شدّدت المملكة العربية السعودية على ضرورة التعامل بحزم وقوة أكثر مع رئيس النظام السوري بشار الأسد بما في ذلك عسكرياً، ورأى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن استمرار القتال في سوريا سيعني تفكك هذا البلد. وساد سجال غير مباشر بين الإدارة الأميركية وموسكو بشأن مذكرة الديبلوماسيين الأميركيين الداعية إلى توجيه ضربات ضد قوات الأسد وميليشياته التي تنتهك وقف النار، فاعتبر وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن المذكرة «إعلان مهم» واعداً ببحث الأمر، ونددت موسكو بها معتبرة أنها تتعارض مع قرارات مجلس الأمن.
وقال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إن بلاده تؤيد اتباع منهج أكثر قوة وحزما ضد نظام الأسد، بما في ذلك إقامة منطقة حظر جوي وتسليح المعارضة المسلحة بصواريخ أرض - جو.
وفي تصريح للصحافيين عقب محادثات في البيت الابيض، قال وزير الخارجية السعودي ان السعودية تدعو واشنطن منذ وقت طويل الى ان تقود حملة عسكرية لتقويض سلطة الاسد حماية للمدنيين.
واشار الجبير في تصريحاته في السفارة السعودية انه منذ بداية الازمة، دفعت الرياض من اجل تبني «سياسة اقوى تشتمل على شن هجمات جوية واقامة مناطق امنة ومناطق حظر طيران ومناطق حظر الاليات».
واضاف ان السعودية ارادت تسليح «المعارضة المعتدلة» بصواريخ ارض جو، وكررت عرضها بنشر قوات سعودية خاصة في اية عملية تقودها الولايات المتحدة.
وبخصوص بشار الأسد، أكد الوزير السعودي أن «مواقف المملكة تجاه الأزمة السورية متقاربة مع مواقف واشنطن». وصرح قائلاً «نسعى للحفاظ على وحدة الأراضي السورية والحفاظ على مؤسسات الدولة»، مضيفاً أن «السعودية طالبت بتدخل عسكري في سوريا منذ البداية لحماية المدنيين.. يجب تغيير موازين القوى على الأرض لحل الأزمة السورية«.
وأشار الجبير إلى أن الأزمة السورية ستنتهي بدون بشار الأسد، حيث قال «الكل يعلم كيف ستنتهي الأزمة السورية وهو برحيل الأسد.. إما بعملية سياسية أو بالسلاح«.
وأضاف الجبير في مؤتمر صحافي في أثناء زيارة ولي ولي عهد المملكة الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، أنه «إذا شعر نظام الأسد أن بإمكانه الاستمرار في حالة جمود.. فلن يشعر بأي ضغط لاتخاذ خطوات ضرورية لتحقيق انتقال في سوريا«.
وحذّر الرئيس الروسي من أن استمرار الأزمة الحالية في سوريا يجعل تفكك البلاد أمرا لا مفر منه. وقال بوتين في أثناء مناقشة في إطار منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي امس، إن سوريا تواجه «مشكلة إرهاب وكذلك مشاكل سياسية داخلية مهمة أخرى«، مؤكدا أن موسكو لا تسعى إلى توسيع سلطة الأسد، إنما إلى تعزيز الثقة بين مختلف مكونات الشعب السوري من خلال إجراء مفاوضات سياسية.
وشدد قائلا: «الأهم اليوم هو ألا نسمح بتفكك سوريا، وإذا استمر الوضع كما هو اليوم فلا مفر من التفكك، وهو السيناريو الأسوأ للأحداث«. وحذّر من أنه في حال تفكك الدولة السورية، ستظهر في مكانها دويلات مختلفة، لن تعيش أبدا بسلام ووئام، بل سيصبح مثل هذا الوضع عاملا لزعزعة الاستقرار في المنطقة وفي العالم برمته.
وأشار الرئيس الروسي إلى أن تسوية الأزمة السورية تتطلب وضع دستور جديد وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تحت إشراف الأمم المتحدة، مضيفا أن الأسد وافق على ذلك.
وأوضح أن «المسألة تكمن ليس في توسيع السيطرة على هذه الأراضي أو تلك على الرغم من أهمية هذه الأمور، بل يتعلق الموضوع بضرورة ضمان الثقة المتبادلة في المجتمع السوري برمته وبين مختلف مكونات هذا المجتمع باعتبارها قاعدة لتشكيل هيئة قيادة فعّالة يثق بها جميع السكان«.
وأكد بوتين أن الأسد يشاطر موسكو موقفها حول ضرورة إجراء مثل هذه العملية السياسية تحت رقابة دولية صارمة. وأضاف أن واشنطن بدورها يجب أن تؤثر في المعارضة السورية من أجل المضي قدما في طريق التسوية السياسية.
وفي سياق متصل، أكد نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف أن موسكو ترفض تقسيم أو تجزئة سوريا، مؤكدا أنه على السوريين أنفسهم تحديد أبعاد المرحلة الانتقالية المقبلة ومصير الأسد.
وفي مقابلة خص بها قناة وموقع «آر تي» على هامش منتدى بطرسبورغ الاقتصادي، قال بوغدانوف إنه لا داعي لاختراع أي وصفات جديدة لتسوية الأزمة السورية، لأن هناك قاعدة قانونية دولية جيدة لإنهاء النزاع المسلح المستمر منذ 5 سنوات، مشيرا في هذا الخصوص إلى القرارين الدوليين 2254 و2268 والتفاهمات التي توصلت إليها مجموعة دعم سوريا وتبنتها كالقرارات الختامية لاجتماعاتها.
وفي كوبنهاغن، قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري أمس إن مذكرة داخلية بشأن سوريا وقعها أكثر من 50 ديبلوماسيا أميركياً وهي تنتقد السياسة الأميركية في سوريا بشدة وتدعو لشن ضربات عسكرية ضد النظام لانتهاكه وقف النار، هي بمثابة «إعلان مهم» سيبحثه حين يعود إلى واشنطن. وقال كيري لوكالة «رويترز« خلال زيارة لكوبنهاغن «إنه إعلان مهم وأنا أحترم العملية جدا جدا. ستتاح لي.. فرصة للاجتماع مع الناس حين أعود«. وأضاف أنه لم يطلع على المذكرة بنفسه.
لكن بوغدانوف علق قائلا ان هذه المبادرة «لا تتلاءم مع القرارات،علينا خوض مفاوضات والسعي نحو حل سياسي». كما صرح المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية ايغور كوناشنكوف في بيان «لو كانت هناك ذرة حقيقة واحدة في هذه المعلومات على الاقل، فإن هذا الامر لا يمكنه الا ان يثير قلق اي شخص عاقل».
وكان أكثر من 50 ديبلوماسيا يعملون في وزارة الخارجية الاميركية وقعوا على مذكرة داخلية تنتقد بشدة سياسة إدارة الرئيس الاميركي باراك أوباما في سوريا. ودعا هؤلاء الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربات عسكرية ضد حكومة الأسد لإنهاء انتهاكاتها المستمرة لوقف إطلاق النار في الحرب الأهلية المستمرة منذ 5 سنوات.
وتؤكد المذكرة التي رفعت في وزارة الخارجية من خلال «قناة المعارضة» (وهي قناة اسست في الوزارة الاميركية منذ حرب فييتنام كي يعبر الديبلوماسيون عن اعتراضهم على سياسات واشنطن ويقدموا النصيحة للبيت الابيض)، الصدوع العميقة واستمرار الإحباط داخل الإدارة حول كيفية التعامل مع الحرب السورية، وما يميزها ان عدد التوقيعات عليها يعتبر عددا كبيرا للغاية، ولم تحصل مثل هذه الظاهرة في تاريخ السلك الديبلوماسي الاميركي.
والأسماء الواردة في المذكرة هي في معظمها لديبلوماسيين محترفين كانت لهم صلة مباشرة بسياسة الإدارة الأميركية في سوريا على مدى السنوات الخمس الماضية، سواء في الداخل أو في الخارج.
وقال السفير السابق في سوريا روبرت فورد «كثير من الذين يعملون في سوريا لحساب وزارة الخارجية الاميركية طالبوا منذ مدة طويلة بسياسة أكثر صرامة ضد حكومة الأسد كوسيلة لتسهيل الوصول إلى صفقة سياسية عن طريق التفاوض لتشكيل حكومة سورية جديدة».
وقصفت القوات الروسية مقاتلين من المعارضة السورية المدعومة من واشنطن برغم تحذيرات اميركية وذلك للمرة الثانية.
(رويترز، «المستقبل»)