رسمت واشنطن وموسكو أمس، خارطة طريق واضحة المعالم للانتقال السياسي في سوريا، تبدأ بالتزامهما في الدفع نحو وضع دستور جديد للبلاد بحلول شهر آب المقبل. ما يعني أن الجولة المقبلة من مفاوضات جنيف ستكون، كما قال الموفد الدولي الخاص الى سوريا ستيفان دي ميستورا، حاسمة.
فقد أعلن وزير الخارجية الأميركي جون كيري خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره سيرغي لافروف في موسكو أمس، إنه اتفق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تسريع الجهود الرامية للتوصل إلى جدول زمني يفضي الى وضع مشروع دستور جديد بحلول شهر آب المقبل، معتبراً أن الوقت قد حان للتطرق الى مسألة من سيحكم سوريا.
وبعد 4 ساعات من المحادثات مع بوتين في الكرملين، قال كيري إن الجهود تشمل إقناع الرئيس السوري بشار الأسد بالانخراط الكامل في محادثات للانتقال السياسي، كاشفاً أنه «سيتعين على روسيا أن تتحدث بنفسها في ما يتعلق بما ستختار فعله من أجل مساعدة الأسد على اتخاذ القرارات الصحيحة. اتفقنا على تسريع الجهود لمحاولة دفع العملية السياسية قدما«، وأضاف «روسيا مشاركة بشكل كامل في هذا الجهد وسنحاول دفع الرئيس الأسد لاتخاذ القرار الصحيح خلال الأيام القادمة للانخراط في عملية سياسية تسفر عن انتقال حقيقي«.
ولم تحقق محادثات السلام في جنيف بين ممثلين عن الحكومة السورية والمعارضة تقدما كبيرا وتعتقد واشنطن أن موسكو الحليف المقرب من بشار الأسد يمكنها دفع دمشق لتقديم تنازلات.
ووصل كيري إلى موسكو بعد عشرة أيام من إعلان بوتين سحب معظم القوات الروسية من سوريا في قرار تراه الحكومات الغربية فرصة لوقف القتال ودفع محادثات السلام.
وكانت الأجواء في اجتماع الكرملين أقل فتورا من لقاءات سابقة. وأقر الاثنان بأن جهودهما المشتركة حققت تقدما وعلى وجه الخصوص في ما يخص تنفيذ الاتفاق الهش لوقف الأعمال القتالية.
وقال بوتين الذي فرضت الولايات المتحدة حظر سفر على العديد من المقربين منه بسبب الأزمة الأوكرانية «على وجه العموم باستطاعتنا الوصول الى ارضية مشتركة والاعتماد عليها في التقدم الى الأمام بشأن القضايا الثنائية.» أضاف «نفهم أن ما تمكنا من تحقيقه في سوريا نجح فقط بفضل موقف القيادة السياسية العليا في أميركا اي الرئيس باراك أوباما. آمل بشدة أن تتيح زيارتكم لنا الفرصة لتقريب مواقفنا أكثر بشأن المضي قدما في حل الأزمة السورية وأوكرانيا«.
وظهرت روسيا والولايات المتحدة كقوتين خارجيتين لهما قول حاسم في ما يمكن أن يؤول إليه الصراع الدائر في سوريا منذ خمس سنوات.
وتدعم الولايات المتحدة وحلفاؤها جماعات مسلحة تقاتل ضد حكم الأسد في حين أكدت روسيا دورها بحملة عسكرية دامت خمسة أشهر حولت دفة القتال لصالح الأسد. وقال ديبلوماسيون أجانب إن الوفد الحكومي في سوريا ليس مستعدا للحديث إلا عن المسائل الإجرائية المتعلقة بالمفاوضات وإنه يقاوم محاولات مناقشة مصير الأسد.
وتقول المعارضة وحكومات غربية إنه ينبغي رحيل الأسد في نهاية المطاف لكن دمشق تصر على أن رحيله ليس مطروحا للتفاوض.
وفي سياق متصل، اعلن الموفد الدولي الخاص الى سوريا ستيفان دي ميستورا امس ان جولة المفاوضات المقبلة التي ستُستأنف بدءا من التاسع من نيسان المقبل، يجب أن تتناول العملية السياسية بعدما عرضت الجولة التي انتهت أمس للمبادئ.
وقال دي ميستورا في مؤتمره الصحافي الذي تمحور حول الوثيقة التي سلمها إلى طرفي المفاوضات: «أتوقع وآمل... ألا تركز الجولة التالية من المحادثات على المبادئ مرة أخرى ـ أجرينا ما يكفي من ذلك ـ يوجد كثير من النقاط الصالحة.. لكن يجب أن نبدأ التركيز على العملية السياسية«.
وأضاف أنه أعد وثيقة تتضمن مبادئ توجيهية مشتركة لتعزيز المحادثات ولم يرفضها أي من الطرفين. وقال إنه يهدف الى بدء المحادثات في التاسع من نيسان، لكن بعض المشاركين قد يأتون لاحقا حتى 14 نيسان وهو اليوم التالي لموعد الانتخابات البرلمانية في سوريا.
وتتحدث وثيقة دي ميستورا عن «احترام سيادة سوريا واستقلالها، ووحدة وسلامة أراضيها»، مشيرة إلى أنه «لا يجوز التنازل عن أي جزء من الأراضي الوطنية»، وأن الشعب السوري «ملتزم أن يستعيد مرتفعات الجولان المحتلة بالوسائل السلمية«.
وأكدت أيضا «مبدأي المساواة في السيادة وعدم التدخل طبقا لميثاق الأمم المتحدة»، وأن الشعب السوري هو وحده «يمتلك الحق الحصري في اختيار نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي دون ضغط أو تدخل خارجي». وذكرت أن الانتقال السياسي في سوريا يشمل «آليات حكم ذي مصداقية وشامل للجميع وغير قائم على الطائفية». أضافت أنه «يشمل جدولا زمنيا وعملية لإعداد دستور جديد وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة» تجري تحت إشراف الأمم المتحدة. وشددت الوثيقة على المحافظة على حقوق النساء في التمثيل العادل ووفق المعايير الدولية (30%).
واكدت على الالتزام «بإعادة بناء جيش وطني قوي وموحد، بوسائل تشمل أيضا نزع سلاح ودمج أفراد الجماعات المسلحة الداعمة العملية الانتقالية والدستور الجديد». أضافت أنه «لن يُسمح بأي تدخل من جانب مقاتلين أجانب على الأراضي السورية». وأشار نص المسودة إلى أن سوريا ترفض الإرهاب «رفضا قطعيا، وتتصدى بقوة للمنظمات الإرهابية والأفراد الضالعين في الإرهاب كما يحددهما مجلس الأمن».
وفيما يخص اللاجئين، ذكرت الوثيقة أنه «سيجري تمكين جميع اللاجئين والنازحين من العودة إلى ديارهم بأمان، إذا كانوا يرغبون في ذلك». وأكدت الوثيقة حديثها بتقديم « الإنصاف والرعاية إلى من تكبدوا خسائر أو عانوا إصابات نتيجة للنزاع، كما ستعاد إليهم الحقوق والممتلكات المفقودة».
وقيمت المعارضة إيجابياً محادثات جنيف. وأكد المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات سالم المسلط أن وفد نظام الأسد يقوم بعرقلة محادثات جنيف، وأن مواقفه حالت دون إحراز أي تقدم خلال الجولة الأولى من المحادثات.
وقال المسلط، في تصريح صحافي أمس، إن «وفد المعارضة يقوم بواجباته على أكمل وجه، حيث قدم للمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا وثيقة تتضمن مقترحاتهم لمرحلة الانتقال السياسي في سوريا، وأن الأخير تلقّى إجابات على 29 استفساراً، كان قد تقدّم به إلى الهيئة العليا للمفاوضات سابقاً«.
ووجه المسلط نداءً إلى الولايات المتحدة وروسيا بخصوص الضغط على نظام الأسد، من أجل إطلاق سراح المعتقلين، معتبراً أن إخلاء سبيل عدد قليل منهم، سيكون بمثابة شعلة أمل لدى الكثير من السوريين.
(رويترز، أ ف ب، آر تي، العربية.نت، السورية نت)