طلب حاكم مصرف لبنان فتح حسابات مصرفية لمؤسسات صحية وتربوية، سبق أن أقفلت حساباتها، على خلفية العقوبات الأميركية. خطوة أولى على طريق حل الأزمة التي لا ينهيها سوى تخلي المصارف عن سلوك «تقديس» لوائح العقوبات الأميركية
حتى ليل أمس، لم تكن قد فُتِحَت خطوط التواصل المباشرة بين حزب الله من جهة، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف من جهة أخرى. الحزب يلتزم الصمت حيال الأزمة التي سبّبتها المصارف التي قررت تطبيق قانون العقوبات الصادر عن الكونغرس الأميركي واستباقه والمزايدة عليه.
و»صودِف» أن كتلة الوفاء للمقاومة لن تعقد اجتماعاً لها هذا الأسبوع، وبالتالي، فإنها لن تُصدر بياناً. ومن غير المتوقع أن يطل الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله في خطاب علني، قبل مناسبة مرور أربعين يوماً على استشهاد القائد الجهادي مصطفى بدر الدين (يوم الأربعاء المقبل هو اليوم الأربعون). وبذلك، سيستمر صمت الحزب حيال الأزمة والتفجير الذي تعرّض له المركز الرئيسي لبنك «لبنان والمهجر»، أياماً إضافية.
في هذا الوقت، استعادت حاكمية مصرف لبنان بعضاً من صلاحياتها كـ»مرجعية» لحل الأزمة التي سبّبها القانون الأميركي، إذ علمت «الأخبار» أن حاكم مصرف لبنان أوفد رسولين إلى مؤسستين (واحدة استشفائية وأخرى تعليمية) سبق أن أقفِلَت حساباتهما المصرفية، طالباً من المسؤولين عنهما فتح حسابات جديدة في مصرف حدّده بنفسه (الحاكم). لكن هذه الخطوة لا تعني، بحسب مصادر في 8 آذار، أن الأزمة قد «أصبحت وراءنا»، لكونها تصحيحاً لخطأ ارتُكِب بحق مؤسسات مدنية لا صلة لها بتمويل حزب الله. إضافة إلى ذلك، لاحظ الحزب أن فروع «المصارف المتشددة» في الضاحية ومناطق نفوذه الأخرى كفّت عن الاتصال بمودعين لم ترد أسماؤهم على لوائح العقوبات الأميركية، لمطالبتهم بإقفال حساباتهم. فبعض هذه الفروع سبق أن اتصلت بالعشرات من زبائنها، ومن دون معايير واضحة، لتبلغهم بضرورة «تسكير الحسابات»، ما يعني أن المصارف التزمت، لليوم الثالث على التوالي، آلية العمل التي حددها سلامة وهيئة التحقيق الخاصة، لإقفال أي حسابات. وهذه الآلية تضع صلاحية إقفال حسابات أو تجميدها بيد هيئة التحقيق الخاصة التي يرأسها حاكم مصرف لبنان، لا بيد المصارف. لكن يبدو أن حزب الله ينتظر خطوات إضافية، قبل القول إن الأزمة قد حُلّت. لا يصرّح قادة الحزب عن «لائحة مطالب»، لكن يبدو جلياً أن فتح باب الحل عنوانه واحد لا ثاني له: «لوائح العقوبات الأميركية غير مقدّسة، وعلى حاكم مصرف لبنان والمصارف إيجاد السبل المناسبة لتجاوزها حيث تدعو الحاجة الوطنية لذلك».
على صعيد آخر، طرحت قضية استقالة وزيري حزب الكتائب من الحكومة إشكالية، لا تتعلق بمصير الحكومة، بل بالتمثيل المسيحي فيها، ولا لجهة النصاب، بل لجهة تفرد تكتل التغيير والإصلاح من الآن وصاعداً في التحدث باسم الأحزاب المسيحية الرئيسية فيها. فقد طرحت مصادر سياسية أسئلة عن طبيعة العلاقة التي ستحكم من الآن وصاعداً رئيس الحكومة تمام سلام وممثلي التكتل، ولا سيما التيار الوطني الحر الذي أصبح الممثل شبه الوحيد للقوى المسيحية. وهذا الأمر كان أيضاً مثار استغراب لدى قيادات رئيسية في تيار المستقبل التي نقل عنها استياؤها من تصرف حزب الكتائب، وقد أبلغت النائب سامي الجميّل أن خطوته ستضع «المستقبل» وحيداً في مواجهة التيار الوطني الذي سيتفرد من الآن وصاعداً في الكلام عن حقوق المسيحيين في الحكومة وفي الدفاع عن مشاريع وملفات عالقة. لكن الجميّل، بحسب ما نقلت هذه القيادات، تمسك بموقفه وأصرّ على الاستقالة وأنه سيبحث في موضوع تصريف الأعمال أو عدمه.
وفيما تضاربت التصريحات الكتائبية بشأن وجهة الوزراء بعد الاستقالة، لناحية تصريف الأعمال أو عدمه، حسم وزير العمل سجعان القزي الأمر بقوله أمس لـ»الوكالة الوطنية للإعلام» إن الاستقالة سياسية، و»سنبقى نصرف الأعمال لأن لدينا مسؤولية تجاه الناس، وتصريف الأعمال لا علاقة له بالقرار السياسي». وحصر القزي صلاحية قبول الاستقالة برئيسي الجمهورية والحكومة معاً، «وبالتالي هناك صعوبة في صدور مرسوم قبول الاستقالات أكانت للكتائب أم لغيرها كما حصل مع الوزير أشرف ريفي، وبالتالي الاستقالة نافذة سياسيا ومعلقة دستورياً».
وكان الرئيس نبيه برّي قد ذكر أمام النواب في لقاء الأربعاء أن استقالة وزيري الكتائب ستكون قنبلة صوتية إن استمرّا بتصريف الأعمال. وفي السياق عينه، نشبت أمس حرب بيانات بين التيار الوطني الحر وحزب الكتائب، إذ ردّ مجلس الإعلام في الحزب على بيان تكتل التغيير والإصلاح أول من أمس، مشيراً إلى أنه كان «الأجدى بوزراء التكتل أن يكونوا إلى جانب الكتائب في تعطيل خطة النفايات ورفض استمرار نهج الفساد وضرب البيئة بدلاً من تشويه الحقائق والافتراء على الآخرين، في محاولة يائسة لرفع المسؤولية عن النفس». وذكّرت بكفيا البرتقاليين بجلسة 12 آذار 2016 التي قيل فيها عن وزرائها «وزراء المعارضة» لرفضهم الشديد تفاصيل الخطة، وبالتالي «كل ما ورد في مقررات مجلس الوزراء عن أن الخطة أُقرَّت بالإجماع، غير صحيح»، الأمر الذي استدعى تصريحاً من وزير التربية والتعليم العالي الياس بو صعب يعد فيه الكتائب بالتوجه اليوم إلى «الأمانة العامة لمجلس الوزراء للاطلاع على محضر الجلسة لتنشيط الذاكرة»، واعداً الجمهور بموافاته «بما دُوِّن فيه».