ذكرت مجلة "The Economist"
البريطانية أن "عمليات القتل التي شُنّت لسحق الاحتجاجات في
إيران تُؤجّج الغضب أكثر من الخوف. وأكدت منظمات حقوق الإنسان وفاة أكثر من 6500 شخص في الاحتجاجات الأخيرة، وتعمل على التحقق من وفاة 17000 شخص آخر. وأعلنت قناة إيران الدولية، وهي قناة تلفزيونية معارضة مقرها بريطانيا، أن عدد القتلى تجاوز 36500. ويصف شهود عيان آثار الاحتجاجات وقمعها بأنها أشبه بساحة معركة، حيث أُحرقت البنوك والمساجد، ويزعم أحدهم أن متحف الجامعة في مشهد، ثاني أكبر مدن إيران ومعقل النظام الديني، أصبح ركاماً، ويقول أحد المتظاهرين: "لقد دُمر كل ما يُستخدم كوسيلة للاستبداد والسيطرة"."
وبحسب المجلة، "إن إذلال النظام للقتلى يُؤجج التطرف في صفوف الشعب الذي كان قد انحرف بالفعل نحو العنف، وحتى لو لم تتدخل أميركا ضد النظام، فكيف لإيران أن تتماسك كدولة في أعقاب هذه المذبحة؟ وهل يُمكن أن يُعيد الرعب من التفكك العنيف لبلادهم الإيرانيين إلى رشدهم؟ في الواقع، لا توجد مؤشرات تُذكر على ذلك حتى الآن، فالانقسامات في هذا البلد الكبير المتعدد الأعراق والأديان تزداد حدة. يتبادل حكام إيران ومعارضوهم الاتهامات بتوظيف المرتزقة: يقول المتظاهرون إنهم مسلحون شيعة من العراق، بينما يقول النظام إنهم عملاء إسرائيليون، ويهدد كل طرف بمزيد من العنف. من جانبه، أكد رضا بهلوي، نجل الشاه الأخير، على حق الإيرانيين في الدفاع عن أنفسهم ضد النظام، وحثّ أميركا على توجيه ضربة عسكرية".
وتابعت المجلة، "يبدو أن النظام، الملطخ بالدماء، غير مهتم بالتسوية، فلقد تحولت ثيوقراطية المرشد الأعلى علي خامنئي الهجينة، التي تجمع بين الديمقراطية والحكم الديني، إلى دولة أمنية، حيث تحلق الطائرات المسيّرة في السماء، وتُسفر عمليات التفتيش المفاجئة للهواتف المحمولة عن العثور على أشخاص ذوي ميول مشبوهة. وأدى انقطاع الإنترنت لمدة ثلاثة أسابيع إلى شلّ الاقتصاد الرقمي، مما زاد من عزلة إيران الاقتصادية وتدهورها. وفي 27 كانون الثاني، سجل الريال أدنى مستوى له على الإطلاق، حتى في ظل تراجع الدولار. وفي الواقع، تلاشت أولى مظاهر التعاطف الرسمية مع المحنة الاقتصادية للمحتجين. والآن، يُصنّف جميع المعارضين "إرهابيين"، وقد تم تحييد
المعارضة المؤيدة للإصلاح بانتخاب الرئيس مسعود بزشكيان، أحد أعضائها، وأُسكتت الأصوات الأكثر جرأة. ويُقال إن حسن روحاني، الرئيس السابق الذي تحدى كلاً من الحرس الثوري الإسلامي والمرشد الأعلى، رهن الإقامة الجبرية، كما ويُقال إن حلفاءه يخضعون لحظر سفر".
وأضافت المجلة، "في غضون ذلك، يتزايد تأكيد الملكيين داخل إيران وخارجها على أن الاحتجاج عبثي ضد نظام مستعد للقتل على هذا النطاق الواسع، ويشعر الكثيرون باليأس من احتمال انشقاق الجيش أو الشرطة، كما حدث عندما انتفضت
سوريا ضد نظام
الأسد. وعلى الرغم من تعزيز القوة العسكرية الأميركية، يشكك معارضو النظام في قدرة
دونالد ترامب على الوفاء بوعده بمساعدتهم، وبدلاً من ذلك، يدعو المتظاهرون والمعارضون المنفيون بشكل متزايد إلى حمل السلاح للثأر للقتلى. ولجأ شيوخ لورستان وإيلام، وهما محافظتان هامشيتان اندلعت فيهما الاحتجاجات، إلى وسائل التواصل الاجتماعي وهم يرتدون الزي العسكري، ويلوحون بالبنادق ويتعهدون بالانتقام من حملة القمع. فهل يمكن أن يتحول المتظاهرون إلى جماعات متمردة مسلحة، كما حدث رداً على عنف النظام في ليبيا وسوريا؟ ويتساءل بعض الملكيين في الخارج عن كيفية تهريب الأسلحة إلى إيران وطلب مساعدة
إسرائيل، ويبدو أنه لا يتم إيلاء اهتمام كبير لعقد الحرب الأهلية والنزوح الجماعي وتدمير ما كان يُعرف بالدول المتوسطة الدخل التي أعقبت اللجوء إلى السلاح في أماكن أخرى من
الشرق الأوسط في الربيع العربي 2010-2012".
وبحسب المجلة، "في الماضي، كان المتظاهرون في إيران ينتمون في الغالب إلى الطبقة المتوسطة، لكن الفقر قلّص أعدادهم، وأصبحوا الآن ينتمون في الغالب إلى القطاعات التي كان النظام يعتبرها عماد قوته. ويزعم صحفي إيراني منفي في بريطانيا أن العديد من مؤيدي محمود أحمدي نجاد، الرئيس السابق المتشدد والشعبوي، يدعمون الآن بهلوي. إنهم يتخلون عن الرموز الدينية لصالح الرموز الملكية وشعاراتهم ووسومهم المعادية للإسلام بشكل صريح. وفي خضم كل هذا، تتلاشى أصوات أولئك الذين قادوا الاحتجاجات السلمية السابقة، والذين ما زالوا متمسكين بنضالهم من أجل التمثيل الذي يعود إلى الثورة الدستورية
الإيرانية عام 1906، وتلاشت دعوات الإصلاحيين والمعارضة للإفراج عن السجناء السياسيين، والذين يؤيد الكثير منهم قيام
جمهورية ديمقراطية. وتجاهلت قنوات المعارضة الفضائية التي تتخذ من الخارج مقراً لها دعوة مير حسين موسوي، المرشح الرئاسي السابق الذي كان رهن الإقامة الجبرية لمدة 15 عاماً، إلى تنحي خامنئي وأتباعه".
وتابعت المجلة، "هل يستطيع
ترامب كسر الجمود؟ أسطوله يتجمع قبالة سواحل إيران، ويُقال إن خامنئي قد انتقل إلى ملجأ محصن تحسباً لضربة أميركية. في الواقع، لقد نجحت دول غربية في الإطاحة بقادة إيرانيين من قبل، وساعدت بريطانيا وأميركا معاً في تدبير ثلاثة انقلابات في القرن العشرين، في أعوام 1921 و1941 و1953، لكن الغضب من تلك الانقلابات ساهم جزئياً في اندلاع ثورة عام 1979. إن تداعيات التدخلات الخارجية غير قابلة للتنبؤ، كما أن الفوضى التي أعقبت إسقاط الغرب للطغاة في العراق وليبيا تقدم عبرة تحذيرية. لا يُرجّح أن يكون رحيل خامنئي كافيًا لإرضاء معارضي النظام، فهم يريدون سقوط الصرح الذي بناه معه. في غضون ذلك، شهد حكام إيران عواقب إضعاف الطبقة الحاكمة، كما حدث في العراق بعد الإطاحة بصدام حسين عام 2003. وفي إيران أيضًا، يُتوقع أن يناضلوا للحفاظ على سلطتهم وممتلكاتهم. وفي كلتا الحالتين، يلوح شبح الفوضى في الأفق".