مياه كثيرة جرت في النهر طوال السنوات الخمس التي مرت على ثورة 25 يناير، ومازال الجمود والاستقطاب السياسي والانقسام المجتمعي العناوين الأبرز في مصر. كان من المنتظر أن تساهم المشاريع القومية التي زادت وتيرتها في مصر قبل الذكرى الخامسة للثورة، ومعها مواجهة الفساد، في تحريك المياه السياسية الراكدة، ومعالجة الاحتقان المجتمعي، غير أن البلاد سارت في طريق متعرج لم تحدد ملامحه بوضوح. وإذا كانت السلطة أنجزت نهاية كانون الأول (ديسمبر) الماضي خريطة الطريق التي أقرتها عشية 3 تموز (يوليو) 2013، ووصلت نهايتها بانعقاد مجلس النواب في العاشر من كانون الثاني (يناير)، إلا أن ثمة دلالات تشير إلى تنامي القلق، منها تراجع مردود المشروعات القومية، وضعف إجراءات الفساد التي ما زالت أقل من المعدل العالمي 43 درجة، وفقاً لتقرير الشفافية الدولية لمكافحة الفساد- 2014، والتي احتلت مصر فيه المركز الـ94 من بين 175 دولة.
صحيح أن المشروعات القومية الضخمة تمثل قاطرة حقيقية لإحداث طفرات تنموية واقتصادية، متوسطة وطويلة المدى، إلا أن كثافة وتكاثر الإعلان عنها فتح الباب واسعاً حول حدود تأثيرها؟ وهل هذه المشروعات ممكنة في ظل تراجع الاقتصاد، وارتفاع معدل البطالة إلى نحو 13 في المئة واحتمالات تدني معدل النمو إلى أقل من 5,6 بسبب تراجع قيمة الجنيه؟ أم أن هذه المشاريع تأتي في إطار «صناعة الأوهام» للتخفيف من الاحتقان المجتمعي والاستقطاب السياسي اللذين وصلا الذروة مع ذكرى يناير.
المشاريع القومية تكتيك قديم، تستخدمه بعض أنظمة الحكم لتجميع الأنصار حولها من جهة، وتبرير خطابها السياسي من جهة ثانية. ومصر ليست حديثة عهد بالمشاريع القومية، اعتمدها محمد علي باشا (1805-1848)، فقام بتجنيد موارد الدولة لتحديث الجيش المصري، وبناء السدود وشق التُرع. ولجأ إليها عبدالناصر لترسيخ المد القومي، فأصدر قراره بتأميم قناة السويس في 26 تموز (يوليو) 1956 قبل بدء بناء السد العالي في العام 1960.
وبينما كانت المشروعات السياسية القومية العنوان الأبرز في عهد السادات، حشد مبارك مقومات الدولة لمشروع «توشكي» الذي تم إطلاقه في 9 كانون الثاني (يناير) 1997 لتوطين 16 مليون شخص وتوظيف 2,8 مليون نسمة. وتم إنفاق نحو ستة بلايين جنيه على ذلك المشروع بحساب تلك الأيام، وعلى رغم ذلك كانت النهاية مأسوية.
واتسمت المشروعات القومية في معظمها بافتقارها إلى رؤية واضحة، فضلاً عن أنها لم تكن لتعبر عن نهج تنموي. خلف ما سبق؛ كانت العشوائية هي العنوان الأبرز في قطاع واسع من هذه المشروعات، فعلى سبيل المثال غابت القواعد التنظيمية التي تحكم طبيعتها، وتُحدد شكلها القانوني والإداري. لذلك كانت المحصلة النهائية لعوائد المشاريع القومية في مصر أقل من الطموح الجماهيري، خصوصاً مع ضعف مردودها المالي والاقتصادي. ومع وصول السيسي إلى صدارة المشهد كان القرار السياسي هو الحاكم لنشأة المشاريع القومية لتحسين صورة السلطة الجديدة، ورسم صورة مغايرة لمصر عما كانت عليه في عهدة «الإخوان». كانت البداية مع التفريعة الجديدة لقناة السويس بطول 35 كيلومتراً ومعها تعميق المجرى الملاحي في منطقة البحيرات بطول 37 كيلومتراً، والتي تم افتتاحها رسمياً في 6 آب (أغسطس) 2015، حيث وصلت كلفة المشروع بحسب البيانات الرسمية إلى نحو 8,2 بليون دولار. كما تم الإعلان عن إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة على خلفية المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ في آذار (مارس) 2015، وغيرها من المشاريع القومية الأخرى.
وتزامن مع مشروع قناة السويس، الإعلان عن الكثير من المشروعات القومية، وفي صدارتها إقامة شبكة طرق تصل إلى 3200 كيلومتر على مستوى الجمهورية، وباستثمارات تبلغ 37 بليون جنيه، إضافة إلى مشروع تنمية الصعيد، ومشروع تنمية شرق بورسعيد الذي سيتضمن إنشاء قناة جانبية بطول 9,6 كيلومتر، فضلاً عن ربط الدلتا بسيناء عبر حفر ستة أنفاق أسفل القناة، إلى جانب تخصيص 40 مليون متر مربع لإقامة مناطق صناعية في إطار مشروع التنمية في منطقة قناة السويس. بجوار ما سبق، طرح الرئيس السيسي إنشاء أكبر مزرعة سمكية في منطقة الشرق الأوسط في بورسعيد، بهدف زيادة إنتاج مصر من الأسماك من 50 إلى 100 ألف طن سنوياً. كما تستهدف الدولة إقامة تجمعات تنموية وسكنية في المناطق الحدودية مثل سيناء والنوبة والمنطقة الغربية. ومن ضمن المشروعات المقررة إطلاق مدينة العلمين الجديدة.
وراء ذلك، سعي إلى تحقيق التلاحم بين المصريين وتقديم دعم معنوي ونفسي للشعب باعتباره قادراً على العطاء، لتجاوز الارتباك الذي تشهده البلاد منذ العام 2011. كما أن المشاريع تحشد المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية أو توجهاتهم الأيديولوجية، نظراً إلى ما تحقق من مصلحة عامة لا يحدث حولها خلاف.
صحيح أن النظام استفاد سياسياً من بعض هذه المشروعات، إلا أنها في جوهرها لم تكن أكثر من مسكنات لتقليص الاحتقانات المجتمعية، والتوتر السياسي الآخذ في التصاعد، وهو ما كشفته دعاوى التظاهر في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، وتلويح الدولة بالعصا الغليظة دون الاستجابة لمطالب المحتجين أو التجاوب معها.
وإلى جوار المشاريع القومية التي لم تحرك ساكناً، أصبح المشهد المصري أكثر سخونة مع تصاعد قضايا الفساد، أبرزها تقارير رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات في 24 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، والتي أكد فيها أن حجم الفساد في مصر خلال العام الماضي بلغ نحو 600 بليون جنيه.
الحرب ضد الفساد في مصر شهدت تطوراً مثيراً بإصدار حزمة من التشريعات، في مقدمها القانون الرقم 89 لسنة 2015، بشأن حالات إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم، فضلاً عن استحداث منصب مســـتشار رئيس الجمهورية لمكافحة الفساد، كما تمت محاكمة وزير الزراعة الــسابق صلاح الدين هلال والبرلماني السابق حمدي الفخراني في أيلول (سبتمبر) الماضي عقب تورطهم في قضايا فساد. غير أن تنامي الفساد حرَّك مياهاً كثيرة في النهر، وشكــَّل ســوء توزيع الدخــل وارتـــفاع معدل التضــخم عنصراً مهماً في تغذية الاحتقانات الاجتماعية، والتي تصاعدت لدرجة لم تعد فكرة تشكيل لجان تقصي حقائق حول الفساد قادرة على إيقافها أو منع تحولها إلى انتفاضة ولو رمزية. القصد أن إستراتيجية المشروعات القومية والإجراءات الأولية نحو مكافحة الفساد على أهميتها، لم تؤت ثمارها سواء بتحسين الصورة النمطية للسلطة أو بتحقيق إنجاز اقتصادي يمكن أن يخفف وطأة الأزمة المجتمعية.