دأت منذ بداية الأسبوع الحالي الاجتماعات واللقاءات المكثفة للإعلان عن اللوائح التي تم تشكيلها لخوض انتخابات المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، وبدأت أيضا على الخط نفسه موجة الانسحابات من هنا ومن هناك كما كان متوقعا.
ولعل أبرز تلك اللوائح هي تلك اللائحة الإئتلافية التي سيعلن عنها اليوم باسم «لائحة النهوض الإسلامي» من مسجد محمد الأمين في الوسط التجاري والتي تضم كلاً من القاضي محمّد طلال بيضون، والمستشار الشيخ محمد عسّاف، المهندس بسام برغوت، بشّار شبارو، د. محمد أمين فرشوخ، الشيخ زياد الصاحب، وسيم مغربل، ومصطفى خير، وقد علمت (اللواء) أن بعض هذه الأسماء في تلك اللائحة قد تخرق لصالح مستقلين أو أسماء أخرى نظرا لما عند الناخبين من اعتراضات عليها، كما أعلن أيضا عن أسماء وتحالفات ثنائية مستقلة أو تابعة لجمعيات معينة.
وقد أشارت مصادر مطلعة إلى «اللواء» إلى أن الاتجاه العام المسيطر على الناخبين هو دعم كل ما يخدم مصلحة المسلمين العليا التي تكون من خلال تعزيز دور ومكانة المؤسسة المرجعية وهي دار الفتوى، رافضة تقديم أي دعم لغيرها من القوى خاصة تلك التي تتعارض في الرؤى والأهداف معها، ومن هنا تؤكد هذه المصادر على إن اللوائح المعلن عنها قد يتم اختراقها في عدد من أسمائها بهدف الحفاظ على هذا التوجه العام.
تصور واهم
من جهة أخرى تدور في الكواليس مواجهة من نوع آخر نشأت بذورها في العهد السابق وهي المعركة التي يراد من خلالها تصوير انتخابات المجلس الإسلامي الشرعي وكأنها صراع بين فريقين متناقضين أحدهما (مدني) والآخر (شرعي)..؟! وهي المعزوفة التي حاول العهد السابق إسماعها للناس على أمل كسب الأصوات إلى جانبه.
وقد أكدت مصادر مطلعة على أن هذا الأمر ما زال يروج له في ما «ورائيات» العملية الانتخابية من خلال كلام يلقى هنا أو إشاعات ترمى هناك، وكلها تصب في مصلحة من لا يريد الوحدة للمسلمين تحت سقف دار الفتوى ومرجعيتها، ولذا فإن الاتجاه العام الآن هو نزع هذا الفتيل الملغوم من أذهان الناس والتأكيد على مبدأ الكفاءة والأهلية في الانتخابات بغض النظر عن تخصص المرشح، فالإسلام كما تؤكد هذه المصادر ليس فيه مدني وشرعي وإنما كل أبنائه مسلمون وكلّ يخدم الأمة بحسب اختصاصاته وأعماله وخبرته.
وقالت أن في الإسلام مسؤولين ورعية... والمسؤولين دعاة كانوا أو غير دعاة أدوراهم جميعا عبر التاريخ الإسلامي كانت متكاملة لا متناقضة أو متعارضة أو متصارعة، إلا إذا كان المطلوب أن يضاف جديد إلى تاريخنا الحالي بدعة جديدة تزيد من التفرقة بين المسلمين.
وأشارت إلى أن أخطر ما تمّ في هذا التصنيف أنه قد قلب الاهتمامات عند الكثير من الأبناء والشباب والمجتمع عامة حتى صار المسلم الذي قدم لدينه الكثير الكثير وخدم قومه وأنفق في سبيل جماعته ما لا ينكره عاقل مشكوك حتى في إيمانه لأنه فقط بلا لحية أو بلا عمل دعوي..، ومما يعني أيضا كل «شيخ» وإن كان غير فاعل في دعوته أو غير بناء في أعماله هو مسلم صالح مقدم على الجميع وواجب علينا أن ننتخبه في المجلس الشرعي فقط لأنه... شيخ..؟!
ما بعد الانتخابات
وهنا يذكر أن أهمية هذه الانتخابات تكمن في العديد من النقاط أبرزها:
أولا.. أن اجراء هذه الانتخابات هي نقظة مضيئة وتقدم حضاري واضح يسجل للمسلمين في عهد يعجز فيه السياسيون اللبنانيون جميعا عن تحقيق انتخابات رئاسية تعيد للبلاد توازنها السياسي المطلوب.
ثانيا.. أن أهمية الانتخابات ليس في ذاتها فحسب، وإنما في نتائجها العملية التي يترتب عليها إعادة ترتيب البيت الداخلي وفق مصلحة المسلمين العليا وخاصة تلك المرتبطة بالمناصب الهامة والحساسة التي تنتظر ملء الشغور أو تغيير الواقع الحاصل فيها.
ثالثا.. أن هذه الانتخابات بنتائجها هي الأمل الأول الذي ينتظره عدد كبير من المسلمين لرؤية تغييرات إيجابية تحدث في دار الفتوى والمؤسسات التابع إليها، خاصة وأن البعد المقصود الذي حصل بين الدار وبين المسلمين في العهد السابق يحتاج إلى جهود مضاعفة لإزالته، وبالتالي يحتاج إلى أفضل الخبرات وأحسن الكفاءات وأنجح الأشخاص الذين يساعدون على تحقيق الصلة بالدار وإعادة الثقة بها إلى نفوس المسلمين من خلال الأعمال وليس فقط الأقوال.
ورابعا وأخيرا .. أن نتائج تلك الانتخابات ستلعب دورا هاما في إعادة العمل الدعوي في لبنان إلى دوره البناء وتفعيله بحيث ينتظر منها أن تبدأ بتنظيم عملية إرتداء العمائم والسيطرة الإيجابية على المساجد والزوايا والخلايا التي يعلم الجميع المخاطر الناتجة عنها إذا ما بقي الحال على ما هو عليه.
انسحابات تتوالى
هذا وأعلن بالأمس عن عدد من الانسحابات حيث أكد المحامي خالد مطرجي المرشح للمجلس الإسلامي الشرعي عن مدينة طرابلس سحب ترشيحه من انتخابات المجلس متمنيا التوفيق لجميع المرشحين.
كذلك أعلنت المحامية د.زينة المصري انسحابها من انتخابات المجلس مما شكل مفاجأة عند الكثيرين الذين كانوا ينظرون بتفاؤل إلى ترشيحها خاصة أنها العنصر النسائي الأوفر حظا.
كما شكرت في بيان انسحابها اللجنة القضائية في المجلس التي وافقت على ترشح المرأة كسابقة لم تسجل من قبل، وكذلك شكرت كل من أيدها ووعد بالتصويت لها دعما لفكرة تمثيل العنصر النسائي في المجلس الشرعي.
وأيضا أعلن الحاج رياض عيتاني عن انسحابه من العملية الانتخابية متمنيا للجميع ما فبه الخير وداعيا إياهم للعمل سويا في سبيل تحقيق المصلحة العامة للمسلمين والبلاد.
هذا ولا تزال عمليات الإنسحاب تتوالى من قبل عدد كبير من المرشحين حيث سيقفل باب الانسحاب حسب الأصول عند انتهاء دوام العمل الرسمي بدار الفتوى يوم غد السبت الموافق 9 آيار 2015.
كلمة لا بد منها
ربما يظن البعض أن ما يدور الآن هو عملية انتخابية عادية تحصل كما تحصل في عدد من المجالس، ولكن الحقيقة أن هذه العملية هي نقطة انطلاق نحو مستقبل أفضل ينتظره ليس المسلمون في لبنان بل اللبنانيون جميعا منذ وقت كبير وينتظرون كذلك نتائجه وأعماله.
فدار الفتوى ومنذ انتخاب سماحة مفتي الجمهورية الشيخ د.عبد اللطيف دريان بدأت فعلا بالرجوع إلى دورها الفعال والمطلوب، والمنتظر اليوم المزيد من التفاعل والتواجد في يوميات المسلم اللبناني خاصة في زمن فيه من التحديات الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والدعوية ما فيه، ولا يخفى على أحد تلك الموجات المتطرفة التي تعصف بأبناء الوطن في ظل التعصب الأعمى الذي أطاح بكل تعقل وحكمة.
فالمسلمون اليوم يبحثون عن وسائل تطوير وتثبيت نهج الاعتدال والوسطية الذي أطلقه مفتي الجمهورية منذ بداية عهده، ولا يريدون بأي صورة من الصور العودة إلى الوراء قيد أنملة، بل هم يتطلعون إلى مزيد من الانجازات وإلى مزيد من التطور والتقدم، وأيضا إلى مزيد من المتابعات والحلول التي تقدم إليهم لتزيل عن كاهلهم هموما حملوها لسنوات طويلة، ولن يكون هذا الأمر إلا بمجلس شرعي يعاون المفتي دريان على تحقيق هذه الرؤية الهادفة التي يريد الجميع تطبيقها تحت مظلة دار الفتوى كمرجعية واحدة ووحيدة للمسلمين في لبنان من أقصاه إلى أقصاه.
نعم ...
هي انتخابات ديمقراطية يتنافس فيها الجميع في سبيل مصلحة المؤسسة الأم وأبنائهم...
وهي عملية قانونية وخطوة حضارية رائدة تسجل للمسلمين في لبنان...
ولكن هي أيضا مسؤولية لا يقدر على تحملها إلا من أخلص العمل وسخر كل امكانياته لخدمة ما يصب في مصلحة المسلمين العليا بعيدا عن كل تطرف فكري أو مصلحة شخصية أو مكسب جماعية.. فلبنان والمسلمون خاصة يحتاجون اليوم أكثر من غيرهم إلى من يسعى لتحقيق مصالحهم في كل الميادين...
نريد أوقافا فاعلة ومتطورة ومنظمة...
نريد انتخابات للمفتين..
نريد مؤسسات عاملة ومنتجة..
نريد إدخالاً للطاقات الإسلامية الشابة والحيوية في ميادين الدعوة والعمل الاجتماعي والعلمي والاقتصادي والإعلامي و....
نريد مساجد ترفع نداء الحق وتغرسه في نفوس الأبناء..
ونريد خطابا يعيد ثقة الناس في مشايخهم ودعاتهم...
ونريد طبعا خطوات واضحة تثبت مرجعية الدار عند المجتمع وتساعد على تفعيلها...