خرج الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح بعد ساعات من قصف منزله في العاصمة صنعاء يوم أمس، وهو يحمل ميكرفون قناة «اليمن اليوم» التابعة له، يهدد ويلوح بحرب شعواء ضد قوات التحالف العربي والسعودية تحديداً، معلناً بشكل صريح لا لبس فيه عن تحالفه مع جماعة الحوثي، الموالية لإيران، والتي خاض ضدها ست حروب بين عامي 2004 ـ 2010، وأدت إلى مقتل أكثر من ثلاثين ألف جندي ومدني .
وتشابه موقف المشير صالح يوم أمس، مع موقف الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي، الذي خرج يصرخ من على شرفة قصر العزيزية في طرابلس في 2011: «من أنتم ؟«.
فصالح، كما القذافي، كان يهدد ويتوعد الجميع، حتى أنه يكاد يستعير لسان العقيد القذافي، قبل أن يلقى مصيره بعدما ظل طريداً وملاحقاً لأشهر، وهي ملاحقة أدت إلى مقتله في نهاية المطاف. ويبدو أن «المشير» يسير على خطى «العقيد».
يوم أمس، هدد صالح الشعب اليمني ودول المنطقة بالانتقام، بعد تدمير منزله بغارات جوية من قبل التحالف العربي، حيث تحدث عن العدوان الخارجي وعن الخلايا النائمة في الداخل، مؤكداً أن كل شيء سيعاد بناؤه من جديد. وجدد في كلمة له بثتها قناة «اليمن اليوم» تعزيز تحالفه مع ميليشيات الحوثي للانتقام وتدمير ما تبقى من روابط الدم والقربى بين اليمنيين.
حديث صالح لم يكن جديداً، فقد اعتاد اليمنيون على تهديداته بإحراق البلد بالكامل إذا لم يتم الرضوخ لرغباته في البقاء في السلطة، ويتذكرون ما أعلن عنه في الحملات الانتخابية التي شهدتها البلاد العام 2006، عندما هدد بحرب من نافذة إلى نافذة إذا لم يتم إعادة انتخابه من جديد في مرحلة كانت الأمور كلها تقع تحت سيطرته.
والشعور بالعظمة هو القاسم المشترك الذي يجمع بين صالح والقذافي، فمثلما كان القذافي يعتبر ليبيا ملكاً له، كان صالح يرى أن كل ما هو في اليمن من صنعه، وأن لا فضل لغيره في بناء البلد.
واليوم يعود صالح إلى الواجهة من جديد، فبعد أن أرغمته الغارات الجوية على الخروج من مخبئه، ظهر يهدد بالانتقام، وراح يكرر الحديث عن حرصه على السلم، وعن حياة اليمنيين الغالية لديه، وأخرج حفيده من ابنته الكبرى، بلقيس، أمام الكاميرات ليقول للناس إنه حريص على حياة الأطفال اليمنيين كحرصه على حفيده، لكنه يتعامى عن القتل اليومي الذي تقوم به قواته المتحالفة مع جماعة الحوثي لأطفال عدن وتعز والحديدة ولحج والضالع ومناطق يمنية عدة.
ويعتقد «الراقص على رؤوس الثعابين» أنه بمقدوره مواصلة خداع اليمنيين بالشعارات البراقة التي ظل يمارسها طوال فترة حكمه الممتدة لأكثر من 33 عاماً، ونسى أن ذاكرة الناس ليست مثقوبة، وأنها تستطيع أن تفرق بين الحقيقة والكذب، وأن اليمنيين مهما خدعوا لفترة، فلن يبقوا مخدوعين طوال الوقت.
بعد ضربات وغارات الأمس على منزله الواقع في حي الكميم، في قلب العاصمة صنعاء، يهيم صالح على وجهه باحثاً عن منفذ للخروج من أزمته مع شعبه ومع جيرانه، لكنه لا يدرك أنه يسير إلى نفس المصير الذي سار إليه القذافي الذي ترك كل شيء لينجو بجلده، لكنه لم يلق إلا الموت على أيدي خصومه.
ويخطئ صالح عندما يعتقد أن اليمنيين يمكن أن يغفروا له الجرائم التي ارتكبها ضدهم طوال فترة حكمه، فقد حول اليمن إلى بلد فقير، وحول أهلها إلى مطاردين في مختلف دول العالم، وموصومين بالإرهاب.
ماذا خلف صالح غير الخراب والدمار؟، من الذي وفر البيئة الحاضنة لتنظيم «القاعدة» الذي كان عرابه في المنطقة والعالم؟، فقد كان يلعب بموضوع التنظيم ظناً منه أنه يمد بعمره في الحكم فترة أطول وأكبر، وبعدها خلق الحركة الرجعية والمتخلفة المعروفة بـ«أنصار الله»، أي جماعة الحوثي، التي في عهده نمت وتمددت وتحولت إلى ميليشيا تمتلك مختلف أنواع الأسلحة، بعدما مكنها من الاستيلاء على ألوية الجيش وفرقه المختلفة انتقاماً من شباب الثورة الذين خرجوا عام 2011 للمطالبة بإسقاطه.
ناور صالح طويلا، وحاول خداع الجميع، ظل لسنوات يتحدث عن الحلول السلمية والحوارات الوطنية للوصول إلى اتفاقات تحقن دماء اليمنيين، لكنه في الوقت نفسه، كان يجهز على ما تبقى من اللحمة الوطنية بين أبناء البلد الواحد، وفي الوقت الذي كان يتحدث عن الحوار، كان يرسل الألوية تلو الألوية، لحصار المدن وقتل أبنائها.
وفي سعيه للعودة إلى السلطة، أقام «الراقص على رؤوس الثعابين» تحالفاً قوياً مع جماعة الحوثيين، ظناً منه أن ذلك سيدفع بالمملكة العربية السعودية إلى الخضوع لشروطه ورغباته، في فك ارتباطه بالجماعة تحت مبرر أنه الوحيد القادر على مواجهة الحوثيين بحكم ما يمتلك من وحدات عسكرية ظلت تدين له بالولاء، وبحكم العصبية القبلية، إلا أنه لم يعمل حساباً للحوثيين، الذين لم يكونوا أصحاب مشروع وطني، بل أصحاب مشروع إيراني واضح المعالم، بدليل رغبة الإيرانيين لنجدتهم بالوسائل كافة، وتحت كل المبررات.
واليوم، سيتذكر صالح أنه كان لديه أصدقاء وأخوة ساعدوه في تجاوز أكبر العقبات التي كانت تهدد حياته ونظام حكمه طوال العقود الثلاثة الماضية، لكنه تنكر لكل هذا، وشرع في تهديدهم، بل وإيصال إيران إلى حدود دولتهم، فقد كان همه الوحيد يكمن في التحالف مع أي كان، ولو كان الشيطان نفسه، إذا ما كان ذلك سيساعده على العودة إلى الحكم مرة أخرى.