كثيرة هي العناوين التي كانت سبباً للخلافات بين اليمنيين، لكن المذهبية لم تكن بينها.
بعد سقوط حكم الامامة، حدث في اليمن ما حدث في دول عربية عدة انقلبت على ممالكها. فشلت الانظمة الجمهورية في بناء دولة تقوم على المواطنة. كما فشلت في بناء جيش يصهر الهويات المختلفة في بزة وطنية واحدة.
في العراق وسوريا كانت الهيمنة السياسية والاجتماعية معقودة للمذهبية. في الجزائر كانت معقودة للجهوية. اما في اليمن فكانت معقودة للقبيلة.
اليمن لم يكن يوما على خريطة الصراع التاريخي بين الشيعة والسنة. فالزيود كانوا شيعة السنة او سنة الشيعة. وحين انقلب عبدالله السلال على حكم الامامة بدعم ناصري، قاد آل الاحمر تحالف قبائل حاشد الزيدية ضد حكم الائمة الزيود. ودعمت السعودية السنية الثورة المضادة للقبائل الامامية. لم يكن الصراع في البلاد على خلفية مذهبية، كان المال والنفوذ والسلطة هي الاساس. وكان أهل الولاء في اليمن ابناء القبيلة وليس أبناء المذهب. وظل الانتماء القبلي هو الأقوى حتى تفجرت صراعات المصالح ومراكز القوى داخل القبائل نفسها. فشق الصراع بين عائلة علي صالح وآل الاحمر قبائل حاشد. وتحول الحوثيون من حركة مطلبية داخل احد مذاهب الزيدية في اقصى الشمال المهمش الى ميليشيا مسلحة تسعى الى لمّ الزيود كلهم تحت عباءاتها "الثورية". فأعاد هؤلاء تفسير المذهب الزيدي ليتلاءم مع عقيدة قوة صاعدة تسعى الى هيمنة في الاقليم في مواجهة قوة اقليمية اخرى في ظل تناحر حاد سلاحه الامضى الحشد والتعبئة المذهبيان.
الرئيس عبد ربه منصور هادي الجنوبي الشافعي لم يكن موضع ترحيب في عدن عندما كان نائبا للرئيس في صنعاء. كان الجنوبيون انصار التحرر من "الاحتلال الشمالي" يرون فيه الابن الضال الذي ارتضى ان يكون "اداة للمحتل". وعندما آلت اليه الرئاسة بعد ازاحة رئيسه، لم يحظ برضا "الحراك الجنوبي" الذي كان يصر على الانفصال على رغم جلوس جنوبي في قصر الرئاسة.
هادي يعود اليوم بطلا الى دياره، ليس لأنه تمكن من التملص من الاقامة الجبرية ولا لأنه لعن الحوثيين في صنعاء ووصفهم بالانقلابيين، بل لأنه عاد شافعيا جنوبيا يشد أزر هؤلاء ويقودهم في مواجهتهم المذهبية مع خصومهم المذهبيين في المقلب الآخر من اليمن.
إقامة الرئيس المستقيل العائد عن استقالته، في بيئته لن يعيد رسم الخطوط القديمة بين دولتي الشمال والجنوب السابقتين، بل قد يرسم خط تماس جديدا بين الشوافع في الوسط والجنوب الذين وجدوا ضالتهم للالتفاف حولها، والزيود الذين لن يكون لديهم خيار سوى القبول بالحوثيين حاميا لهم، تمهيدا لنقل اليمن من دولة القبائل الى دولة المذاهب.