توَجت المنامة، أمس، التصعيد الذي انتهجته مؤخراً ضد رموز المعارضة ووجوهها، بقرار إغلاق جمعية «الوفاق» وتعليق عملها، وهو قرار اتخذ بأمر من وزارة العدل، لكنه صادر فعليا من دوائر القصر الملكي، ما يوحي بعزم المملكة على إسكات جميع الأصوات المطالبة بالتغيير والاصلاح في هذا البلد الخليجي الذي شهد احتجاجات سلمية منذ العام 2011، تم قمعها بتمادٍ متواصل.
وليس التصعيد البحريني في الفترة الماضية مستقلٌ عن التصعيد الخليجي في أكثر من مكان. هكذا، يمكن النظر إلى ما تقوم به دول الخليج منذ إعدام السعوديين للشيخ نمر النمر، وكأنه «أمر اليوم» الذي يصب في خانة مغامرةٍ تذهب إلى أبعد مدى في «تصفية الحساب» مع كل من يهدد منظومتها وكيانها، ولو ضارباً بعرض الحائط تنديد المنظمات الإنسانية، وحتى «تمنيات» الإدارة الاميركية بمراعاة حقوق الإنسان، بحجج واهية تتراوح بين مواجهة «التدخلات الخارجية» و«النفوذ الإيراني»، وحتى اتهام المعارضين بـ «الإرهاب».
وفي هذا الإطار، سارعت وزارة الخارجية الأميركية للتعليق على إغلاق جمعية «الوفاق»، لكنها اكتفت بالقول إن قرارات الحكومة البحرينية «لا تتطابق مع التعهدات التي قطعتها للمجتمع الدولي»، علماً أن وزيرها جون كيري كان قد زار المنامة في نيسان الماضي تمهيداً للقمة التي عقدها الرئيس الاميركي باراك أوباما مع دول منظمة التعاون الخليجي في الرياض، حيث بحث ملف الحريات وحقوق الإنسان مع المسؤولين البحرينيين. وجاءت زيارته بعد مقاطعة طويلة للخارجية الأميركية للمنامة على خلفية الحرج الذي قد تتسبب به عمليات القمع لزيارة اي مسؤول اميركي.
واغلقت السلطات البحرينية أمس، مقار جمعية «الوفاق» رغم المخاوف التي عبرت عنها واشنطن إثر اعادة توقيف المعارض نبيل رجب أمس الأول، علماً أن السلطات القضائية البحرينية كانت قد شددت الشهر الماضي عقوبة السجن بحق زعيم المعارضة الشيخ علي سلمان، ومددت فترة «عقوبته» من أربع سنوات إلى تسعة.
ولا يدع اغلاق مقار «الوفاق» وإعادة توقيف رجب خلال 24 ساعة، وقبلها الإفراج عن الناشطة زينب الخواجة ثم ترهيبها لاجبارها على الرحيل، مجالاً للشك حيال نيات المملكة التي تتجه نحو منع اي صوت معارض لحكمها.
ومنذ يوم أمس، بات مصير «الوفاق» معلقاً على قرار القضاء، الذي يتهمها بانتهاك القانون. وأعلنت وزارة العدل في بيان أنها تقدمت «الى القضاء بطلب حل جمعية الوفاق الوطني الاسلامية، وصدر اليوم حكم قضائي وبصفة مستعجلة، بغلق مقار تلك الجمعية والتحفظ على اموالها وتعليق نشاطها لحين الفصل في الدعوى».
وأضاف البيان ان الطلب يعود «لما قامت به الجمعية من ممارسات استهدفت ولا تزال مبدأ احترام حكم القانون وأسس المواطنة المبنية على التعايش والتسامح واحترام الآخر، وتوفير بيئة حاضنة للإرهاب والتطرف والعنف، فضلاً عن استدعاء التدخلات الخارجية في الشأن الوطني الداخلي».
وقال محامي الجمعية عبد الله الشملاوي إن المحكمة الإدارية حددت أيضا موعدا في تشرين الأول المقبل للنظر في حل الجمعية، مؤكداً ان «الوفاق» ستستأنف القرار، ولكنه بات سارياً.
وأضاف الشملاوي في تغريدة على موقع «تويتر» أنه «بعد ساعتين فقط من رفع دعوى بوقف نشاط جمعية الوفاق وإغلاق مقارها، قضت المحكمة الإدارية بشكل مستعجل للوزير بطلباته».
من جهتها، نقلت وكالة أنباء البحرين عن وزارة العدل تأكيدها أنها «تقدمت بطلب حل جمعية الوفاق الوطني الإسلامية». وأضافت الوزارة أن الجمعية «تعمل في إطار مرجعية سياسية دينية خارجية».
ووصف وزير الإعلام البحريني علي الرحيمي الإجراء بحق جمعية «الوفاق» بأنه «ضروري «، نافياً أن يكون فيه أي انتهاك للحريات.
ونقلت الوكالة عن الرحيمي قوله في مقابلة مع قناة «سكاي نيوز عربية» أنه «في ظل التحريض على الطائفية والاصطفاف الطائفي الذي رآه المجتمع البحريني.. أصبحت هذه القرارات وهذه الأحكام»، فيما أكد سكان أن الشرطة «نزعت لوحات وأعلاما ولافتات من مكاتب الجمعية». من جهته، قدم «مجلس البحرين لحقوق الإنسان» شكوى من القرار لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان.
وتعد جمعية «الوفاق» ابرز الحركات السياسية في البلاد التي قادت الاحتجاجات ضد حكم الملك حمد بن عيسى آل خليفة منذ العام 2011 للمطالبة بملكية دستورية واصلاحات سياسية، والتي استخدمت السلطات الشدة والعنف لقمعها.
وكانت جمعية «الوفاق» قد حصلت على 18 مقعداً من إجمالي 40 مقعداً في البرلمان في انتخابات العام 2010، لكنها انسحبت من البرلمان بعد عام خلال حملة السلطات على المحتجين المطالبين بمزيد من الديموقراطية. وقاطعت «الوفاق» انتخابات 2014 مشككة بنزاهتها.
ولطالما نفت سلطات البحرين، التي تستقبل الاسطول الاميركي الخامس، انتهاج سياسة التفرقة في البلاد، ولكنها تتهم إيران بالسعي الى زعزعة استقرارها.
ورداً على تعليق انشطة «الوفاق»، اعتبرت منظمة «هيومن رايتس» الاميركية أن هذا الاجراء «خطير»، ويهدف الى «القضاء» على ما تبقى من المعارضة.
وكان القضاء اوقف عمل الجمعية ثلاثة اشهر نهاية تشرين الأول 2014 بطلب من وزارة العدل التي اتهمتها في حينه بخرق قانون الجمعيات وعقد جمعيات عمومية في غياب النصاب القانوني.
ويأتي القرار بحق «الوفاق» غداة اعادة توقيف الناشط الحقوقي نبيل رجب الذي اعلن محاميه محمد الجشي في تغريدة على «تويتر» انه اوقف «لمدة أسبوع على ذمة التحقيق بتهم بث الاخبار الكاذبة».
وأعربت وزارة الخارجية الأميركية عن «قلقها العميق» اثر اعادة توقيف رجب وقالت إنها بحثت المسألة مع المنامة.
من جهته، قال المدير المساعد لـ «منظمة العفو الدولية» للشرق الاوسط وشمال افريقيا جيمس لينش ان اعادة توقيف رجب «تبدو مثالاً جديداً مقلقاً حول انعدام تسامح البحرين ازاء المعارضة السلمية».
(«السفير»، أ ف ب، رويترز، أب)