بعد أسبوع على تحذير وزير الخارجية الأميركي جون كيري من أن تقسيم سوريا إذا فشلت الهدنة، سيكون أمراً واقعاً، جاهرت موسكو بأن التقسيم تحت مسمى الفدرالية، ممكن إذا كان هذا الأمر «يفيد وحدة البلاد»!.
ووسط هذا التقاطع الأميركي ـ الروسي عند التقسيم، يظهر الشبح الإسرائيلي في ظلال المشهد السوري، تارة عبر التنسيق مع موسكو في تقاسم الأجواء السورية وطوراً في المحادثات مع واشنطن في خصوص الشأن السياسي السوري، وأخيراً عبر ما كشفته صحيفة «يديعوت أحرونوت» بشأن استخدام نظام بشار الأسد في حربه ضد معارضيه طائرات إسرائيلية بلا طيار كانت موسكو اشترتها في وقت سابق.
ومسألة تقسيم سوريا ليست أمراً مستجداً، وما الجديد في ذلك سوى التصريحين الأميركي والروسي، إذ كشفت تقارير عدّة في وسائل إعلام غربية وعربية وإسرائيلية، أن التدخل الروسي الموافق عليه أميركياً، إنما جاء لينقذ رأس نظام الأسد ويفرض حزام أمن لما تعتبره موسكو «سوريا المفيدة»، وهو عبارة عن الطريق الدولية الممتدة من الحدود الأردنية حتى الحدود التركية، في منطقة تتضمن دمشق وحمص وحلب والساحل السوري وأريافه.
والسؤال الذي يُطرح بقوّة يتعلق بدور إيران و»حزب الله» في هذا الشأن من خلال القتال والموت في سبيل بقاء نظام الأسد؛ وسؤال ثانٍ يُطرح، هو ما إذا كانت تركيا ترضى بتقسيمات «سوريا المفيدة» وفق التصور الروسي/ الأميركي، بما يشمل مناطق يريد الأكراد إقامة كيان لهم فيها، وهذا يهدد وحدة الأراضي التركية خصوصاً المناطق ذات الغالبية الكردية؛ وثالثاً: هل تقبل الدول العربية أن تُقَسَّم دولة عربية مركزية، وتؤسس بالتالي لإعادة رسم حدود كل الدول العربية؟.
إذاً، فبعد أسبوع على تصريح كيري، قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في إفادة صحافية أمس إن من الممكن أن تصبح سوريا دولة اتحادية، إذا كان هذا النموذج يخدم الحفاظ على وحدة البلاد. وقال ريابكوف «إذا خلصوا.. نتيجة للمحادثات والمشاورات والمناقشات بشأن نظام الدولة في سوريا في المستقبل.. إلى أن النموذج (الاتحادي) سيخدم مهمة الحفاظ على سوريا موحدة وعلمانية ومستقلة وذات سيادة، فمن سيعترض على ذلك حينها؟».
وأكد ريابكوف أن موسكو لن تعترض أيضاً على «أي نموذج آخر لسوريا شريطة ألا يكون من إملاء شخص على بعد ألف كيلومتر من سوريا«.
وكان وزير الخارجية الأميركي حذر الأربعاء الماضي في تصريح أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الأميركي، من صعوبة منع تقسيم سوريا. وقال إنه طالما «استمر القتل، فإن هذه الدائرة المدمرة ستغذي نفسها« وإنه «من الصعب جداً الحفاظ على وحدة الدولة إذا لم يتوقف القتال في البلاد قريباً«.
ولا تبدو الهدنة ناجحة وإن انخفض عدد ضحايا القصف الروسي ـ الأسدي. وفي هذا السياق أعطى رئيس وفد الهيئة العليا للتفاوض لمحادثات السلام أسعد الزعبي، تقويماً متشائماً للهدنة. وقال لقناة «العربية الحدث» التلفزيونية «نحن لسنا أمام خرق للهدنة... نحن أمام إلغاء كامل للهدنة». وأضاف من دون إسهاب «أنا أعتقد أن المجتمع الدولي فشل تماماً في كل الاختبارات... عليه أن يتخذ إجراءات عملية حقيقية حيال هذا النظام». وتابع «لا تبدو أي مؤشرات لتهيئة بيئة» لمحادثات السلام التي قالت الأمم المتحدة إنها تعتزم استئنافها في السابع من آذار المقبل.
وقالت الهيئة العليا للتفاوض إن الحكومة السورية انتهكت اتفاق وقف العمليات القتالية 15 مرة في اليوم الأول وإن ثمة انتهاكات أخرى من روسيا و»حزب الله» وكلاهما حليفان للأسد.
وقال العقيد فارس البيوش قائد الفرقة الشمالية المنضوية تحت لواء الجيش السوري الحر، إن «الضربات الجوية كثيفة اليوم ولا سيما التي تقوم بها الطائرات الروسية». وقال أبو البراء الحموي وهو مقاتل مع جماعة «أجناد الشام» في شمال غرب سوريا، إن الحكومة قصفت عدداً من القرى. وأضاف أن هذا قصف معتاد وأن النظام بعد الهدنة لا يختلف عما قبلها.
واعتبر المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إيرنست في إفادة صحافية أن بعض الانتهاكات كانت متوقعة. وأضاف أن الإدارة الأميركية «توقعت أن تكون هناك تقارير عن حدوث انتهاكات وأننا سنواجه بعض المعوقات على طريق تطبيق (الاتفاق) بنجاح».
وأجرى مسؤولون من وزارة الدفاع الأميركية محادثات مع نظرائهم الروس في إطار سلسلة المناقشات الهادفة الى تجنب وقوع أي حوادث عسكرية بين البلدين في سوريا.
وقال المتحدث الصحافي باسم البنتاغون بيتر كوك في بيان إن «الجانبين ناقشا الإجراءات لتعزيز سلامة العمليات بما في ذلك طرق تجنب الحوادث والمواجهات غير المقصودة بين قوات التحالف والقوات الروسية في أي وقت يقوم فيه الطرفان بعمليات في المكان نفسه تقريباً«.
وأضاف كوك «بالتأكيد لا يوجد وقف للأعمال العدائية» ضد التنظيم المتطرف، في إشارة الى اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي دخل يومه الثالث في سوريا والذي لا يشمل العمليات العسكرية ضد تنظيم «داعش» وجبهة النصرة التابعة للقاعدة.
وفي موقف مماثل، قال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أمس للصحافيين في جنيف بعد محادثات مع مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا وقبل اجتماع للمجموعة الدولية لدعم سوريا، «بشكل عام يصمد وقف الأعمال القتالية على الرغم من وقوع بعض الحوادث». وأضاف «لكن مجموعة العمل والأعضاء الآخرين في المجموعة الدولية لدعم سوريا يحاولون الآن ضمان ألا يمتد أكثر و(ضمان) استمرار وقف الأعمال القتالية».
وفي فيينا، قال وزير الخارجية الفرنسي جان مارك أيرلوت للصحافيين في مبنى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة: «تلقينا مؤشرات على أن هجمات بعضها جوية استمرت ضد مناطق تسيطر عليها المعارضة المعتدلة». وأضاف «كل هذا يحتاج إلى تحقق. لذلك طلبت فرنسا أن تجتمع قوة العمل المكلفة بالإشراف على وقف الأعمال القتالية من دون تأخير».
وتواصل الأمم المتحدة إدخال مساعدات إنسانية الى إحدى المدن المحاصرة في سوريا، محذرة من أن الجوع قد يودي بحياة الآلاف.
وللمرة الأولى بعد سريان الهدنة، بدأت قافلة مساعدات غير غذائية بالدخول الى مدينة معضمية الشام المحاصرة من قوات النظام جنوب غرب دمشق. وأعلنت منظمة الهلال الأحمر العربي السوري مساء «أن عشرين شاحنة من أصل 51 شاحنة» دخلت الى المدينة.
وفي جنيف، عقدت مجموعة العمل المكلفة الإشراف على وقف إطلاق النار اجتماعاً لتقويم الاتهامات المتبادلة حول سلسلة الخروق، من دون إصدار أي بيان رسمي، تزامناً مع إعلان موسكو والهيئة العليا للمفاوضات، الممثلة لأطياف واسعة من المعارضة السورية، عن خروق جديدة.
وأعلن الجنرال سيرغي كورالينكو رئيس المركز الروسي للمصالحة بين الأطراف السوريين من مقره في مطار حميميم غرب سوريا «تسجيل سبعة انتهاكات لوقف إطلاق النار خلال الـ24 ساعة الأخيرة».
وأعلنت الهيئة العليا للمفاوضات في بيان من جهتها تسجيل أربعة انتهاكات على الأقل الاثنين، اثنان من قوات النظام في محافظة درعا (جنوب) واثنان من الطيران الروسي في محافظة حماة (وسط).
واستبق الأمين العام للأمم المتحدة الاجتماع موضحاً «يمكنني القول إن وقف الأعمال العدائية صامد عموماً رغم أننا سجلنا بعض الحوادث».
وقال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش ايرنست «نعلم بوجود تقارير عن خروق (..) وسنواجه بعض العثرات على طريق تطبيق الاتفاق بنجاح»، مؤكداً في الوقت ذاته أن البيت الأبيض «لا يزال ملتزماً بهذه العملية».
وأعرب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ أمس عن قلقه إزاء تقارير حول انتهاكات لوقف إطلاق النار المستمر منذ ثلاثة أيام في سوريا، وحض جميع الأطراف على احترام وقف الأعمال العدائية. وقال في مؤتمر صحافي في الكويت «رأينا علامات مشجعة على أن وقفاً لإطلاق النار صامد الى حد كبير، لكن في الوقت نفسه رأينا بعض التقارير عن انتهاكات». وأضاف «بطبيعة الحال، هذا مصدر قلق لأنه من المهم أن تحترم جميع الأطراف الاتفاق» الذي اعتبره أفضل وسيلة لتجديد الجهود الرامية للتوصل الى حل سياسي للنزاع.
وقال مساعد لوزير الدفاع السعودي لـ»رويترز» إن وزراء دفاع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» بحثوا إمكانية التوغل برياً في سوريا قبل نحو أسبوعين لكنهم لم يتخذوا قراراً حتى الآن.
وصرح العميد أحمد عسيري في مقابلة هاتفية من الرياض «لقد نوقش الأمر قبل نحو أسبوعين في بروكسل... نوقش على المستوى السياسي لكن لم تتم مناقشته كمهمة عسكرية«. وأضاف «بمجرد تنظيم هذا واتخاذ قرار بشأن عدد القوات وكيف سيتم إرسالها وإلى أين سيتم إرسالها... سنشارك في ذلك«. وتابع قوله «ينبغي أن ندرس الأمر على المستوى العسكري بشكل مستفيض مع الخبراء العسكريين لضمان أن تكون لدينا خطة«.
وقال عسيري أيضاً إن المملكة مستعدة الآن لقصف تنظيم «داعش» من قاعدة إنجيرليك الجوية في جنوب تركيا حيث وصلت أربع مقاتلات سعودية الأسبوع الماضي. وأضاف أن المقاتلات لم تشارك حتى الآن في أي هجمات.
وفي سياق مقارب، قال دميتري بيسكوف السكرتير الصحافي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إن موعد زيارة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو لم يحدد بعد، والدعوة التي وجهها إليه الرئيس بوتين تبقى مفتوحة.
وكذلك في سياق الأزمة السوري، لفت الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أمس الى أن وقف إطلاق الذي أعلن في سوريا الأسبوع الماضي يشمل ثلث البلاد فقط، وأنه يأمل في توسعته ليشمل سوريا بالكامل. وقال في مؤتمر صحافي مشترك في أبيدجان مع رئيس ساحل العاج حيث يقوم بزيارة رسمية لغرب أفريقيا، إن الهجمات لا تزال مستمرة في أجزاء من سوريا.
وقالت وكالة «دوغان« الخاصة للأنباء إن المدفعية التركية أطلقت 50 الى 60 قذيفة من مدافع هاوتزر في منطقة كيليس الحدودية الجنوبية، مستهدفة مواقع لتنظيم «داعش» في شمال محافظة حلب السورية.
وتعقيباً على الموقف التركي، قال ريابكوف إن روسيا قلقة من استعدادات للجيش التركي على الحدود السورية وإن أي تدخل عسكري لأنقرة سيكون «ضربة قاصمة» لاتفاق وقف إطلاق النار في سوريا. وأضاف: «مع الأسف لم يتخل زملاؤنا الأتراك عن فكرة الهجمات عبر الحدود«.
في غضون ذلك، أكد تقرير اطلعت عليه «المستقبل» على موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية ونشره مترجماً إلى العربية موقع «الجزيرة.نت»، أن قوات الأسد تستخدم طائرات من دون طيار إسرائيلية الصنع، كانت قد بيعت إلى الجيش الروسي.
وكشف المراسل العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» يوآف زيتون، أن النظام السوري استخدم طائرة إسرائيلية مسيرة في حربه ضد معارضيه، وذكر أن هذا يعني أن الطيران الإسرائيلي يساعد نظام الأسد وحلفاءه من إيران وحزب الله في الحفاظ على بقائه والانتصار على المعارضين.
وأضاف يوآف زيتون أن هذه الطائرة التي التقط مواطن سوري صورة لها في أجواء مدينة اللاذقية شمال سوريا، من طراز «سيرتشر» من إنتاج الصناعات الجوية الإسرائيلية تم بيعها لروسيا، وهي ذات حجم متوسط معدة لاستخدامات المراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية، ضمن مسافات تصل الى مئات الكيلومترات.
وفي شمال سوريا، أعدم تنظيم «داعش» ثمانية مقاتلين هولنديين في صفوفه بعد اتهامهم بمحاولة «الانشقاق الجماعي» والتحريض ضده، واعتقل أكثر من 65 آخرين يحملون الجنسية ذاتها، كما أفادت حملة «الرقة تذبح بصمت» وكالة «فرانس برس«.
وقال «أبو محمد» أحد مؤسسي الحملة المناهضة للتنظيم عبر الانترنت إن «تنظيم داعش أعدم ثمانية مقاتلين هولنديين في صفوفه يوم الجمعة في مدينة معدان في محافظة الرقة» أبرز معاقل التنظيم في سوريا «بعد اتهامهم بمحاولة الانشقاق الجماعي والتحريض ضد التنظيم».
وبحسب بيان نشرته الحملة على موقعها الالكتروني، فإن نحو 75 مقاتلاً هولندياً بينهم مقاتلون من أصول مغربية يحملون الجنسية الهولندية، انشأوا تجمعاً خاصاً بهم في الرقة، وكانوا على علاقة متوترة مع القيادات العراقية في التنظيم.
(أ ف ب، رويترز، بي بي سي، الجزيرة.نت، «المستقبل»، روسيا اليوم)