باشرت الأمم المتحدة أمس إدخال مساعدات إنسانية إلى إحدى المدن المحاصرة في سوريا، مُحذّرةً من أنّ الجوع قد يودي بحياة الآلاف، في وقت لا يزال اتفاق وقف الأعمال العدائية صامداً على رغم بعض الأحداث المُتفرقة في يومه الثالث. ترافق ذلك مع تواصل الاتصالات على المستوى الدبلوماسي لتعزيز وقف اطلاق النار. وعُقد اجتماع في جنيف لمجموعة العمل المُكلّفة الإشراف على وقف اطلاق النار، طالبت فرنسا بعقده «من دون إبطاء»، إثر معلومات عن استمرار الغارات.
المساعدات تدخل الى مناطق سورية مُحاصرة في اليوم الثالث من الهدنةاجتمعت مجموعة الدول التي تدعم عملية السلام في سوريا في جنيف أمس، وسط شكاوى من تداعي اتفاق جديد لوقف العمليات القتالية سريعاً، بينما طلبت فرنسا معلومات عن تقارير أفادت باستمرار الهجمات على مواقع مقاتلي المعارضة.
وقال وزير الخارجية الفرنسية جان مارك أيرو للصحفيين في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف: «تلقينا مؤشرات على أنّ هجمات بعضها جوّية استمرت ضدّ مناطق تسيطر عليها المعارضة المعتدلة».
وأضاف: «كلّ هذا يحتاج إلى تحقق. لذلك طلبت فرنسا أن تجتمع قوة العمل المُكلّفة بالإشراف على وقف الأعمال القتالية من دون تأخير».
من جهته، لفت الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى أنّ وقف الأعمال العدائية صامد عموماً، على رغم أننا سجّلنا بعض الحوادث».
بدوره، لفت مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستافان دي ميستورا إلى أنّه ستجرى مناقشة الانتهاكات، لكنّه أحجم عن التعليق على تقارير عن هجمات بالغازات السامة.
وقال سليم المسلط، المتحدث بإسم الهيئة العليا للتفاوض المدعومة من السعودية: «إنّ الحكومة السورية انتهكت الاتفاق 15 مرة في اليوم الأول وإنّه حدثت انتهاكات أخرى من جانب روسيا وحزب الله اللبناني»، مشيراً إلى أنّه لم يتضح بعد كيف من المفترض أن يعمل النظام.
بدوره، قال رئيس وفد التفاوض التابع للهيئة العليا للتفاوض أسعد الزعبي:
«إنّ الهدنة التي بدأت السبت انهارت قبل أن تبدأ».
ونقلت وكالة تاس للأنباء عن سفير روسيا في جنيف أليكسي بورودافكين قوله: «إنّ اجتماع قوة المهام كان مُخططاً له مُسبقاً». وأضاف :»جيشا روسيا والولايات المتحدة على اتصال مستمر، وعقدا اجتماعات بالفعل مطلع الأسبوع».
وأشار دبلوماسي غربي رفض الافصاح عن اسمه إلى أنّ «دي ميستورا يقول إنّ عدد الضربات الجوية انخفض من 100 إلى نحو ما بين 6 و8 في اليوم، وبالتالي كان لابدّ من أن تكون هناك رؤية للموقف»، مضيفاً: «نحتاج إلى الحصول على تفسير من الروس عن الضربات التي حدثت يوم الأحد».
وقال سفير غربي في جنيف: «إنّ الحوادث مُتوقعة دائماً، لكنّ المجموعة الدولية لدعم سوريا ستبحث الأمر اليوم. رؤيتها هي التي تهم».
ومن المُفترض أن تراقب المجموعة الدولية لدعم سوريا التي تقودها الولايات المتحدة وروسيا الالتزام بالاتفاق وتتصرّف سريعاً لوقف أيّ تجدّد لإطلاق النار، على أن تلجأ إلى استخدام القوة كملاذ أخير.
وشدّد البيت الأبيض على أنّ الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة تطبيق اتفاق وقف العمليات القتالية في سوريا، على رغم التقارير التي أفادت بوقوع انتهاكات في مطلع الأسبوع.
وقال المتحدث بإسم البيت الأبيض جوش إيرنست: «إنّ بعض الانتهاكات كان مُتوقعاً، هناك تقارير عن حدوث انتهاكات، وأننا سنواجه بعض المعوقات على طريق تطبيق (الاتفاق) بنجاح».
ومن الكويت، قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ في مؤتمر صحافي: «رأينا علامات مُشجعة على أنّ وقف اطلاق النار صامد الى حدّ كبير، لكن في الوقت نفسه رأينا بعض التقارير عن انتهاكات».
وأضاف: «نشعر بالقلق إزاء الحشد العسكري الروسي الكبير الذي نراه في سوريا بقوات برية وقوات بحرية في شرق المتوسط وقوات جوية تشنّ ضربات».
وفي ابيدجان، اعتبر الرئيس التركي رجب طيب اردوغان «أنّ وقف اطلاق النار سار على ثلث الأراضي السورية، وأمل أن يتوسّع ليشمل كافة الأراضي»، مضيفاً: «للأسف تتواصل الهجمات كلّ يوم».
في المقابل، دعا الكرملين شركاء روسيا الأجانب إلى التحلّي بالحذر، مُحذِّراً من توجيه أصابع الاتهام إلى روسيا بخرق شروط التهدئة.
وأكّد دميتري بيسكوف الناطق الصحافي بإسم الرئيس الروسي أنّ عملية تطبيق الهدنة في سوريا بدأت. وقال: «من المهم أننا توصلنا إلى اتفاق، وأقدمنا على الخطوات الرئيسة تنفيذاً لهذا الاتفاق. إنّ العملية جارية، لكن كان من الواضح منذ البداية أنّ تلك العملية لن تكون سهلة».
وأشار بيسكوف إلى أنّ موعد زيارة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو لم يُحدَّد بعد، والدعوة التي وجهها إليه الرئيس فلاديمير بوتين تبقى مفتوحة.
وأفادت وزارة الخارجية الروسية أنّ وزير الخارجية سيرغي لافروف ناقش مع نظيره الأميركي جون كيري في اتصال هاتفي تعزيز التعاون بين القوات المسلحة في البلدين، فيما يتعلق بخطة وقف إطلاق النار في سوريا.
ودعا لافروف خلال محادثات مع نظيره الجزائري رمطان لعمامرة في الجزائر العاصمة إلى بحث سبل دعم الجهود الدولية الرامية إلى محاربة الإرهاب.
إلى ذلك، نقلت وكالة الأنباء السورية «سانا» عن مصدر في وزارة الخارجية قوله: «إنّ ما يردده وزير الخارجية السعودية عادل الجبير ليس إلاّ صدى لما تقوله واشنطن وإسرائيل»، مضيفاً: «أنّ الحديث عن خطة (ب) بشأن التطورات الراهنة في سوريا ليس إلاّ وهماً سعودياً».
تزامناً، قال وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر إنّ العمليات العسكرية التي تنفذها الولايات المتحدة، في إطار التحالف الدولي ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية داعش في سوريا والعراق، تسارعت في الأيام الأخيرة التي شهدت بدء هدنة بين الأطراف السورية المتحاربة.
وأوضح كارتر في مؤتمر صحافي في البنتاغون أنّ وقف إطلاق النار في سوريا، لا يشمل العمليات ضدّ «داعش»، مشيراً إلى أنّ بلاده مستمرة في ملاحقة التنظيم حتى هزيمته.
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن اطلاق مقاتلي الفصائل المعارضة فجر أمس قذائف على أحياء تحت سيطرة قوات النظام في مدينة حلب، التي تشهد منذ صيف 2012 معارك شبه يومية.
وتعرّضت قرية حربنفسه التي تسيطر عليها فصائل معارضة في ريف حماة الجنوبي (وسط) لأكثر من ثلاثين غارة روسية لليوم الثاني على التوالي.
وللمرة الأولى بعد سريان الهدنة، أعلنت منظمة الهلال الأحمر العربي السوري «أنّ عشر شاحنات من أصل 51 شاحنة»، دخلت الى مدينة معضمية الشام المُحاصرة من قوات النظام جنوب غرب دمشق، منذ مطلع 2013.
وأعلن مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان زيد بن رعد الحسين خلال افتتاح الجلسة السنوية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف أنّ «التجويع المُتعمد للشعب محظور بشكل لا لبس فيه باعتباره سلاح حرب».
وأعلن برنامج الأغذية العالمي أمس أنّه جمع مبالغ مالية «غير مسبوقة» تتيح له استئناف برنامجه الكامل للمساعدات الغذائية للاجئين السوريين في الأردن ولبنان والعراق ومصر، والتي أصبحت مؤمنة حتى نهاية السنة.
وهذه الهدنة هي الأولى بهذا الحجم التي تلتزم بها قوات النظام والفصائل المقاتلة منذ بدء النزاع في 2013. ويستثني الاتفاق تنظيم «داعش» و»جبهة النصرة».
وانعكس سريان الهدنة انخفاضاً في حصيلة القتلى اليومية، إذ احصى المرصد مقتل أربعين شخصاً من مدنيين وجنود ومقاتلين يومي السبت والأحد في المناطق الخارجة عن سيطرة «داعش» في سوريا، من دون إحصاء عدد القتلى في صفوف جبهة النصرة، مقارنة بمقتل 144 شخصا ًالجمعة، عشية بدء تطبيق الاتفاق.
وتحدّث السكان عن أجواء هادئة اجمالاً في المناطق الرئيسة المشمولة باتفاق الهدنة.
ونعم السكان في أحياء حلب الشرقية بصباح هادئ اجمالاً، بعد ليلة خلت من دوي القصف والمعارك. واشارت «وكالة الصحافة الفرنسية» الى حركة اعتيادية وتنقل التلاميذ بحرية في الشوارع أمس خلال توجههم الى المدارس، بعدما اعتادوا السير بحذر وقُرب الأبنية خشية من القصف.
كما ساد الهدوء أطراف العاصمة، وضجّت الشوارع بحركة المارة.
وأفاد المرصد السوري أنّ قوات الجيش السوري سيطرت على أراض إلى الشرق من دمشق، لها أهمية استراتيجية بين حيين في الغوطة الشرقية بريف دمشق، في اليوم الثالث لمحاولة دولية هشة لوقف القتال المستمر منذ خمس سنوات تقريباً.
في المقابل، قال مسؤول عسكري لـ»رويترز» مُشترطاً عدم نشر اسمه: «إنّ المدفعية التركية قصفت نحو عشرة أهداف لتنظيم الدولة الإسلامية داخل سوريا» أمس الأول، مضيفاً: «أنّ الجيش أطلق ما يصل إلى 50 قذيفة مدفعية بين الساعة الثانية والثالثة مساء».وذكر تلفزيون «إن.تي.في» التركي أنّ الأهداف تقع إلى الشمال من حلب.
في غضون ذلك، كشفت تقارير إعلامية عن سعي «جبهة النصرة» المستثناة من الهدنة في سوريا، إلى استفزاز روسيا من خلال جعل «المعارضة المعتدلة» هدفاً للغارات وذلك لإفشال الهدنة.
ونقلت صحفية «دي فيلت» عن أحد مقاتلي «جبهة النصرة»، الملقب بأبي مصعب السوري البالغ من العمر 37 سنة، قوله: «إنّ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه روسيا والولايات المتحدة هو غباء».
ويعتبر أبو مصعب السوري أنّ تنظيم «النصرة» الذي ينتمي إليه مؤلف من 10 آلاف مقاتل ويمتلك قوة حقيقية في سوريا وهو يريد وضع حدّ لوقف إطلاق النار.
وأشارت الصحيفة إلى أنّ «جبهة النصرة» تريد أن يفشل اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ السبت الماضي، مُوضحةً أنّ «النصرة» لديها مخطط لاستفزاز الروس.(وكالات)