في بروكسل كما في ميونيخ، أكد وفدا المملكة العربية السعودية أمس أمام المسؤولين الدوليين المجتمعين لمناقشة محاربة «داعش» والوضع في سوريا، أن قرار الرياض إرسال قوات برية الى سوريا أمر لا رجوع عنه، وأنها مستعدة لنشر قوات برية على الأراضي السورية ابتداء من نيسان المقبل.
الموقف السعودي هذا المدعوم أميركياً وغربياً سعت موسكو إلى محاولة عرقلته، عبر تحذير رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف من خطورة التدخل البري في سوريا، فيما أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قبيل بدء اجتماع المجموعة الدولية لدعم سوريا التي تضم 17 بلداً في ميونيخ أن روسيا قدمت عرضاً «ملموساً» لوقف إطلاق النار في مطلع آذار المقبل، كسباً لمزيد من الوقت بهدف تحقيق مزيد من المكاسب العسكرية والديبلوماسية وتعزيز موقع نظام بشار الأسد قبل استئناف محتمل لمفاوضات جنيف، وهذا الاقتراح لم تستسغه واشنطن والغرب، اللذان طلبا وقفاً فورياً للنار.
ولاحقاً، اتهمت الولايات المتحدة أمس روسيا بـ«تأجيج» النزاع في سوريا عبر الدعم العسكري لقوات النظام.
وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية مارك تونر «إنه الدعم الروسي لنظام الأسد في الأشهر الأخيرة، وفي الآونة الأخيرة خلال حصار حلب، الذي أجج النزاع وصعده»، معتبراً أن روسيا بغاراتها في شمال سوريا «جعلت بصراحة العملية السياسية في خطر».
وتابع «ان وزير الخارجية (الأميركي جون كيري) كان أشار الى أنه بالنظر الى المجموعات المتنافسة على الميدان في سوريا والفصائل المختلفة والعناصر التي تتقاتل، فإن الأمر يمكن أن يتفاقم ويتحول الى نزاع أوسع»، وأردف «لكن إذا كانت روسيا قلقة فعليها أن تنظر الى ما تفعله من خلال دعم نظام الأسد».
والى حين وضع أسس ميدانية للعمل البري، تعهدت السعودية لشركائها في التحالف الدولي ضد «داعش« بتقديم المزيد من الدعمين العسكري والمادي من خلال تعزيز مشاركة الطيران الحربي السعودي في الغارات الجوية وتقديم الدعم المادي من أجل تسريع عملية القضاء على الإرهابيين، ووعدت أيضاً بالمساهمة في تجفيف موارد التنظيم الإرهابي من خلال التنسيق الاستخباراتي مع بعض الدول الإقليمية والغربية لكشف شبكات تمويل التنظيم هذا.
وقد أكدت واشنطن أن السعودية ستساهم في المزيد من الغارات التي ستشن على «داعش« في إطار مساعي التحالف الدولي لتسريع وتيرة الحرب على الإرهاب وإلحاق الهزيمة بالتنظيم في معقليه الرئيسيين الموصل في العراق والرقة في سوريا.
والتركيبة الاستراتيجية النهائية سيتم إخراجها خلال الأسابيع القليلة المقبلة بحسب ما أوضح وزير الخارجية الأميركي آشتون كارتر عقب لقائه على حدة بولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع محمد بن سلمان في بروكسل أمس على هامش اجتماع وزراء دفاع الدول المشاركة في التحالف الذي تقوده واشنطن ضد «داعش«.
واجتمع الأمير محمد بن سلمان أيضاً بوزراء دفاع بريطانيا مايكل فالون وفرنسا جان ايف لودريان وايطاليا روبرتا بينوتي وألمانيا أورسولا درلاين كل على حدة عارضاً عليهم المقترح السعودي.
وفي توقيت متوازٍ كان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير يعقد في ميونيخ، على هامش لقاء مجموعة «دعم سوريا» اجتماعاً سباعياً، جمعه بنظرائه الأميركي جون كيري والبريطاني فيليب هاموند والألماني فرانك فالتر شتاينماير والتركي مولود تشاوش أوغلو والقطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ونائب وزير خارجية فرنسا نيكولا دي ريفيير. وبعد ذلك انضم رئيس الهيئة العليا للمفاوضات لقوى الثورة والمعارضة السورية رياض حجاب لاجتماعات اللجنة السباعية. وجرى خلال الاجتماعات بحث مستجدات الأزمة في سوريا وتطوراتها.
التأكيد على الموقف السعودي الصارم لجهة نشر قوات برية في سوريا جاء أيضاً في تصريحات متلفزة من بروكسل للناطق باسم الجيش السعودي الجنرال أحمد عسيري الذي شدد على أن «قرار السعودية إرسال قوات برية الى سوريا هو قرار لا رجوع عنه».
وذكرت «العربية.نت» في معلومات لها أن السعودية قدمت إلى دول التحالف الدولي خطة تتحدث عن مشاركة قوات خاصة في الحرب ضد «داعش«، تقوم على جمع المعلومات وتنظيم القوات المتواجدة على الأرض من المعارضة السورية المعتدلة «الجيش الحر«.
وفي المقابل قال رئيس الوزراء الروسي ديمتري مدفيديف في مقابلة نشرتها صحيفة «هاندلسبلات» الألمانية أمس إن «الهجمات البرية عادة تؤدي الى أن تصبح أي حرب دائمة»، مضيفاً أنه «ينبغي إرغام جميع الأطراف على الجلوس الى طاولة المفاوضات بدل التسبب باندلاع حرب عالمية جديدة». وشدد على أنه «يجدر بالأميركيين وشركائنا العرب التفكير ملياً: هل يريدون حرباً دائمة، وهل يعتقدون أن في وسعهم تحقيق انتصار سريع في مثل هذه الحرب؟ إن أي شيء من هذا القبيل مستحيل، وخصوصاً في العالم العربي».
وشدد وزير الدفاع الأميركي في لقاءات الأطلسي أمس على أن «واشنطن تدرس وحلفاءها إمكان ضم حلف شمال الأطلسي ككيان الى التحالف ضد داعش وذلك بغية تحقيق نتائج ميدانية سريعة ضد الإرهابيين». وأوضح أن «هولندا أعلمتنا للتو أن سلاحها الحربي سيبدأ من الآن فصاعداً المشاركة في الغارات ضد داعش في سوريا بعد أن كانت طلعاته مقتصرة على العمليات في العراق». وأكد الوزير الأميركي مجدداً على أهمية «استعادة الموصل والرقة من داعش في أسرع وقت ممكن».
وستكون الأسابيع القليلة المقبلة حاسمة لجهة صياغة وبناء استراتيجية عسكرية مشتركة جديدة للتعامل مع الوصع الميداني في سوريا، فالوفد التركي شدد على ضرورة إقامة منطقة حظر جوي فوق شمال سوريا قرب الحدود التركية من أجل إقامة مخيمات للنازحين السوريين داخل الأراضي السورية، وإلا فكما هدد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في تصريح غير علني خلال محادثاته مع قادة الاتحاد الأوروبي أن «تركيا قد تجد نفسها مضطرة تحت ضغط اللاجئين في ظل الهجمات الروسية المستمرة على حلب الى فتح حدودها أمام اللاجئين الراغبين بالتوجه الى أوروبا».