كان الأستاذ نصري المعلوف، عائداً من الطائف، ب وثيقة وفاق وطني صارت فيما بعد دستور البلاد.
بعد مدة وقف عند أبواب الانتصار وهو يردّد:
لقد وضعنا دستوراً، نتقيّد بنصوصه.
وراح يقول لحليفه وصديقه ميشال ساسين، والاثنان أصبحا في دنيا الحق، ان الحكم في لبنان، أصبح الآن، أصعب من الحكم قبل الطائف.
بادره البرلماني الكبير ألبير مخيبر، في منتصف الخمسينات، اختارك الرئيس كميل شمعون وزيراً للمالية، لكنه أضحى يشكو من فلسفتك في تشريح القوانين، وتفسيرها.
وبين التفسير والتوضيح أغرقتم لبنان في التباديع القانونية.
وردّ نصري المعلوف: القانون المكتوب أصعب من العرف غير المكتوب، وتلك هي التباديع الصعبة. هي التحدّي الذي يواجه الجميع.
في الجلسة الأولى لمجلس النواب، بعد الطائف، أعطى الرئيس نبيه بري الكلمة الأولى للدكتور ألبير مخيبر.
وقف النائب الجليل، والى جانبه النائب عباس الهاشم، وطالب بانسحاب القوات السورية من لبنان.
يتذكّر اللبنانيون هذه الأيام الدكتور ألبير مخيبر بكثير من الإجلال، وهم يتابعون جلسات المحكمة الدولية الناظرة في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في لاهاي.
ويتذكرون أيضاً ما كان يقوله ويمارسه الثنائي البرلماني ميشال ساسين ونصري المعلوف.
رحل الأفذاذ وبقي الآخرون.
ماذا يجري الآن، والنواب، والناس غاطسون في بحر من المماحكات والرهانات، ولا سيما وهم يتابعون مبادرة الرئيس العماد ميشال عون، المطروحة للنقاش أمام النواب جميعاً، من معظم الاتجاهات؟
هل دعوة العماد عون الى حلّ مأزق الانتخابات الرئاسية، دونها دستور الطائف، أم تتطلب توفيقاً بين الدستور والارادة النيابية، وتوافقاً بين بعض النصوص؟
المأزق الرئاسي صعب ومعقّد.
ثمة عام انقضى، ولبنان من دون رئيس.
وطربوش الرئاسة ذهب مع تقي الدين الصلح.
لكنه، لا يعود ولو طالب أفذاذ وبرلمانيون كبار النواب بالنزول الى البرلمان، وانتخاب رئيس للجمهورية.
يقول العارفون بالأسرار، ان الحل لا يكون، لا بالنزول الى البرلمان.
ولا بالنزول الى الشارع.
ولا باختيار رئيس قوي وصلب الارادة، ومنيع الارادة.
الحل، يكون بعدم تكرار أسطورة الانتخاب بعدد النواب، وانما بمفاهيم رئاسية تجعل الرئيس المنتخب، يقود الجمهورية الى الحل...
وليس ان تنحصر مهماته، بتعداد الأزمات والصعوبات.
كان الرئيس فؤاد باشا السعد، يقول ان رئيس الجمهورية هو من يجعل الجمهورية في القلب والفكر والنصوص، لا بتعداد المصاعب والأزمات، ولا بتنصيب الرئيس على طائفته زعيماً، وعلى أصدقائه محازباً، ذلك ان الرئاسة هي مبادرة وقيادة وحكمة، لا مجرد جلوس على كرسي الحكم.
كان الرئيس حسين العويني، يقول للرئيس فؤاد شهاب، ان القيادة ترسو على الكبار لأنهم يرفضون أن يُحسبوا من بين الصغار.
تميّز الرئيس شهاب، باحتقاره للاغراءات، من أي نوع كانت، وبالترفّع عن المصالح الخاصة، والحرص على مساءلة النفس باستمرار، وعلى محاسبتها من دون مراعاتها.
وهذا ما جعل كثيرين يقولون انه كان نادراً في الطبقة السياسية.