بعد 36 جلسة "محاولة" إنتخاب رئيس للجمهورية، وقع كلام رئيس المجلس النيابي نبيه برّي من بروكسيل بأن الإنتخابات صارت أقرب من أي وقت مضى كقطرة المياه في الأرض العطشى. وأثار كلامه تساؤلات حول خلفيّاته والمعطيات التي يستند إليها رئيس المجلس المعروف بأنه لا يلقي عباراته جزافاً.
عاملان اثنان دفعا الرئيس برّي الى هذا القول: الحاجة المتصاعدة الى انتخاب رئيس للجمهورية وعدم جواز البقاء في خضم فراغ بات يؤدي الى فوضى اجتهادات دستورية، وزيارته الى عاصمة الإتحاد الأوروبي بروكسيل، حيث لم يسمع من البرلمانيين الأوروبيين أسئلة عن الفراغ الرئاسي في لبنان وكأنه أمر ثانوي، وبدت الأولويات الأوروبية منصبّة على الملفّ السوري والنازحين السوريين، الى الحرص على استقرار لبنان كي لا يهاجر هؤلاء الى أوروبّا.
عطفاً على زيارة بروكسيل، وصلت إلى الرئيس برّي من خلال الوفد البرلماني اللبناني الذي زار واشنطن أخيراً معلومات مماثلة بأن لا أحد في مواقع القرار الأميركي يهتمّ كثيرا لأمر الرئاسة الأولى.
عند هذا الحدّ، تيقّن برّي مجدّداً من إعتقاده الراسخ الذي يقول دوماً بأن ثمّة دوراً وطنياً من الضروري لعبه في هذه اللحظة التاريخيّة، ويصبّ في خانة انتخاب رئيس للجمهورية. بمعنى آخر، فإن الرئيس برّي يعوّل أكثر من أيّ وقت مضى على المسؤولية اللبنانية في إنهاء الفراغ الرئاسي. بنظر برّي، فإنّ غياب السؤال عن الرئيس في عواصم القرار الكبرى يشي بوطأة العزلة التي يعيشها لبنان، وكأنّ العالم بدأ يشعر باليأس من قدرة اللبنانيين على تسيير مؤسسات دولتهم بالشكل الصحيح.
وبالعودة الى خلفيّات تفاؤل برّي: فإنّه على أثر الخطوات الأخيرة التي تتالت ومنها: ترشيح رئيس تيار"المستقبل" سعد الحريري للنائب سليمان فرنجيّة ومصالحة العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع، ثمّ عودة الحريري والمراحل التي قطعها الحوار الوطني وثبات حوار تيار"المستقبل" و"حزب الله" على رغم الغليان الإقليمي، ثمّ نضوج مواصفات رئيس الجمهورية والسلّة التي تمّ التوافق عليها في الحوار الوطني ولا سيّما قانون الإنتخاب، كل هذه العوامل باتت تشكّل، بنظر الرئيس برّي، قوّة جذب أمام حجم الكارثة الوطنية، وعامل ضغط لانتخاب رئيس.
أمّا الدليل الدّامغ والأقوى والذي أسند تفاؤل برّي الى دليل عملي، فيتمثّل بوصول النصاب البرلماني في الجلسة الـ36 للبرلمان الى 73 نائبا ( هم في الواقع 76 نائبا بسبب سفر 3 من نواب تيار "المستقبل"). وهنا تشير أوساط سياسية واسعة الإطلاع لـ"لبنان 24" إلى أنّ هذا الرقم هو أعلى إذا تجنّبنا "اللعبة" التي تلعبها "القوات اللبنانية" التي قسّمت نوابها بين 4 يبقون في مكاتبهم و4 يحضرون الجلسات النيابية، وما تناهى عن تعهّد أعطته "القوات" للجنرال عون بأنّه في حال إكتمل النصاب يغادر نوابها الجلسة الإنتخابيّة.
وتشير الأوساط الواسعة الإطلاع الى ما تسميها "رسالة الـ76 نائبا" الى الجنرال عون ومفادها أن على عون أن يدرك بأنه ليس هو حاجب النّصاب بل إن التوافق محجوب عنه.
وتشرح الأوساط المذكورة بأنّ عودة الحريري منحت هذا "الحشد النيابي" المستجدّ دينامية مختلفة، وهو بدوره يشكّل رافعة وعامل ضغط لتحقيق الإنتخاب، وأيّ بديل لهذا "السيناريو" يعني الفشل. فمع اكتمال وجود كلّ القيادات في لبنان يمكن إجراء الإستحقاق الرئاسي، ويمكن للبنانيين أن يثبتوا بأنّ لبنان هو فعلاً لا قولاً "حجر الزّاوية" في المنطقة والنموذج المطلوب تعميمه، أو عليه أن يلحق بنموذج الفوضى الصارخة في المنطقة.
يرتسم هذان الخياران دوماً في ذهن الرئيس نبيه برّي وهو يعمل عليهما مع القوى الأخرى المتناغمة معه، ومن هنا مردّ تفاؤله الذي لا ينتهي.