مصالحة مع إسرائيل واعتذار لروسيا. خطوتان في يوم واحد خطتهما تركيا في سياق إعادة النظر بسياستها في الشرق الأوسط خصوصاً والدولية على وجه العموم، وسيراً وراء مصالحها الاقتصادية وخصوصاً ملف الطاقة المتولد على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، حيث باشرت إسرائيل استغلال ما تم اكتشافه من غاز طبيعي قبالة السواحل الشمالية لفلسطين المحتلة.
وكانت العلاقات الديبلوماسية بين تركيا وإسرائيل قد تدهورت في سنة 2010 مع سحب السفيرين وتجميد التعاون العسكري، بعد الهجوم الذي شنته القوات الخاصة الإسرائيلية على سفينة المساعدات التركية «مافي مرمرة» التي كانت في طريقها إلى قطاع غزة، ما أسفر عن مقتل 9 ناشطين أتراك.
أما العلاقات التركية - الروسية فتدهورت بعد أن اسقط الطيران التركي في 24 تشرين الثاني 2015 مقاتلة سوخوي 24 روسية قرب الحدود السورية، وقتل الطيار بإطلاق النار عليه اثناء هبوطه بالمظلة. وأكدت تركيا ان المقاتلة دخلت مجالها الجوي وأنها حذرتها «عشر مرات خلال خمس دقائق» فيما اكدت موسكو ان المقاتلة كانت تحلق في الاجواء السورية ولم تتلق تحذيراً قبل اسقاطها.
وأثار الاتفاق التركي ـ الإسرائيلي ردود فعل متباينة في تل أبيب، وقال رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو من العاصمة الايطالية روما حيث التقى وزير الخارجية الاميركي جون كيري، ان الاتفاق ستكون له انعكاسات ايجابية كبيرة على اقتصاد إسرائيل. وأكد أن الاتفاق يبقي على «الحصار البحري الدفاعي» لقطاع غزة، مشيراً إلى أن المساعدات الإنسانية يمكن أن تصل إلى غزة عبر الموانئ الإسرائيلية.
وقال وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينيتس إن الاتفاق الذي جاء بعد توتر بين البلدين استمر 6 أعوام، لا يتضمن أي تنازل من إسرائيل بالدفاع عن نفسها وحماية أمنها. وأكد في تصريحات نقلتها الاذاعة الاسرائيلية أن الاتفاق لا يمنح اي تسهيلات لحركة «حماس»، واصفاً الاتفاق بأنه عملية سياسية تاريخية ذات أهمية بالغة بالنسبة لإسرائيل.
أما النائب في الكنيست تسيبي ليفني فأعربت عن أملها ألا يؤدي الاتفاق إلى تعزيز قوة «حماس» وتحويل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى «مخلص» بالنسبة للفلسطينيين.
وأعرب رئيس المعارضة الاسرائيلية زعيم «المعسكر الصهيوني» يتسحاق هيرتسوغ عن معارضته لتوقيع اتفاق اعادة تطبيع العلاقات بين اسرائيل وتركيا. وأوضح انه لا يستوعب كيفية موافقة اسرائيل على تعويض اولئك الذين اعتدوا على جنود الجيش الاسرائيلي، وخاصة ان نتنياهو ووزير خارجيته افيغدور ليبرمان ورئيس الحزب البيت اليهودي هم الموقعون على الاتفاق.
وقال هيرتسوغ ان القلب ينفطر ألماً على مسمع صرخات عائلات المفقودين في غزة لاعادة ابنائهم اليهم دون ان يثير ذلك مشاعر اعضاء مجلس وزراء.
ودعا الوزير الليكودي السابق غدعون ساعر رئيس الوزراء الى عدم توقيع الاتفاق مع تركيا واصفاً اياه بالسيئ.
وأوضح في سياق حديث اذاعي ان «الاتفاق يشكل اذلالاً لاسرائيل لأنه ينص على دفع تعويضات لافراد عائلات نشطاء ارهابيين غادروا تركيا وهم مزودون بأسلحة نارية وبيضاء من أجل الاعتداء على جنود جيشنا«.
ولفت ساعر الى انه كان يتوجب على اسرائيل استغلال الأزمة التي يعانيها اردوغان خاصة في علاقاته مع روسيا والولايات المتحدة والاكراد في تركيا.
وقبل ساعات من اعلان اتفاق اعادة تطبيع العلاقات بين انقرة وتل ابيب، تلقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس اتصالاً هاتفياً من الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وضعه فيه الاخير في صورة الاتفاق الخاص بتطبيع العلاقات التركية ـ الإسرائيلة، مؤكداً دعمه لجهود المصالحة الفلسطينية.
وأكد الرئيس عباس، بحسب بيان صادر عن الرئاسة الفلسطينية ضرورة استمرار العمل ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والقدس والضفة الغربية، مشدداً على الجاهزية الكاملة لتحقيق المصالحة الوطنية على قاعدة الاحتكام للشعب الفلسطيني من خلال إجراء الانتخابات العامة وتشكيل حكومة وحدة وطنية تلتزم التزامات منظمة التحرير الفلسطينية.
ونفت حركة «حماس» موافقتها على الاتفاق، وقال القيادي اسامة حمدان ان الاتفاق شأن تركي ولا علاقة للحركة به.
وكان اردوغان استقبل يوم الجمعة الماضي رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل لتوضيح موقف بلاده ازاء الاتفاق الذي خلا من فك الحصار المضروب على قطاع غزة، واقتصر على بناء مستشفى ومحطة كهرباء بحرية ومحطة لتحلية المياه، في حين اشترط على ان تمر جميع احتياجات القطاع من خلال ميناء اسدود ومن ثم تنقل بعد تفتيشها الى القطاع، وهو المعمول به اصلاً بالنسبة لجميع واردات السلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع بحسب اتفاق باريس الاقتصادي.
دولياً، رحب الامين العام للامم المتحدة بان كي مون خلال لقائه الرئيس الاسرائيلي رؤوفين ريفلين امس بالاتفاق. ورأى بان الذي يزور اسرائيل والاراضي الفلسطينية في اعلان تطبيع العلاقات الاسرائيلية ـ التركية «اشارة امل مهمة لاستقرار المنطقة»، بعد اعلان البلدين تطبيع العلاقات بعد خلاف دام لست سنوات.
وتطرق الامين العام ايضاً الى اعمال العنف اخيراً في اسرائيل والاراضي الفلسطينية المحتلة التي ادت الى مقتل اكثر من 200 فلسطيني ونحو ثلاثين اسرائيلياً. وقال ان «عمليات الطعن والتفجير واطلاق النار لن تحقق اي شيء لأن العنف ليس حلاً ابداً«. وتابع «نحو خمسين عاماً من الاحتلال كان لها تأثير مدمر على حياة الفلسطينيين ما قوض امالهم بالتوصل الى حل سلمي للصراع وهذا لم يجلب الامن للاسرائيليين«.
وفي ملف العلاقات التركية ـ الروسية، قال إبراهيم كالين المتحدث باسم الرئيس التركي أمس إن الرئيس بعث برسالة إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين عبّر فيها عن أسفه لإسقاط تركيا لطائرة حربية روسية وسأل عائلة الطيار «المعذرة«. وأضاف في بيان «الرئيس حث نظيره الروسي على استعادة العلاقات الودية التقليدية بين تركيا وروسيا والعمل معاً لمواجهة الأزمات الإقليمية والتعاون لمكافحة الإرهاب«. وتابع البيان: «يسعدنا الإعلان عن أن تركيا وروسيا اتفقتا على اتخاذ الخطوات الضرورية دون إبطاء لتحسين العلاقات الثنائية«.
وقال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف ان «الرئيس التركي عبّر عن تعاطفه وتعازيه الحارة لعائلة الطيار الروسي الذي قتل، كما قدم اعتذاره»، مضيفاً ان اردوغان قال انه «سيبذل كل ما بوسعه لإصلاح العلاقات الودية تقليدياً بين تركيا وروسيا».
واوضح الكرملين في بيان انه تلقى رسالة من الرئيس التركي قال فيها ان انقرة «لم ترغب ابدا ولم تكن لديها النية» لإسقاط الطائرة الروسية. ويؤكد اردوغان في الرسالة المنسوبة اليه ان «روسيا هي بالنسبة لتركيا صديق وشريك استراتيجي» كما اضاف الكرملين في بيانه.
ونقل بيان الكرملين عن اردوغان القول «اود مرة اخرى ان اعبر عن تعاطفي واقدم تعازي الخالصة لعائلة الطيار الروسي واقول: نعتذر».
وأعرب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان عن الامل في ان تؤدي رسالته الى نظيره الروسي التي تؤكد «أسف» أنقرة لإسقاط طائرة عسكرية روسية عام 2015 الى تطبيع «سريع» للعلاقات بين الطرفين.
وقال خلال حفل افطار اقامه في القصر الرئاسي في انقرة «آمل أن نتمكن من تجاوز الوضع الحالي الذي يلحق ضرراً بكلا البلدين والتوجه نحو تطبيع سريع» للعلاقات. وقال اردوغان «تركيا برهنت على الدوام لأصدقائها انها بلد ثقة».
واشاد اردوغان بتطبيع العلاقات رسمياً مع اسرائيل بعد ست سنوات من القطيعة مشيراً الى ان ذلك سيتيح لقطاع غزة الخاضع لحصار اسرائيلي محكم، «ان يتنفس» بفضل الاغاثة الانسانية التركية التي ستبدأ الجمعة عبر البحر انطلاقاً من مرفأ مرسين جنوب تركيا الى اشدود قرب تل ابيب.
وفي لفتة حسن نية إضافية، قال مسؤول تركي إن المشتبه به في قتل أحد الطيارين الروسيين اللذين اسقطت طائرتهما، تجري محاكمته.
واعتقل ألب أرسلان جيليك الذي كان يقاتل في ذلك الوقت ضمن لواء تركماني مدعوم من تركيا ومعارض للقوات الحكومية في شمال سوريا في أواخر آذار الماضي في مدينة أزمير في اتهامات لا علاقة لها بذلك، لكن المحكمة قررت في أيار أن الأدلة غير كافية لإدانته.
وتطالب موسكو منذ فترة طويلة بمحاكمة جيليك. وقال الكرملين في وقت سابق إن الرئيس التركي اعتذر في خطاب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إسقاط الطائرة الروسية.