تُلقي الولايات المتحدة وروسيا بثقليهما لضمان تنفيذ اتفاقٍ لوقف إطلاق النار في سوريا يدخل حيز التنفيذ منتصف ليل الجمعة- السبت، وتبقى التساؤلات قائمة حوله، لا سيما بسبب استثناء المجموعات الجهادية منه، وقد وضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمس العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز الذي يدعم المعارضة السورية ونظيره الإيراني حسن روحاني الذي تدعم بلاده دمشق، في تفاصيل وقف النار المُعلَن في سوريا، في وقت واصل وزيرا خارجية روسيا سيرغي لافروف وأميركا جون كيري بحث خطط «وقف الإقتتال».
أعلن الكرملين في بيان «أنّ العاهل السعودي رحّب بالاتفاق المُبرم» حول وقف إطلاق النار. كما ذكّر روحاني وبوتين بـ»أهمية العمل المشترك الذي تقوم به روسيا وإيران في إطار تسوية الأزمة السورية، خصوصاً في القتال الشرس ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة والتنظيمات الإرهابية الأخرى التي أُدرجت على اللائحة السوداء لمجلس الأمن الدولي».
وبحث بوتين مع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الروسي مسائل تنفيذ الاتفاق الروسي- الأميركي لوقف القتال في سوريا.
كذلك، تشاور بوتين هاتفياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول «الوضع في الشرق الأوسط»، بحسب بيانٍ للكرملين.
توازياً، حذّر الرئيس الأميركي باراك أوباما من الإفراط في التوقعات، فيما يتعلّق باتفاق وقف الاقتتال في سوريا.
لكنّ أوباما قال للصحافيين بعد اجتماع مع العاهل الأردني الملك عبد الله في البيت الأبيض: «إذا تحقق بعض التقدّم في سوريا، فإنّ هذا سيقود إلى عملية سياسية لإنهاء الحرب الأهلية المستمرة منذ خمسة أعوام هناك».
وأوضح البيت الأبيض أنّ اتفاق وقف الأعمال القتالية في سوريا لا يمنع الولايات المتحدة من مواصلة العمل ضدّ «داعش».
من جهته، قال وزير الخارجية الأميركية أنّه تحدث مع نظيره الروسي، وإنّ فرقاً تابعة لهما ستجتمع قريباً لبحث خطط «وقف الاقتتال» المُزمع أن يبدأ في سوريا يوم السبت.
وقال كيري للمشرّعين: «تحدثت هذا الصباح -وهو سبب تأخري- كنت أتحدث مع لافروف ولدينا فريق سيجتمع غداً (اليوم) أو نحو ذلك... في مهمة عمل لوقف إطلاق النار... وقف الاقتتال».
وتأتي المشاورات الهاتفية للرئيس الروسي بعيد اتصاله بنظيره السوري بشار الأسد، أكّد فيه الأخير الاستعداد لاحترام وقف النار بين النظام والمعارضة.
وأفاد الكرملين في بيان صدر إثر مكالمة هاتفية بين الرئيسين أنّ الأسد «أكّد بصورة خاصة أنّ الحكومة السورية على استعدادٍ للمساهمة في تنفيذ وقف اطلاق النار».
في المقابل، ندّدت دمشق أمس بتصريحات كيري، غداة إعلانه أنّ بلاده تدرس خطة بديلة للتعامل مع الوضع في سوريا، مُحمّلةً واشنطن وحلفاءها مسؤولية اندلاع الأزمة في البلاد، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الرسميّة «سانا» عن مصدر رسمي في وزارة الخارجية السورية.
وذكر المصدر للوكالة أنّه تعقيباً على حديث كيري عن «إطالة الأزمة في سورية واحتمال التقسيم، فإنّ الجمهورية العربية السورية تدين هذه التصريحات التي تجافي الواقع، وتأتي في سياق التضليل لإخفاء مسؤولية بلاده، فيما تتعرّض له سوريا من جرائم المجموعات الإرهابية».
من جهته، قال المتحدث بإسم الكرملين ديمتري بيسكوف: «من السابق لأوانه» الحديث عن أيّ خطط بديلة. وأضاف: «المهمة الأكثر إلحاحاً الآن هي أن تنفّذ الجماعات التي تدعم مبادرة الرئيسين وقف اطلاق النار».
وأكّدت وزارة الخارجية الروسية الموقف نفسه، نافيةً علمها بوجود «خطة بديلة»، مُؤكّدةً أهمية الالتزام بالاتفاق الحالي.
وفي أنقرة، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الى استثناء المقاتلين الأكراد السوريين الذين تعتبرهم أنقرة «إرهابيين» من اتفاق وقف اطلاق النار، على غرار تنظيم «داعش» وجبهة النصرة.
وقال أردوغان في خطاب أمام نواب في قصره: «مثل تنظيم الدولة الاسلامية والنصرة يجب استثناء حزب الإتحاد الديموقراطي (ابرز حزب كردي سوري) ووحدات حماية الشعب (ذراعه المسلحة)، وهما ايضاً من المنظمات الإرهابية، من هذه الهدنة»، مضيفاً: «لا يجوز التمييز بين إرهابيين صالحين وأشرار في سوريا»، داعياً المجتمع الدولي الى إدراج حزب الإتحاد الديموقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية في خانة الحركات الإرهابية.
ورحّب اردوغان بالهدنة، لكنّه أعرب عن شكوك جدية بشأن قابليتها للتطبيق.
بدوره، أعلن نائب وزير الخارجية الإيرانية حسين أمير عبداللهيان أنّ بلاده، تؤيّد وقف اطلاق النار في سوريا.
ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسميّة «ايرنا» عن عبداللهيان قوله: «منذ بداية الأزمة في سوريا، شددت إيران دائماً على وقفٍ لاطلاق النار. نحن نثق بالتزام الحكومة السورية احترامَ وقف النار، ولكن ليس واضحاً ما إذا كانت المجموعات المسلّحة المرتبطة بالمجموعات الإرهابية المعروفة ستحترمه».
ووسط الجهود الدبلوماسية، وصلت بثينة شعبان مستشارة الرئيس السوري بشار الأسد الى موسكو، وفق ما أفاد لـ»وكالة الصحافة الفرنسية» متحدثٌ بإسم فيتالي نومكين الأكاديمي الروسي الذي شارك في المحادثات حول الأزمة السورية.
في المقابل، أعلنت الهيئة العليا للمفاوضات، المُمثلة لأطياف واسعة من المعارضة السورية، التزامها بـ»هدنة موقّتة لمدة أسبوعين».وجاء في بيان الهيئة بعد اجتماع عَقدته في الرياض: «ترى الهيئة أنّ هدنة موقّتة لمدة أسبوعين تشكّل فرصة للتحقّق من مدى جدية الطرف الآخر بالالتزام ببنود الاتفاقية»، مشيرةً الى أنّها وضعت «جُملة من الملاحظات لتأكيد ضمان نجاح الهدنة، لأنّ تطبيق بنود النص المطروح مرهون بتنفيذ المتطلبات الجادّة والفعّالة لتحقيق الحماية اللازمة للمدنيين السوريين، وتهيئة الظروف المناسبة للسَير في عملية سياسية».
من جهته، أعلن المسؤول في وحدات حماية الشعب الكردية ريدور خليل لـ»رويترز» أنّ الوحدات ستلتزم بوقف القتال، لكنّها تحتفظ بحق الردّ إذا تعرّضت إلى هجوم.
في الشق الإنساني، ألقت الأمم المتحدة أمس بنجاح أولى المساعدات الإنسانية من الجوّ في دير الزور، شرق سوريا، وفق ما أعلن مسؤول عمليات الإغاثة في الأمم المتحدة ستيفن أوبراين.
وقال أوبراين :»ألقى برنامج الأغذية العالمي هذا الصباح شحنة أولى من 21 طناً من المؤن في دير الزور».
الوضع الميداني
أعلن الجيش الروسي أنّه باشر التفاوض مع مجموعات معارضة في خمس محافظات سورية في شأن وقف النار، توافقت موسكو وواشنطن في شأنه، على أن يدخل حيّز التنفيذ الجمعة مساءً.
وقال المتحدث بإسم وزارة الدفاع الروسية الجنرال ايغور كوناشنكوف في بيان: «إنّ جنوداً روساً يعملون مع ممثلي المجموعات (المعارضة) في مناطق مختلفة من محافظات حماة وحمص واللاذقية ودمشق ودرعا».
وفي سياق متصل، أعلن مصدر عسكري سوري لـ»وكالة الصحافة الفرنسية» أنّ مدينة داريا، معقل الفصائل المقاتلة في الغوطة الغربية لدمشق، غير مشمولة باتفاق وقف النار، الذي يدخل حيّز التنفيذ ليل الجمعة السبت لتواجد جبهة النصرة فيها.
وقال المصدر برتبة عميد، الموجود في منطقة محدودة يسيطر عليها الجيش السوري في داريا: «إنّ الجيش السوري ملتزم بقرارات القيادة السورية بوقف إطلاق النار، الذي لا يشمل المناطق التي تقاتل فيها جبهة النصرة وداعش». وأضاف: «وبالتالي مدينة داريا غير مشمولة بقرار وقف العمليات العسكرية، لأنّ جبهة النصرة إحدى الفصائل المقاتلة داخل المدينة».
ويعكس هذا التوجّه التعقيدات التي تواجه تنفيذ اتفاق وقف النار، الذي أعلنت عنه واشنطن وموسكو، ولا يشمل «تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة وبقية المنظمات الإرهابية التي حددها مجلس الأمن».
إلى ذلك، نقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية للأنباء عن المتحدث بإسم وزارة الدفاع إيجور كوناشينكوف قوله: «إنّ سلاح الجوّ الروسي نفّذ 62 طلعة في سوريا خلال اليومين الماضيين ضرب خلالها 187 هدفاً». وأشارإلى أنّ الغارات نُفذت في محافظات حمص وحلب والرقة وحماة.
إلى ذلك، استمرت الاشتباكات العنيفة بين الجيش السوري ومتشدّدي الدولة الإسلامية أمس حول بلدة خناصر الإستراتيجية جنوب شرقي حلب، حيث قطع هجوم نفّذه التنظيم المتشدّد الطريق الرئيس المؤدّي للمدينة في القتال المستمرّ منذ ثلاثة أيام.
ونفى مصدر عسكري في الحكومة السورية صحة تقارير سقوط خناصر في أيدي الدولة الإسلامية، لكنّه قال إنّ المقاتلين يطلقون النار على البلدة من مواقع قريبة. وقال المصدر العسكري لـ»رويترز»: «إنّهم حول خناصر وإنّ البلدة تتعرّض لنيران قناصتهم»، مشيراً إلى أنّ «هذه الهجمات تبدو خطوة استباقية لأنّ المتشدّدين يتوقعون التعرّض لمزيد من الضغط من جانب الجيش السوري قريباً».
وأفاد موقع «أعماق» الالكتروني المؤيد للتنظيم أنّ الانتحاريين ساعدوا الدولة الإسلامية أيضاً في السيطرة على خناصر.
وقالت جماعتان من قوات المعارضة إنّ هجوم الدولة الإسلامية خفف الضغط عليهم حول حلب.
وقطع الهجوم الأخير ممرّ إمداد رئيساً للجيش إلى أنحاء من حلب، حيث يحقق الجيش السوري مكاسب على الأرض بدعم من الطائرات الحربية الروسية والحرس السوري الإيراني وحزب الله.
وقالت الدولة الإسلامية إنّها استهدفت قافلة عسكرية بين سلمية واثريا كانت متجهة إلى خناصر.
وقال المصدر العسكري إنّ الطريق أُغلق نتيجة العمليات العسكرية، ونفى سيطرة الدولة الإسلامية عليه. (وكالات)