران والسعودية، صراع مباشر محتمل؟
- بسبب هذا الإجراء؟
[ وما عواقب ذلك؟
- إذا كان الأمر بسبب هذا الإجراء، فلا أظن أن ذلك سيسبب مزيداً من التوتر بين السعودية وإيران. لأن التصعيد الإيراني قد وصل إلى مستويات عالية ونحن نحاول بكل ما بوسعنا لعدم التصعيد أكثر، نحن فقط نتعامل مع الإجراءات والخطوات التي ضدنا.
[ هل هناك احتمال لنشوب حرب بين بلديكما، حرب مباشرة؟
- هذا أمر لا نتوقعه مطلقاً، ومن يدفع بهذا الاتجاه هو ليس في كامل قواه العقلية. لأن الحرب بين السعودية وإيران تعني بداية كارثة كبرى في المنطقة، وسوف تنعكس بقوة على بقية العالم. وبالتأكيد لن نسمح بحدوث ذلك.
[ هل تعتبرون إيران عدوكم الأكبر؟
- لا نأمل ذلك.
[ أحد المناطق التي يمكن أن تعتبر مكاناً للحرب بالوكالة هي اليمن، أنتم مهندس هذه الحرب في اليمن، فمتى ستنتهي؟
_ أولاً، أنا لست مهندس العملية اليمنية. نحن دولة مؤسسات، إن القرار المتعلق بالمضي قدماً في عملية اليمن، هو قرار يتعلق بوزارة الخارجية ووزارة الدفاع والاستخبارات ومجلس الوزراء ومجلس الشؤون السياسية والأمنية، ثم تسلم جميع التوصيات إلى جلالته، والقرار بالمضي في ذلك هو قرار جلالته. وعملي كوزير للدفاع هو تنفيذ ما يأمر به جلالته. وسأقوم بتسليم (توصيات) لأي مخاطر أراها. وأعمل الاستعدادات لأي مخاطر.
[ جاء القرار مباشرة بعد أن أصبحتم وزيراً للدفاع، فمتى تتوقعون انتهاء العملية؟
- في ما يخص اتخاذ القرار بعد أن أصبحت وزيراً للدفاع، فلماذا ننسى استيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء بعد أن أصبح جلالته ملكاً؟ ليس لهذا علاقة بكوني أصبحت وزيراً للدفاع. الأمر كله يتعلق بما فعله الحوثيون. لدي الآن صواريخ أرض أرض على حدودي، تبعد فقط 30 ـ 50 كيلومتراً عن حدودي، ومدى هذه الصواريخ يصل لـ550 كيلومتراً، تملكها ميليشيا، وميليشيا تجري تدريبات على حدودي، وميليشيا تمتلك طائرات حربية لأول مرة في التاريخ، وذلك على حدودي، وهذه الطائرات التي تمتلكها الميليشيا تنفذ نشاطات ضد شعبهم في عدن. فهل هناك أي دولة في العالم تقبل بحقيقة وجود ميليشيا بهذا النوع من التسليح على حدودها؟ خصوصاً أنهم تعاملوا بمنتهى الاستهتار مع قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وشكلوا تهديداً مباشراً لمصالحنا الوطنية. لدينا تجربة سابقة، تجربة سيئة معهم تعود إلى عام 2009. إن العمليات التي نُفذت حظيت بدعم وموافقة مجلس الأمن من دون أي اعتراض.
[ عندما بدأت العمليات، توقع الكثيرون أن تمر بسرعة. إلا أنه قد مضى على بدايتها حتى الآن 10 أشهر وهي لا تزال مستمرة، ألا تشعر بأنك في مستنقع عسكري؟
- لا، لقد كانت هناك أهداف مختلفة. الهدف الأول لعاصفة الحزم كان يتمثل في تعطيل القدرات الرئيسية لهذه الميليشيا، وهي القدرات الجوية وقدرات الدفاع الجوي وتدمير 90% من ترسانتها الصاروخية. ثم قمنا بعد ذلك في البدء بالعمل على إيجاد الحل السياسي في اليمن. والتي تُعد مرحلة مختلفة تماماً عن مرحلة الهدف الأول. جميع جهودنا الأن منصبة على الدفع نحو إيجاد حل سياسي. لكن هذا الأمر لا يعني بأننا سنسمح للميليشيا بالتوسع على الأرض، لذلك فعليهم بأن يدركوا أن كل يوم يمضي من دون قيامهم بالسعي نحو الوصول إلى حل سياسي سيجعلهم يخسرون على الأرض.
[ كم ستستغرق هذه العملية من وقت؟
- لا يمكن لأحد بأن يتوقع مثل هذا الأمر في الحروب، من أكبر قائد إلى أصغر قائد، لا أحد يستطيع توقع ذلك. حيث يمكننا أن نرى داعش اليوم ولكن لا يمكن لأي أحد بأن يتوقع وقت هزيمتهم. لكن ما أستطيع قوله هو إن نصف مدينة عدن لم يكن تحت سيطرة الحكومة قبل 10 شهور، أما الآن فإن أكثر من 80% من أراضي اليمن تحت سيطرة الحكومة الشرعية. كما أريد أن أشدد على أن العالم قد اكتشف الألاعيب التي كان يقوم بها الحوثيون، خصوصاً ألاعيبهم التي كانوا يستخدمونها في ما يتعلق بالمساعدات الإنسانية.
[ أنت كذلك من يدير الاقتصاد في البلاد، لذا دعنا ننتقل الآن إلى موضوع الميزانية. سعر برميل النفط وصل إلى 35 دولاراً أميركياً، وعجز الميزانية للسنة الماضية كان يشكل 15% من إجمالي الناتج المحلي. هل تواجه المملكة العربية السعودية أزمةً اقتصادية؟
- نحن بعيدون تماماً عن ذلك. نحن أبعد من مواجهة أي أزمة اقتصادية عما كنا عليه في الثمانينات والتسعينات. حيث نملك الآن ثالث أكبر احتياط في العالم. كما أننا قد تمكنا هذه السنة فقط من زيادة عائداتنا غير النفطية بنسبة 29%. لقد كنا قادرين على رؤية أمور إيجابية أكثر مما يعتقده معظم الناس حيال اقتصاد السعودية والعجز والإنفاق. كما أن لدينا برامج واضحة للخمس سنوات المقبلة، قمنا بإعلان بعضها وسنعلن ما تبقى منها في المستقبل القريب. بالإضافة إلى ذلك فإن ديوننا تمثل ما نسبته 5% بالمقارنة مع إجمالي الناتج المحلي، لذلك فنحن لدينا نقاط قوة ولدينا الفرصة أيضاً لزيادة عائداتنا غير النفطية في العديد من القطاعات، علاوةً على امتلاكنا لشبكة اقتصادية عالمية.
[ كيف ستقوم بزيادة العائدات غير النفطية؟ هل ستفرض ضريبة القيمة المضافة؟ هل ستفرض ضريبةً على دخل الفرد؟
- لن يكون هناك ضريبة على دخل الفرد، ولا ضرائب على الثروة، نحن نتحدث عن ضرائب ورسوم مدعومة من قبل المواطن، بما فيها ضريبة القيمة المضافة وضريبة الحد من استهلاك السلع الضارة. حيث ستوفر هذه الضرائب إيراداتٍ جيدة لكنها لن تكون المصدر الوحيد للإيرادات، حيث أن لدينا العديد من الفرص في مجال التعدين ولدينا أيضاً أكثر من 6% من احتياطات اليورانيوم العالمية. علاوةً على أننا نمتلك الكثير من الأصول غير المستغلة. حيث أن لدينا 4 ملايين متر مربع من الأراضي الحكومية غير المستغلة في مكة وحدها. قيمة السوق مرتفعة جداً، نحن لدينا العديد من الأصول التي نستطيع أن نحولها إلى أصول استثمارية. نحن نعتقد بأننا نستطيع الوصول إلى مرحلة تصل فيها عائداتنا غير النفطية إلى 100 مليار دولار أميركي خلال السنوات الخمسة المقبلة.
[ متى ستقوم بفرض ضريبة القيمة المضافة؟
- سنحاول القيام بذلك في نهاية سنة 2016 أو 2017، كما سنحاول التعجيل في موعد فرضها.
[ وما الذي ستقوم بخصخصته لكي تزيد من الإيرادات؟
- الرعاية الصحية والقطاع التعليمي وبعض القطاعات العسكرية مثل المصانع العسكرية وبعض الشركات المملوكة من قبل الدولة. هذا الأمر سيعمل على تقليل الضغط الذي تعاني منه الحكومة، كما أن من شأن بعضها أن يزيد من توفير قدر جيد من الأرباح.
[ هل تتصور إمكانية بيع بعض أسهم شركة أرامكو السعودية؟
- هذه الفكرة قيد المراجعة، ونحن نعتقد أننا سنتوصل إلى القرار المتعلق بهذا الشأن خلال الشهور القليلة المقبلة. أنا شخصياً متحمس لهذه الخطوة وأعتقد أن القيام بها سيصب في مصلحة السوق السعودي وشركة أرامكو كذلك، كما أنه سيساعد على إيجاد قدر أكبر من الشفافية والمكافحة لأي نوع من أنواع الفساد الذي قد يكون موجوداً في محيط أرامكو.
[ لقد قلت سابقاً إن تنويع الاقتصاد ليصبح أقل اعتماداً على النفط هو من أبرز التحديات التي تواجه السعودية. ما هي القطاعات التي سيتم إعطاء الأولوية لها في ما يتعلق بالتنويع؟
- التعدين، إصلاحات نظام الدعم الحكومي، حيث أن لدينا 20% فقط من الطبقات الوسطى والدنيا التي تستفيد من الدعم الحكومي. نحن نستهدف الـ80% ونحاول الإبقاء على فوائد الطبقات الوسطى والدنيا. هذا الأمر سيعمل على توفير عائدات جيدة. وكما قلت لك فإن هناك أصولاً لم يتم استغلالها: سنعمل على توسيع السياحة الدينية وزيادة عدد السائحين والحجاج القادمين إلى مكة والمدينة مما سيعطي قيمة أكبر للأراضي المملوكة من قبل الحكومة في كلا المدينتين.
[ لقد قمتم برفع الأسعار في هذه الميزانية كأسعار الكهرباء والوقود، لكن لا يزال هناك الكثير من الدعم. هل هذا نوع جديد من الدور القيادي في المنطقة؟
- نحن نتعامل مع كافة حلفائنا بخطى متساوية، وجميعنا نعمل لمواجهة التحديات في المنطقة، نحن ودول الخليج، ومصر وتركيا والسودان ودول القرن الأفريقي ودول شمال أفريقيا ودول غرب أفريقيا ودول شرق آسيا، ماليزيا اندونيسيا إلخ، وباكستان، نسعى بشكل جماعي لمواجهة هذه التحديات. لأن هذه التحديات تشكل خطراً علينا جميعاً، ويجب علينا مواجهتها كفريق واحد، ونسعى أن نقوم بعمل إيجابي.
[ قبل خمس سنوات، بدأ الربيع العربي، وكانت سنوات قاتمة من عدة أوجه في المنطقة، فهل ستكون الخمس سنوات المقبلة أفضل أم أسوأ؟
- أولاً، أستطيع القول بأن الربيع العربي كان اختباراً حقيقياً لمعرفة أنماط الحكومات الاستبدادية وأنماط الحكومات غير الاستبدادية، والنظام الذي يمثل شعبه والنظام الذي لا يمثل شعبه، وأي نظام لم يمثل شعبه انهار مع الربيع العربي، ونرى ما حدث للأنظمة الأخرى.
[ هل يمثّل آل سعود شعبهم؟
- نحن نشكل جزءاً من العملية الوطنية، كما أننا نشكل جزءاً من القبائل المحلية، بالإضافة إلى أننا ننحدر من المناطق الموجودة في البلاد، لقد عملنا مع بعضنا البعض على مدار الـ 300 سنة الماضية.
[ شكراً جزيلاً لكم يا صاحب السمو الملكي.
- شكراً لكم، أنا سعيد باستضافتكم هنا اليوم، كما أنني أسعد بتلقي أسئلتكم. نحن دائماً نقبل الانتقادات التي تأتينا من أصدقائنا، إذا كنا على خطأ فنحن بحاجة لأن نستمع لمن يقول لنا بأننا على خطأ. لكن إن لم نكن على خطأ فنحن بحاجة إلى أن نستمع لدعم أصدقائنا لنا. ما أطلبه أنا هو أن تقولوا الشيء الذي تؤمنون به فعلاً.