في العراء والبرد انتظر الاف السوريين عند الحدود التركية، أمس، أملاً بالعبور الى مكان آمن، في جزء جديد من مسلسل «التغريبة السورية» عنوانه «العدوان الروسي» الذي قتل وهجّر وأحرق الأخضر واليابس من أجل إطالة عمر «النظام الدمية» لبشار الأسد المحمي بعشرات الآلاف من مقاتلي الاحتلالين الروسي والايراني، والمنتفض فجأة لكرامة وطنية، فقدها منذ زمن، فقط لأن المملكة العربية السعودية لوحت باستعدادها للمشاركة في عملية برية للتحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» الارهابي، في تعبير واضح عما خلفه الموقف السعودي من ضيق وارباك لدى موسكو وطهران.
فتحت وطأة المعارك في ريف حلب الشمالي، اثر هجوم عنيف لقوات الأسد معززاً بمقاتلي ايران و»حزب الله» وبتغطية جوية روسية، فر الآلاف من بلداتهم وقراهم باتجاه الحدود التركية.
وقال مدير المرصد السوري رامي عبدالرحمن ان «الاوضاع التي يواجهها النازحون كارثية»، مضيفاً «تنام عائلات بالكامل منذ ايام عدة في البرد في الحقول او الخيم، وليس هناك اي منظمة دولية لمساعدتهم، بل يساعدون بعضهم البعض».
ونشر ناشطون سوريون اشرطة فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر النازحين في الحقول المحيطة بمدينة اعزاز التي تبعد خمسة كيلومترات عن الحدود التركية.
وقال المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الاحمر بافل كشيشيك لـ«فرانس برس«: «نخطط لرد انساني في شمال حلب مع الهلال الاحمر السوري الا ان هناك صعوبة للوصول الى هناك».
وبحسب المرصد السوري فر منذ الاثنين الماضي 40 الف مدني من ست بلدات وقرى احتلتها قوات النظام خلال هجومها في شمال حلب. كذلك، اوضح عبدالرحمن ان «آخرين فروا من بلدات واقعة تحت سيطرة الفصائل المقاتلة بسبب الضربات الجوية الروسية المكثفة».
ووفق الامم المتحدة فإن 20 الف شخص ينتظرون عند معبر باب السلامة السوري المغلق في وجههم. وقال مأمون الخطيب، مدير وكالة «شهبا برس« في حلب، «نصبت نحو 500 خيمة على الجانب السوري(..) وبرغم ذلك فإن أعداد الأسر التي افترشت العراء، ان كان على الطرقات او في البساتين وحتى المساجد اكثر من تلك التي حصلت على خيمة تأويها». واشار الى «نقص كبير بالمواد الغذائية والمحروقات وحليب الاطفال في المناطق الشمالية ترافق مع ارتفاع الاسعار».
وبعد زيارة تفقدية للمنطقة الحدودية، قال حاكم محافظة كيليس التركية سليمان تبسيز انه «من غير الوارد حتى الان (فتح الحدود). الوافدون الجدد يتم استقبالهم في مخيمات في الجانب السوري من الحدود».
وأكد وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو أن تركيا لا تزال تعتمد «سياسة الحدود المفتوحة» أمام اللاجئين السوريين، من دون تحديد موعد للسماح لآلاف السوريين العالقين على معبر حدودي مع تركيا بالدخول إلى بلاده.
وقال جاوش أوغلو لدى خروجه من اجتماع مع نظرائه الأوروبيين في أمستردام «ما زلنا متمسكين بسياسة الحدود المفتوحة للأشخاص الفارين من عدوان النظام (السوري) والضربات الروسية».
وقالت رئيسة الدبلوماسية الاوروبية فيديريكا موغيريني: «تحدثنا مع زميلنا التركي، يجب ان نتذكر ان هناك واجباً اخلاقياً ان لم يكن قانونياً، بعدم الابعاد القسري، وحماية أولئك الذين يحتاجون الى الحماية الدولية».
وتابعت موغيريني ان «المساعدات التي يقدمها الاتحاد الاوروبي الى تركيا تهدف الى ضمان ان يكون لديها الوسائل والادوات والموارد لحماية واستقبال الساعين الى اللجوء».
لكن جاوش أوغلو تحفّظ عن إعطاء أي تفاصيل حيال موعد قيام تركيا بفتح حدودها، فيما تفيد آخر الارقام التي قدمتها الامم المتحدة ان نحو عشرين الف شخص يتجمعون قبالة معبر اونجو بينار المقابل لبلدة باب السلامة السورية.
وأكد الوزير التركي «لقد استقبلنا خمسة آلاف، وهناك نحو 50 أو 55 ألفاً آخرين في طريقهم إلى الحدود. لا يمكن أن نتركهم وحدهم هناك لأن الغارات الروسية متواصلة، وقوات النظام مدعومة من قبل الميليشيات الشيعية الإيرانية تهاجم المدنيين أيضاً«. واتهم جاوش أوغلو النظام السوري باستهداف «المدارس والمستشفيات والمدنيين».
ويحكم الجيش السوري السيطرة على مواقع عدة استعادها خلال الايام الماضية في ريف حلب الشمالي، فيما تواصل الطائرات الحربية الروسية استهداف مناطق عدة.
واحتلت قوات الاسد وايران منذ الاثنين بلدات عدة في ريف حلب الشمالي وكسرت الحصار عن بلدتي نبل والزهراء، ونجحت في قطع طريق إمدادات رئيسية للفصائل المقاتلة بين الاحياء الشرقية التي تسيطر عليها في مدينة حلب وتركيا، وتمكنت من تضييق الخناق اكثر على الاحياء الشرقية للمدينة حيث يعيش نحو 350 الف مدني، وفق المرصد السوري.
كما لم يبق أمام مقاتلي الفصائل سوى منفذ واحد يتعرض أيضاً لقصف جوي في شمال غربي المدينة باتجاه محافظة ادلب (غرب) الواقعة بالكامل تحت سيطرة الفصائل المقاتلة باستثناء بلدتين.
وأسفرت المعارك منذ بدء الهجوم الاثنين عن مقتل 435 شخصاً هم 71 مدنياً بينهم 19 طفلاً، قضت غالبيتهم في القصف الجوي، بالإضافة الى 124 عنصراً من قوات النظام والمسلحين الموالين لها و150 عنصراً من الفصائل المقاتلة و90 من جبهة النصرة.
وفي سياق إعلان السعودية الاستعداد للتدخل البري في سوريا في إطار التحالف الدولي ضد «داعش»، قالت شبكة «سي أن أن» إن مسؤولين سعوديين مطلعين على خطط المملكة للتدريبات العسكرية كشفا لها حصرياً، أن عدد المتدربين في هذا الإطار قد يصل إلى 150 ألف جندي، وأن معظم الأفراد سعوديون مع قوات مصرية وسودانية وأردنية داخل المملكة حالياً.
والتزمت المغرب بإرسال قوات إلى جانب تركيا والكويت والبحرين والإمارات وقطر، ومنذ أسبوعين عيّن السعوديون والأتراك قيادة للقوات المشتركة التي ستدخل سوريا من الشمال عبر تركيا.
وتشمل قائمة الدول الآسيوية المشاركة ماليزيا وإندونيسيا وبروناي التي أسست قيادة مشتركة لم تعلن حتى الآن، ومن المتوقع أن تكون ماليزيا أول دولة ترسل قواتها من هذا الثلاثي إلى المملكة.
وعلى الرغم من المناطق الخاضعة للنظام باتت مرتعاً للمقاتلين من أرجاء العالم دفاعاً عن نظام بشار الأسد المتهالك، حذر وزير الخارجية السوري وليد المعلم في مؤتمر صحافي في دمشق من ان «أي تدخل بري في الأراضي السورية من دون موافقة الحكومة السورية هو عدوان، والعدوان يرتب مقاومته التي تصبح واجباً على كل مواطن سوري».
وأضاف «لا أحد يفكر في الاعتداء على سوريا أو انتهاك سيادتها لأننا سنعيد من يعتدي على سوريا بصناديق خشبية سواء كان تركياً.. سعودياً، أو كائناً من يكون».
وقال المعلم إن سوريا لن تقبل أي قوات أجنبية على أراضيها من الولايات المتحدة أو من أي دولة أخرى. وأوضح: «... سنقاوم أي انتهاك لسيادتنا«. وأشار إلى ما قاله وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الفترة الأخيرة إنه لا يرجح التوصل لوقف إطلاق نار في سوريا قبل إغلاق الحدود مع تركيا والأردن. وقال: «الآن لا أعرف على ماذا يتفق وزير خارجية روسيا مع وزير خارجية الولايات المتحدة (جون كيري) في ما يتعلق بوقف إطلاق النار، لكن التنسيق القائم بيننا وبين الاتحاد الروسي في هذا المجال يجعلنا نثق بالموقف الروسي وتصريحات الوزير لافروف الأخيرة التي أشار فيها إلى أنه لا يمكن وقف إطلاق النار قبل ضبط الحدود مع تركيا وأنا أضيف ومع الأردن وقبل التوافق على لوائح المنظات الارهابية«.
وأضاف المعلم أن سوريا لن تقبل أي شروط مسبقة للعودة إلى المحادثات. وقال: «سوريا تذهب إلى حوار سوري - سوري من دون شروط مسبقة.. لن ننفذ أي شرط مسبق لأي جهة كانت.. إذا كان الموضوع الانساني يهم أحداً فهو يهم الحكومة السورية قبل أي جهة أخرى، نحن الحريصون على مواطنينا، نحن الحريصون على تقديم الدعم الإنساني.. الغذائي.. الدوائي لكل المواطنين السوريين حتى المحاصرون من قبل المجموعات المسلحة بغض النظر عن جنيف أو غير جنيف«.
وعلى صعيد المفاوضات التي أعلن تعليقها في جنيف، اعتبر المعلم انه «لم يجر في جنيف 3 اي حوار في الجوهر، كان كله تمهيداً لاقامة حوار لم يحدث»، مضيفاً ان «الحل السياسي قد يساعد، لكن إنهاء القتل في سوريا لا يتم إلا بهزيمة داعش والنصرة والتنظيمات المرتبطة بالقاعدة».
وكلام المعلم في رفض الاستعداد السعودي لمقاتلة «داعش»، أيده تصريح لرئيس الحرس الثوري الايراني الجنرال محمد علي جعفر الذي قال ان السعودية «لن تجرؤ» على ارسال قوات الى سوريا.
وقال جعفري بحسب ما نقلت عنه وكالة فارس للأنباء خلال تشييع ستة ايرانيين قتلوا في سوريا لمشاركتهم في المعارك الى جانب قوات الاسد، ان السعوديين «اعلنوا انهم سيرسلون قوات الى سوريا. لا نعتقد انهم سيتجرأون على القيام بذلك لأن جيشهم كلاسيكي، والتاريخ اثبت ان لا قدرة على مواجهة مقاتلي الاسلام» بحسب تعبيره.
وبين القتلى الايرانيين الستة هناك مسؤول في الحرس الثوري هو الجنرال محسن قاجاريان.
وأضاف جعفري ان السعوديين في حال قرروا ارسال جنود الى سوريا فإنهم «كمن يطلق النار على رأسه». وتابع ان «سياسة ايران لا تقوم على ارسال اعداد كبيرة للمشاركة في المعارك في سوريا»، الا انه اضاف «ان لدى عناصر الحرس الثوري ما يكفي من الشجاعة للتواجد على الارض».
وحذر الرئيس السابق للحرس الثوري الجنرال محسن رضائي من خطر نشوب حرب اقليمية في حال ارسل السعوديون جنوداً الى سوريا.
وقال في حسابه على «انستغرام« «بعد هزيمة داعش وجبهة النصرة في العراق وسوريا، قررت السعودية والولايات المتحدة ارسال جنود سعوديين الى سوريا» لدعم المعارضة المسلحة. واضاف «في هذه الاوضاع، سيكون من المحتمل قيام حرب اقليمية كبيرة بين روسيا وتركيا والعربية السعودية وسوريا وبعدها الولايات المتحدة».