لا يختلف اثنان على ان الوضع الأمني في مخيم عين الحلوة يكاد يخرج عن السيطرة في ظل اصرار غير مسبوق على تصعيد الموقف من قبل ايادٍ بدا واضحا انها تريد جره الى تفجير واسع يتجاوز الخطوط الحمراء. واذا كان المخيم اجتاز نسبيا «حقل ألغام» الأحداث الأخيرة بأقل خسائر ممكنة، فهذا لا يعني انه قطع مرحلة الخطر، خاصة وأن علامة استفهام كبرى طرحت ولا تزال عن الجهة التي كانت تصر على تصعيد الموقف الأمني رغم محاولات التهدئة والاتصالات بهذا الاتجاه التي توزعت بين صيدا والمخيم وسفارة فلسطين في بيروت والسلطة الفلسطينية في رام الله. والمفارقة هو اعتراف مختلف الأطراف بمن فيها فتح والقوى الاسلامية بأن هناك جهة ثالثة او طابورا خامسا كان يسارع الى خرق وقف اطلاق النار في كل مرة يتم التوصل اليه او يتم العمل لتثبيته على الأرض، ليبقى السؤال: الى متى سينجح عين الحلوة بمقاومة استدراجه الى الانفجار الكبير؟.
اذاً، يوم آخر من الاشتباكات المتقطعة حينا وجولات القنص حينا آخر عاشها مخيم عين الحلوة الذي تقدم فيه صوت الرصاص والقذائف على صوت العقل والحكمة والتهدئة، ولم تصمد محاولات عدة للتوصل الى وقف دائم لإطلاق النار، وما صمد منها لبعض الوقت خرقه القنص .
التصعيد الأمني وهو الأول من نوعه منذ الصيف الماضي وصل ليل المخيم بنهاره، باشتباكات دموية اندلعت مساء الجمعة بين عناصر من «فتح« وآخرين من «جند الشام«، وتركزت على محاور البركسات والشارع الفوقاني - حي طيطبا الصفصاف مفترق سوق الخضار، وحصدت حتى الآن قتيلا هو الفتحاوي حسين عثمان و9 جرحى من بينهم ضابط وعنصران في القوة الأمنية الفلسطينية المشتركة التي تعرضت لإطلاق نار اثناء محاولتها الانتشار فجر السبت، ومن بينهم ايضا مدنيون .
وبعد مفاوضات مضنية تولتها عصبة الأنصار والحركة المجاهدة مع الشباب المسلم من جهة، وقيادة الأمن الوطني مع فتح من جهة ثانية، تم اعلان لوقف النار قبل ظهر السبت، ليعاد فيخرق بعد ساعات قليلة برصاص قنص واطلاق قذائف صاروخية. وانطلق تحرك لمؤسسات المجتمع المدني والحراك الشبابي والمبادرة الشعبية خرجت رفضا للإقتتال وللضغط باتجاه تثبيت وقف اطلاق النار. لكن هذا التحرك تراجع بعد انطلاق رمايات قنص .
الأمر نفسه تكرر مع لجنة ميدانية انبثقت عن اللجنة الأمنية الفلسطينية العليا وكلفت بالتحقق من تثبيت وقف اطلاق النار حين اطلقت قذيفة ورشقات نارية على مقربة من مكان توجد اعضاء اللجنة. وكانت مئات العائلات نزحت من المخيم اثر اندلاع الاشتباكات وباتت ليلتها في بعض المساجد والجمعيات او لدى اقارب في مدينة صيدا. وألحقت الاشتباكات أضرارا جسيمة بالبيوت والمؤسسات والممتلكات في الأحياء التي كانت مسرحا للإشتباكات .
اللجنة الأمنية
وفي بيان اثر اجتماع طارئ، دانت اللجنة الأمنية الفلسطينية العليا الاشتباكات التي حصلت وسقوط الأرواح والجرحى والاضرار بالممتلكات، واكد العمل لتثبيت وقف اطلاق النار الفوري من جميع الأطراف، وتحميل المسؤولية لكل طرف يقوم بخرقه، وتشكيل لجان ميدانية من أجل متابعة وقف اطلاق النار من كافة المناطق والاتجاهات، والتأكد من مصادر اطلاق النار ومنع استمرارها، ومتابعة اساس وجذور المشكلة الحقيقية وأسبابها ومعالجتها لجهة محاسبة مفتعليها والمتسببين بالحوادث الامنية. واعتبر المجتمعون ان ما يحصل في مخيم عين الحلوة يضر بالقضية الوطنية الفلسطينية، وان استهداف المخيم وأي من المخيمات يعتبر استهدافا مباشر لحق العودة.
ابو عرب
واتهم قائد الامن الوطني الفلسطيني اللواء صبحي ابو عرب اشخاصا لديهم اجندات خارجية وعملاء مرتبطين بالموساد بمحاولة تفجير الوضع في عين الحلوة لتهجير اهله. وقال: هناك اناس مأجورة لتخريب المخيم وتهجيره. ونحن كقيادة امن وطني وحركة فتح وبتوجيهات من الرئيس ابو مازن نعمل للتهدئة ولو على حساب شبابنا .
بهية الحريري: التهدئة
ولليوم الثاني على التوالي تابعت النائب بهية الحريري الموجودة خارج لبنان، تطورات الوضع في عين الحلوة، فأجرت اتصالات بقيادات فلسطينية وبعدد من المسؤولين الأمنيين اطلعت منهم على المساعي الجارية لوقف وتثبيت اطلاق النار في المخيم. فتواصلت لهذه الغاية مع مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم ورئيس فرع مخابرات الجيش اللبناني في الجنوب العميد الركن خضر حمود، قائد منطقة الجنوب الاقليمية في قوى الأمن الداخلي العميد سمير شحادة. كما تواصلت الحريري هاتفيا مع اللواء ابو عرب، امين سر حركة فتح وفصائل منظمة التحرير في لبنان فتحي ابو العردات، مسؤول عصبة الأنصار الشيخ ابو طارق السعدي ورئيس الحركة الاسلامية المجاهدة الشيخ جمال خطاب. وكانت الحريري اتصلت للغاية نفسها بمفتي صيدا واقضيتها الشيخ سليم سوسان.
وقالت الحريري في بيان صادر عن مكتبها الاعلامي: طالعتنا الأحداث المؤسفة التي شهدها مخيم عين الحلوة وما رافقها من سقوط ضحايا وجرحى وترويع وتهجير واضرار في الأرزاق والممتلكات، لتضيف الى معاناة ابناء المخيم واللاجئين الفلسطينيين مزيداً من المآسي والويلات التي ذاقوا مرارتها في مراحل سابقة. ان ما جرى في مخيم عين الحلوة يتناقض مع ارادة ابناء المخيم واجماع قواه وفصائله على الحفاظ على أمنه واستقراره ووحدته باعتبارها قوة لقضيتهم. وان صيدا التي تعتز بأنها عاصمة الشتات الفلسطيني وحاضنة قضاياه المحقة والعادلة والمدافعة عن حقوقه، ساءها ما حصل في مخيم عين الحلوة لأنها تعتبر ان امن المخيم جزء من امنها وان أي انزلاق في اتون الاقتتال الداخلي الفلسطيني يصيب المدينة في الصميم. ان المطلوب وقفة فلسطينية واحدة ضد الاقتتال بكل اشكاله في عين الحلوة، وعدم الاحتكام للسلاح في حل المشكلات التي تطرأ، وبالتالي ان ما جرى يحمّل الجميع من جديد مسؤولية مضاعفة وتكثيف الجهود للعمل من اجل تثبيت وقف إطلاق النار وتحصينه بالحوار ومن خلال تعزيز الأطر الفلسطينية المشتركة السياسية والأمنية والأهلية وبالتواصل والتعاون مع فاعليات المدينة والقوى الأمنية والعسكرية اللبنانية، لنزع كل فتائل وأسباب التفجير حقناً للدماء وحفاظاً على سلامة ابناء المخيم وعلى امن واستقرار صيدا ولبنان وتصويباً للبوصلة الفلسطينية نحو فلسطين القضية والأرض واستعادة الحقوق .
سوسان
ووجه المفتي سوسان نداء الى المتقاتلين لوقف اطلاق النار رحمة بتراب فلسطين وبالقدس وبالاقصى وبالأطفال وبالنساء. وقال: كان منظر الذين تركوا البيوت يدمي القلوب ويبكي العيون. واؤكد باسم كل اهالي مدينة صيدا وباسم الفلسطينيين في مخيم عين الحلوة ان يتوقف اطلاق النار فورا. فلم يعد هناك مكان لهذا العبث، الظروف هم يعرفونها لم تعد تسمح بان نتكلم لغة الرصاص، هناك طريقة اخرى للحوار من الطبيعي ان يكون هناك اكثر من وجهة نظر ولكن ليس من الطبيعي ان يعتمد هذا الاسلوب.
بسام حمود
وأجرى المسؤول السياسي للجماعة الاسلامية في الجنوب بسام حمود اتصالات ومشاورات مع المرجعيات الامنية اللبنانية، والتقى العميد خضر حمود والعميد سمير شحادة، وتواصل مع القوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية في المخيم، تمحورت حول «سبل انهاء هذا الصراع العبثي الذي قال لا يخدم الا أعداء القضية وينعكس سلباً على الشعب الفلسطيني في مسلسل تدميري دموي تهجيري ينعكس ايضا بشكل سلبي على مدينة صيدا بكل الأبعاد السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية«.
البزري
وراى الدكتور عبد الرحمن البزري أن استمرار التوتر الأمني والاشتباكات في عين الحلوة أمر غير مقبول ويسيئ الى المخيم ومحيطه والى مدينة صيدا والى القضية الفلسطينية عموماً. وان على القوى الفلسطينية أن تجد حلاً سريعاً لهذه الأحداث المؤسفة والتي عكست نفسها على أوضاع أهالي المخيم وسكانه والمناطق المجاورة له.