لم يترجم تلويح الزعامات الكردية باللجوء الى خيار استقلال اقليم كردستان عن العراق حتى الآن، الى خطوات عملية طوال السنوات الماضية، على الرغم اتساع الهوة بين بغداد واربيل وتراكم المشاكل بينهما لتبدو تلك التحركات ذات ابعاد سياسية لحسابات داخلية وخارجية.
وحملت دعوة رئيس اقليم كردستان العراق مسعود البارزاني إلى اجراء استفتاء غير ملزم لاستقلال الاقليم عن الحكومة الاتحادية في بغداد، العديد من المواقف والرسائل الى الاحزاب الكردية المنافسة او داعميها الاقليميين وخصوصا إيران، بان عملية الاستفتاء قد تكون دليلاً على عمق نفوذ البارزاني في الساحة الكردية على الرغم من المناكفات السياسية والموقف الايراني الذي يمانع قيام الدولة الكردية.
ويقف خصوم البارزاني بوضوح امام اصراره على الاستفتاء كونه غير ملائم في الوقت الحاضر، وان الارضية لتحقيق الحلم الكردي غير متوافرة حتى الآن مع استمرار الازمة الاقتصادية والسياسية الكردية التي فجرها الخلاف مع «حركة التغيير« المعارضة (بزعامة نيشيروان مصطفى) وامتداده الى حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني« (بزعامة الرئيس العراقي جلال الطالباني) على شكل الصلاحيات في ادارة الاقليم، ما ادى إلى تعليق عمل البرلمان الكردي الذي يملك صلاحية كاملة لطرح المشروع للتصويت.
ويبدي النائب عبد الباري زيباري، ممثل «الاتحاد الوطني الكردستاني« في البرلمان العراقي، تحفظ حزبه على فكرة البارزاني باجراء الاستفتاء بالقول: «لا يمكن لاي جهة او طرف ان ينكر على الاكراد حق تقرير المصير، لكن من خلال الية يتم الاتفاق عليها«.
واضاف القيادي الكردي في تصريح لصحيفة «المستقبل« ان «توقيت الاستفتاء يُعتبر قنبلة موقوتة على الرغم من انه ليس وليد الساعة، وانما يدور الحديث عنه منذ سنوات، لكن اعادة تكرار التلويح باللجوء الى الاستفتاء، يقلل قيمة حقق الشعب الكردستاني»، مشيرا الى ان تلويح الرئيس البارزاني باجراء الاستفتاء موجه الى «الشارع الكردي، ولا يحمل استراتيجية بعيدة المدى كونه يخلو من الاليات«.
واشار زيباري الى ان» عملية اجراء الاستفتاء لا تبدو ذات جدوى، فقد جرى في عام 2005 استفتاء على الاستقلال اقترع فيه اكثر من 97 في المئة، لكن إن كانت رئاسة اقليم كردستان جادة، فلتتخذ الاليات والخطوات لاعلان الدولة، الا ان ما يجري لا يعدو كونه مجرد سجالات سياسية، المتضرر الاول منها القضية الكردية«.
واوضح ان «حزب الاتحاد يؤمن بحق تقرير المصير، لكن وفقا لاليات وطرق يمكن الرجوع اليها، اولها ترميم البيت الكردي الداخلي وتفعيل المؤسسات، فالبرلمان معطل حالياً، فضلا عن ضرورة ان يكون هناك حوار حضاري ومتفهم مع بغداد«.
ويصر النائب الكردي على ان «البارزاني شدد اخيراً، على ان الحوار لم يكن ذا فائدة، إن لم يتم مع الاحزاب الكردية بشأنه، فمقاعد «الحزب الديمقراطي الكردستاني« (بزعامة البارزاني) في البرلمان الكردي، تبلغ 38 من اصل 111 مقعداً وهو عدد لايؤهله لان يفرض رأيه على الاغلبية«.
وكان البارزاني قد شدد اخيرا على ان «الاوان قد آن، والفرصة متاحة ليقرر الشعب الكردستاني مصيره من خلال اجراء الاستفتاء»، لافتا الى ان «الاستفتاء لا يعني بالضرورة اعلان الدولة الكردية فوراً، بل انه من اجل ان يتم التعرف على ارادة ورأي الشعب الكردي، وان تنفذ القيادة الكردية رغبة الشعب في الوقت المناسب«.
ويحاول حزب البارزاني والنخب السياسية والثقافية الموالية له، الدفاع عن وجهة نظر رئيس الاقليم بالذهاب الى الاستفتاء او حتى اعلان الدولة الكردية، كون الظروف الدولية والتطورات الاقليمية مواتية لهذه الخطوة المهمة التي تمثل حلم كل الاكراد الموزعين في دول مجاورة للعراق.
وقاومت القوى الاقليمية والدولية الكبرى على مر التاريخ المعاصر الطموحات الكردية للاستقلال خصوصاً الدول المجاورة للعراق التي توجد بها اقليات كردية كبيرة، لكن اعادة الحديث عن إعلان الاستقلال قد لا يكون منفصلا عن حلول الذكرى المئوية لاتفاقية «سايكس بيكو» بين فرنسا وبريطانيا لتقسيم المنطقة، وتوزيع الاكراد بين دول اربع، لكن القادة الاكراد يصرون على ان تلك الاتفاقية انتهت، وان «الحدود ترسم بالدم»، وبالتالي، فان القرن الذي مضى على الاتفاقية، لابد ان يختم باعلان الاستقلال الكردي، وتأسيس دولة لهم.
واتجه الاكراد الذين يخوضون معارك شرسة ضد تنظيم «داعش«، لتطبيق نظرية «حدود الدم» على ارض الواقع، فلجأوا الى اقامة خندق يفصل بشكل اساس بين المناطق المتنازع عليها بين بغداد واربيل وبين الاراضي العراقية الاخرى حيث يمر الخندق من ناحية ربيعة الحدودية مع سوريا، بالموصل (غرب العراق) وانتهاء بناحية جلولاء بالقرب مع الحدود العراقية ـ الايرانية في محافظة ديالى (شرق العراق).
وبهذا الخندق الفاصل تكون كل المناطق المتنازع عليها من شمال بدرة وشمال صلاح الدين وجنوب كركوك وشمال الموصل الى سنجار، ضمن اقليم كرستان تمهيداً للانفصال وتقسيم العراق، وانشاء الدولة الكردية.
وذهبت معارضة جميع حكومات الدول التي تضم المناطق الكردية لتأسيس دولة كردية في المنطقة، ادراج الرياح مع التغييرات السياسية والامنية التي طرأت على المنطقة وخصوصاً سقوط نظام صدام حسين في 2003، ثم الثورة في سوريا منذ عام 2011، والانفتاح التركي على القضية الكردية، ما ساهم في ولادة ظروف مؤاتية لاجراء استفتاء على الاستقلال، وتشكيل اول دولة كردية، لكن المخاوف مازالت موجودة، وقد تترسخ مستقبلا في حال بقاء الازمة السياسية في الاقليم على حالها بان يكون مضي البارزاني بخطوته نحو الاستفتاء قنبلة موقوتة تفجّر حريقاً داخلياً ونزاعات خارجية لن يكون اطفاؤها سهلاً.