استُؤنفت أمس جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة بين ممثلين عن الحكومة السورية والمعارضة في جنيف، في وقت تشهد المناطق الخاضعة لسيطرة النظام انتخابات تشريعية على وقع انقسامات غير مسبوقة وتصعيد عسكري يهدّد بانهيار الهدنة. ويستهلّ الموفد الدولي الخاص الى سوريا ستافان دي ميستورا جولة المفاضات الجديدة التي وصفها من دمشق قبل يومين بأنها «بالغة الأهمية» باجتماع عقده مع وفد الهيئة العليا للمفاوضات الممثل للمعارضة السورية. تزامناً، رفض الكرملين التعليق على أنباء عن وجود خطة «ب» أميركية بديلة في حال فشل الهدنة في سوريا، مؤكداً تمسّك موسكو بخطتها الوحيدة المتعلقة بالمساهمة في التسوية السلمية للأزمة.
دي ميستورا: عمان ودمشق وموسكو وطهران أبدت اهتماماً وتأييداً لمحادثات تهدف لإنتقال سياسيافتتح مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا ستافان دي ميستورا جولة جديدة من مباحثات السلام أمس بلقاء وقد المعارضة السورية وقال إنه يسعى لتجديد الالتزام بالحفاظ على الهدنة الهشة في سوريا. وأضاف: «أنه خلال اجتماعات عقدها في الفترة الأخيرة مع مسؤولين بارزين في موسكو ودمشق وطهران وعمان رأى تأييداً واهتماماً للمحادثات يهدف لتحقيق انتقال سياسي في سوريا. ويتوقع أن تركز الجولة الجديدة من المفاوضات على موضوع الانتقال السياسي. وسبق لدي ميستورا، أن أعلن أنّ الجولة الثالثة من المفاوضات ستكون مكرّسة لبحث عملية الانتقال السياسي، وعلى مبادئ الحكم الانتقالي والدستور. وكان وفد المعارضة السورية التابع للهيئة العليا للتفاوض المنبثقة عن قائمة الرياض، قد وصل جنيف مساء أمس الأوّل. ولكنّ وفد الحكومة السورية لن يصل إلى جنيف قبل 15 نيسان، إذ أصرّت دمشق على تأجيل المفاوضات غير المباشرة إلى ما بعد الانتهاء من الانتخابيات البرلمانية التي بدأت في سوريا. يُذكر أنّ دي ميستورا برّر تأجيل انطلاق المفاوضات بضرورة ضمان جدّية الأطراف بشأن الانتقال السياسي. هذا وذكرت وكالة «آكي» الإيطالية للأنباء أنّ الجولة الثالثة من المفاوضات السورية قد تستمرّ لنحو عشرة أيام، تتبعها جولة أخرى في شهر أيار المقبل، بعد نحو شهر من انتهاء الجولة الثالثة. ولم تجد عقدة مشاركة صالح مسلم زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي لأكراد سوريا حلّاً لها، حتى الآن، ويبدو أنّ الحزب لن يكون له تمثيل في المفاوضات مجدّداً، مثلما كان خلال الجولتين الأولى والثانية، وذلك من جراء معارضة تركيا لذلك على وجه الخصوص.
الإنتخابات التشريعية
تزامناً، افتتحت مراكز الاقتراع في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام عند الساعة السابعة صباحاً، أي ما يعادل ثلث الاراضي السورية، ويقطنها 60 في المئة من السكان. ويتنافس 3500 مرشح يزيد عمرهم عن 25 عاماً لشغل 250 مقعداً في مجلس الشعب. وأُقيمت مراكز الاقتراع في دوائر حكومية ومدارس وجامعات. وفي تدمر، حيث تمكن الجيش السوري من طرد تنظيم «داعش»، خصصت أربعة مراكز للاقتراع، أحدها عند مدخل المتحف الوطني. وفي حلب، ثاني المدن السورية، جرت الانتخابات في الأحياء الغربية الواقعة تحت سيطرة النظام. أما في الأحياء الشرقية الواقعة تحت سيطرة الفصائل المعارضة، فيجاهر السكان برفضهم لها. وأكّد الأكراد بدورهم عدم السماح بإجراء الانتخابات في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم في شمال سوريا. ويطغى النزاع السوري على شعارات المرشحين، وبينها «نحن نعمل من أجل الأمان» و»من أجل أبنائنا الذين قتلوا، نستمرّ». ويتوقع خبراء أن تكون نتائج الاقتراع مماثلة لتلك التي خلصت اليها انتخابات أيار العام 2012. وحاز حزب البعث وقتها على غالبية المقاعد رغم مشاركة عدد من الاحزاب الأخرى المرخّص لها. وأدلى الرئيس بشار الاسد وعقيلته أسماء بصوتيهما صباحاً في مكتبة الاسد الوطنية الواقعة في ساحة الأمويين في وسط دمشق. وقال الاسد عقب التصويت: «إنّنا نرى حرباً عمرها خمس سنوات، لكنّ الارهاب لم يتمكن من تحقيق الهدف الأساس الذي وضع له وهو ضرب البنية الاساسية في سوريا، البنية الاجتماعية والهوية الوطنية». وأضاف: «من الطبيعي أن نكون سوية اليوم في هذا النوع من هذا الاستحقاق كمواطنين سوريين يدافعون عن هذا الاستحقاق».
ردود الفعل الدولية
من جهتها، ندّدت فرنسا بما أسمته «مهزلة الانتخابات» التشريعية التي يُجريها النظام السوري في المناطق الواقعة تحت سيطرته، وشدّدت على أنّ الانتخابات الوحيدة التي يعتدّ بها في سوريا هي تلك الملحوظة في خريطة الطريق التي وضعتها الامم المتحدة. وقال المتحدث بإسم الخارجية الفرنسية، رومان نادال، إنّ الانتخابات التشريعية التي تجرى في سوريا «تمّت من دون حملة انتخابية فعلية، وتحت إشراف نظام قمعي، ومن دون مراقبة دولية». وتابع: «أنّ المدعوّين للمشاركة في هذه الانتخابات هم فقط سكان منطقة محدودة، في حين استُبعد منها ملايين السوريين النازحين أو اللاجئين في الخارج». وذكر المتحدّث أنّ قرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي صدر في كانون الأوّل ينص على إجراء انتخابات بعد تشكيل هيئة انتقالية وإقرار دستور جديد للبلاد. وأضاف: «أنّ هذه الانتخابات يجب أن تجرى تحت إشراف الأمم المتحدة وحسب معايير دولية لجهة الشفافية والنزاهة».
بدوره، قال متحدث بإسم الحكومة البريطانية في جنيف، إنّ تنظيم الانتخابات يُظهر الى أيّ حدّ هذا النظام منفصل عن الواقع، مشدِّداً على أنّ «تنظيم انتخابات حرّة ونزيهة يُصبح ممكناً فقط بعد تشكيل هيئة حكم انتقالي وتوقف المعارك».
في المقابل، قال وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف: «إنّ الانتخابات السورية التي تُجرى تهدف إلى تفادي فراغ تشريعي قبل إجراء انتخابات مبكرة بموجب دستور جديد». وأضاف: «يجب أن تتفق الأطراف السورية على دستور جديد بشأن رؤيتهم للكيانات اللازمة لضمان انتقال راسخ لنظام جديد».
من جهة أخرى، أعلن مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، أنّ روسيا والصين طرحتا على مجلس الأمن الدولي مشروع قرار هدفه منع استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل الإرهابيين في سوريا.
موسكو عن الخطة (ب) الأميركية
إلى ذلك، أكّد الناطق الصحافي بإسم الرئيس الروسي، دميتري بيسكوف، أمس: «ليس لدى الجانب الروسي سوى خطة متماسكة وحيدة، وهي تتمثل في المساهمة بشتى الوسائل في التسوية السلمية للقضية السورية، والعمل المتواصل على توجيه الأمور نحو مجرى محاربة الإرهاب، ودعم السلطات السورية الشرعية في ذلك». كما جدّد بيسكوف إصرار موسكو على ضرورة إضفاء طابع شامل على عملية التسوية في سوريا، مع الأخذ في الاعتبار مصالح كافة المكوّنات الإثنية والطائفية للمجتمع السوري.
وفي سياق متصل، أكّد نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، أنّ موسكو لا تعلم شيئاً عن الخطة «ب» بخصوص الوضع في سوريا، ولم يناقش أحد مع روسيا أيّ خطة. وأضاف: «من وقت لآخر، يظهر حديث عن خطة ما «ب». لا نعلم شيئاً عن أية خطة «ب»، ولا أحد ناقشها معنا، نحن نعمل على وقف الأعمال القتالية. وإذا وُجدت خطة «ب»، في شكل إنتقال إلى عمل عسكري ممكن، فإنّ ذلك يثير قلقاً وخيبة أمل كبيرين».
كما أكدت وزارة الخارجية الروسية، أمس، استعداد روسيا لمواصلة تقديم مساعدات إنسانية إلى السكان المحتاجين إليها في سوريا. وفي بيان أصدرته الخارجية، تعليقاً على نجاح برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في إنزال 37 طناً من المساعدات الغذائية إلى سكان مدينة دير الزور السورية المحاصرة من قبل مسلّحي «داعش»، أشارت الوزارة إلى أنّ عملية الإنزال نُفّذت من قبل شركة مقاولة روسية وبدعم لوجستي من الطيران الحربي الروسي. وأكّدت الخارجية أنّ روسيا مستعدة «لمواصلة تقديم كلّ أنواع المساعدة الإنسانية للسكان السوريين المحتاجين إليها سواءٌ بالتعاون مع الأمم المتحدة، أو على أساس ثنائي».
في سياق متصل، أشارت سفيرة الولايات المتحدة لدى الامم المتحدة، سامنثا باورز، أمس الاول الى تراجع في التزام النظام السوري بوقف اطلاق النار وبالسماح بوصول المساعدات ما يهدّد عملية السلام. وتابعت باورز «في الوقت الحالي هناك إشارات بوجود تراجع والظروف العامة أكثر دقة». وأعربت عن «القلق الشديد» إزاء خطط سوريا لشنّ هجوم في حلب بدعم من روسيا. وتابعت باوزر «ستكون كارثة على سكان حلب طبعاً وأيضاً على هذه العملية الدقيقة حيث توقّف الأعمال العدائية ووصول المساعدات الانسانية والمفاوضات السياسية كلها متداخلة».
إلى ذلك، أعلن وزير الخارجية الأميركية، جون كيري، أمس، انّ على جميع الأطراف في الحرب الأهلية المستمرة منذ خمسة أعوام في سوريا الالتزام بوقف القتال وإعطاء فرصة لمحادثات السلام التي تقودها الأمم المتحدة والتي استؤنفت. وأضاف كيري للصحافيين: «ندعو جميع المشاركين من هذا الطرف أو ذاك وجميع المقاتلين والنظام والآخرين الى التمسّك باتفاق وقف الأعمال القتالية».
الوضع الميداني
سقطت صواريخ عدة أُطلقت من منطقة يسيطر عليها تنظيم الدولة الاسلامية في سوريا امس، على مدينة كيليس التركية لليوم الثالث على التوالي، من دون سقوط جرحى، ما استدعى رداً جديداً من انقرة. وردّت المدفعية التركية وفقاً لقواعد الاشتباك، وفتحت النار على مواقع لتنظيم «داعش»، وفق ما اوضح رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو. وقال في خطاب ألقاه في أنقرة «نحن نأخذ كلّ الاجراءات الضرورية لتأمين الحماية لبلادنا والسلام لشعبنا»، واعداً بجعل منفّذي هذه «الاعتداءات» يدفعون «الثمن غالياً». (وكالات)فرنسا: الانتخابات