تواصلت تداعيات الكشف عما يعرف بـ«أوراق بنما» وسط تحقيقات بدأتها بعض الدول مقابل تحفظ دول أخرى، بينها الصين التي فرضت قيودا على تغطية التسريبات، وندد إعلامها بتغطية الإعلام الغربي للحدث، ووصفها بأنها منحازة ضد زعماء الدول غير الغربية.
وقد أثارت هذه الوثائق -التي يتجاوز عددها 11 مليون وثيقة- جدلا كبيرا حول العالم حيث سلطت الضوء على معاملات مالية لشخصيات سياسية وعامة وشركات ومؤسسات مالية يفترض أنها استخدمتها في مثل هذه الأنشطة.
وبرز مساعدون للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بين من وردت أسماؤهم بالوثائق التي تتركز في الأغلب على أنشطة غير قانونية، منها التهرب الضريبي وتبييض الأموال، فضلا عن رئيس أوكرانيا وأقارب لزعماء الصين وبريطانيا وأيسلندا وباكستان.
ورأى الرئيس الاميركي باراك اوباما أمس ان التسريبات تظهر ان التهرب الضريبي مشكلة عالمية. وقال ان الاثرياء من افراد وشركات «يستغلون انظمتهم» من خلال استخدام الملاذات الضريبية التي لا يمكن لدافع الضرائب العادي استخدامها.
واضاف أوباما ان الشركات الاميركية التي تندمج مع شركات اجنبية لمجرد خفض الضرائب «لا تدفع حصتها المفروضة» من الضرائب مقابل الاستفادة من الاقتصاد الاميركي.
واضاف ان «اشخاصا في اميركا يستفيدون من الامر نفسه (..) والكثير من ذلك غير قانوني. وهذه هي المشكلة».
وقام اتحاد الصحفيين الاستقصائيين في واشنطن بنشر الوثائق التي تم تسريبها من شركة «موساك فونسيكا» التي تتخذ من بنما مقرا لها، وتتخصص بتأسيس شركات المعاملات الخارجية (أوفشور)، وهي تحتوي على بيانات مالية لأكثر من 214 ألف شركة في ما وراء البحار في أكثر من مئتي دولة ومنطقة حول العالم.
وأعلن القضاء البنمي أمس الاول فتح تحقيق في «الوقائع التي أوردتها وسائل إعلام وطنية ودولية»، بينما أقرت النيابة العامة بأن المعلومات الواردة في الوثائق هي «على درجة غير مسبوقة من التعقيد واتساع النطاق».
كما بدأت تحقيقات بشأن الوثائق في دول عدة، منها فرنسا وإسبانيا والنمسا وهولندا وأستراليا ونيوزيلندا، إضافة إلى أوكرانيا التي قال رئيس جهاز الخدمة المالية فيها رومان نصيروف أمس إن الجهاز «سيفحص وثائق مرتبطة بأصول الرئيس بيترو بوروشينكو في الخارج تم نشرها بعد تسريب هائل في المعلومات».
أما الولايات المتحدة فاكتفت بالقول على لسان متحدث باسم وزارة العدل إنها تقوم بدراسة المعلومات المنشورة في هذا الصدد.
في المقابل، نددت روسيا بالتسريبات التي شملت شخصيات روسية مقربة من الرئيس بوتين، واعتبرت أن الرئيس هو المستهدف، وأن «عناصر سابقين بالمخابرات والخارجية الأميركية يقفون وراء التحقيق الصحفي الذي فجر القضية».
الى ذلك سارع بعض من ترددت أسماؤهم بالوثائق إلى نفي تورطهم.
ونفى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أمس ان يكون له اي صندوق شخصي ودافع عن سجله في معالجة مشكلة التهرب الضريبي.
وكانت التسريبات كشفت ان والد كاميرون الراحل كان يدير صندوق اوفشور تجنب دفع الضرائب في بريطانيا على مدى 30 عاما من خلال اتخاذ جزر البهاماس مقرا له.
وفي مواجهة دعوات حزب العمال المعارض لاجراء تحقيق مع جميع المتورطين في التسريبات من بينهم عائلة كاميرون، قال كاميرون ان ثروته تتألف من راتبه وبعض المدخرات ومنزل.
واضاف «انا لا املك اي اسهم او صناديق اوفشور او اي شيء من هذا القبيل».
ولم يذكر الزعيم المحافظ اي شيء عن ممتلكات عائلته المحتملة، وهي القضية التي قال مكتبه سابقا انها «مسالة خاصة».
وتسببت التسريبات التي احتلت عناوين معظم الصحف البريطانية باحراج زعيم الحزب المحافظ الذي سعى الى قيادة الجهود الدولية لتحسين الشفافية المالية ومكافحة الفساد.
وقال كاميرون «لم يبذل اي رئيس وزراء سابق جهودا اكثر مني» لمعالجة التهرب الضريبي، مؤكدا ان السلطات البريطانية ستدرس تسريبات بنما.
من جهته استقال رئيس وزراء ايسلندا ديفيد سيغموندور غونلوغسون، بحسب ما اعلن حزبه أمس، ليكون اول ضحية سياسية لفضيحة «اوراق بنما».
وصرح سيغوردور انغي يوهانسون نائب رئيس الحزب التقدمي وزير الزارعة عبر التلفزيون ان «رئيس الوزراء ابلغ الكتلة البرلمانية لحزبه في اجتماع انه سيستقيل من منصبه رئيسا للوزراء وساتولى انا هذا المنصب مكانه».
وتعرض غونلوغسون (41 عاما) لضغوط ودعوات للاستقالة بعد ان كشفت وثائق مسربة انه وزوجته انا سيغرولوغ بالسدوتير امتلكا شركة اوفشور في جزر العذراء البريطانية ووضعا ملايين الدولارات فيها.
وفي فرنسا اعلن وزير المال الفرنسي ميشال سابان أمس ان بلاده ستعيد ادراج بنما على قائمة الدول والمناطق التي لا تتعاون في المجال الضريبي بعد تسريبات «اوراق بنما».
وفي تل أبيب اعلنت مصلحة الضرائب الاسرائيلية انها بدأت التدقيق في ملفات كشفتها فضيحة «اوراق بنما»، والتي ظهرت فيها بحسب وسائل الاعلام الاسرائيلية اسماء 600 شركة اسرائيلية و اثنين من اهم مصارف البلاد.
ومن الشخصيات التي نفت تورطها نجم الكرة الأرجنتيني الشهير ليونيل ميسي ورئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم سابقا الفرنسي ميشال بلاتيني.
كما نفى بنكا كريدي سويس و»أتش أس بي سي» -وهما اثنان من أكبر البنوك في العالم- التلميحات بأنهما استخدما شركات معاملات خارجية لمساعدة عملائهم على التحايل الضريبي.
ونفى الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو تورطه، بينما قال نظيره الأرجنتيني ماوريسيو ماكري -الذي كشفت التسريبات أنه كان مديرا لشركة مقرها في جزر الباهاماس- إن كل ما قام به في هذا الإطار كان قانونيا.
أما شركة «موساك فونسيكا» فقد دافعت عن نفسها، وقالت إن التقارير التي تتحدث عن عمليات تهرب ضريبي وتبييض أموال اعتمدت على مزاعم «غير دقيقة»، وكذلك على افتراضات وأحكام مسبقة، كما لعبت على وتر عدم اعتياد الناس على نشاط شركات مثلها.
الى ذلك تعرض موقع «إنكيفادا» المكلف نشر الجزء التونسي من فضيحة «أوراق بنما» الى «هجوم الكتروني خطير» بعد ساعات من نشره اولى المعلومات المسربة، بحسب ما اعلن الموقع أمس.
وقال «إنكيفادا» في تغريدة على حسابه الرسمي في تويتر «يتعرض موقعنا إلى هجوم الكتروني خطير. وقد نجح القراصنة في نشر معلومات مغلوطة باسمنا». وأضاف «لأسباب تتعلق بالسلامة، نحن مجبرون على وضع الموقع خارج نطاق الخدمة (..) للتعامل مع هذا الهجوم».
(أ ف ب)