عانى الناشطون في لبنان خلال الشهر المنصرم من إقدام إدارة الفايسبوك على إغلاق صفحاتهم الشخصية (profile) كما العامة (Page) بمجرّد نشرهم صورة الأمين العام لـ «حزب الله» السيّد حسن نصرالله أو صوراً تظهر تأييدهم للمقاومة ضد العدو الصهيوني.
في البداية، كان الأمر يمرّ بإغلاق الصفحة الشخصية (كما العامة) لأيامٍ معدودة. إلا أنَّ الأمر أصبح «قطعياً»، مما يجبر صاحب العلاقة على تأسيس صفحة جديدة (شخصية أو عامة) من الصفر. هنا، يلجأ الفايسبوك بالطبع إلى التأكد من هوية صاحب الحساب الجديد عبر الطلب منه تارةً «بطاقة هويةٍ» تعريفية رسمية (Id card)، أو حتى قد يكون أكثر «حزماً» معه بدعوى أنّه «ينشر فكراً متطرفاً» (Terror, Extremist, or Harmful Content)، مما يقضي حكماً ــ وفق سياسة الموقع (أي الفايسبوك مثالاً) بإغلاق الصفحة بالكامل. يحدثنا الخبير في مواقع التواصل الاجتماعي والناشط باقر كركي أنّ «البنية التحتية للشبكة وتحديداً الشبكة التي تتيح لهذه المواقع تقديم خدماتها، تسيطر عليها الولايات المتحدة الأميركية بطريقة أو بأخرى. كما أنّ شركة فايسبوك تحديداً تستقر تحت سيادة حكومة الولايات المتحدة.
تعاون رسمي بين الكيان العبري ومواقع التواصل من أجل محاصرة الناشطين المؤيدين للقضية الفلسطينية
وبالتالي، فهي ترتبط بشكلٍ لا يمكنها الفكاك منه بالدوائر الأمنية في الحكومة الأميركية. وهذا يستدعي عدم انتهاكها - بشكل مزعج- للسياسات التي «تتمناها» عليها وكالات الامن والاستخبارات الأميركية، كونها هي بذاتها من أهم الزبائن الاستراتيجيين لدى فايسبوك على مستوى شراء المعلومات والخدمات». لكن الأمر لا يقتصر على التنسيق والتعاون مع الولايات المتحدة فحسب، بل يتعداه إلى أكثر من ذلك.
هنا يُطرح سؤال: هل تأتي خطوات مواقع التواصل الاجتماعي كالفايسبوك والتويتر (وسواهما لاحقاً كغوغل مثلاً) «بريئة» من دون أي ضغط صهيوني من أي نوع؟ يحضر إلى الذهن التصريح الذي أدلت به وزيرة العدل الصهيونية ــ شديدة العداء للعرب ــ عيليت شاكيد (في 6 يونيو /حزيران 2016) في المجر إثر مشاركتها في مؤتمرٍ لمكافحة معاداة السامية والصهيونية. يومها، قالت بأنّ الفايسبوك والتويتر سيغلقان أكثر من «70 في المئة ليس من الحسابات المؤذية والمضرّة فحسب، بل ومن المشاركات (posts) حتى». وبحسب موقع «يديعوت أحرونوت» الذي أفرد مطولاً للحديث عن الفكرة، أشارت الوزيرة الصهيونية إلى أنَّ موقعي التواصل الاجتماعي العملاقين سيعملان على إزالة أي مواد من شأنها «التشجيع على العنف والقتل». شاكيد عادت وأكدت الفكرة بعد أيام، مشيرةً إلى «نجاح» ما طلبته بشكلٍ «مباشر» و«رسمي» من مواقع التواصل الاجتماعي وبأنَّ الأمر سيظل كذلك لأنَّ «هناك رابطاً أساسياً بين التحريض والتشجيع على العنف عبر تلك المواقع وما يحصل على الأرض لدينا».
تصميم سنان عيسى
الأمر ذاته تكرر قبل أيامٍ قليلة (23 يونيو، مما يدل على عمل الكيان العبري الدؤوب على الموضوع من دون إهمال أو تراجع) حين اجتمعت الوزيرة المذكورة يرافقها وزير الأمن العام جلعاد أردان بمسؤولين من الفايسبوك لحثهم على المزيد من التعاون. وكانت وكالة «جيانهو» الصينية قد أوردت الخبر، مؤكدةً أنَّ الوزيرة قد أشارت إلى أنَّ «مواقع التواصل الاجتماعي تستعمل كأداةٍ أساسية للتحريض على العنف ضمن موجات الاعتداءات المتكررة». وبحسب الخبر، فإنَّ اللقاء كان بهدف تمرير قانون يسمح للدولة العبرية بإرسال «تحذيرات» إلى هذه المواقع بوجود «مواد محظورة» عليها (سواء أكانت صفحات أو مجرد مشاركات). وإذا لم تحذف ضمن وقتٍ محدد، فإن القضاء سيلجأ إلى إصدار قرار ملزم «بالحذف». إذاً، هذه الرقابة الالكترونية تستهدف بشكل مباشر الناشطين المؤيدين للقضية الفلسطينية والمقاومة ضد الكيان العبري.
وكانت هذه القضية قد بدأت في العام الفائت إبان أحداث الهبة الفلسطينية (وتحديداً في أكتوبر وفق ما أوردت صحيفة «أوقات إسرائيل»)، حين تعرض الفايسبوك إلى المقاضاة من قبل مركز «شورات هادين» (ٍShurat HaDin) القانوني المقام احتلالاً في تل أبيب. تقدّم المركز بدعوةٍ لتمثيل أكثر من 20 ألف «مواطنٍ» من الكيان العبري لإيقاف الموقع عن «التحريض على العنف من خلال سماحه لمجموعاتٍ فلسطينية بالتواجد على صفحاته»؛ مطالباً بحذفها ومنع تواجدها بشكلٍ قاطع.
ورغم أنّ عدد الشهداء الفلسطينيين تعدى المئتين (بحسب المقال نفسه) وعدد قتلى الصهاينة لم يتجاوز الثلاثين، فإن الدعوى القانونية ــ على ما يبدو- قد زعزعت ثقة الفايسبوك بنفسه، مما جعله يغلق هذه الصفحات لاحقاً.
إغلاق صفحة الناطق
الرسمي بلسان كتائب الشهيد عز الدين القسام أبو عبيدة
التطبيق الأوّل لهذه السياسة بدأ بإغلاق صفحة الناطق الرسمي بلسان كتائب الشهيد عز الدين القسام أبو عبيدة. وكانت تلك المرّة الأولى التي تتعرض فيها صفحات «رسمية» فلسطينية للإغلاق بهذه الطريقة (رغم أنّ أبوعبيدة عاد وظهر على صفحاتٍ أخرى أنشئت حديثاً، مؤكداً بأنهم- أي كتائب القسّام- سيكونون «متواجدين بطرقٍ خلاقة أكثر، وسيصل صوتنا إلى الملايين»). في المقابل، أغلق تويتر عدداً كبيراً من «الصفحات» الشخصية والعامة، كما محا عدداً كبيراً من التغريدات تحت المنطق والحجّة ذاتهما.
ضمن الإطار عينه، نَشَّط الموقعان نوعاً جديداً من التقنيات الرقمية الحديثة التي تمكنهما من ملاحقة هذه المواد «غير المرغوب بها» و«المضرّة» بحسب الاتفاق مع الصهاينة. وفق ما جاء في مقالة نُشرت على موقع BGR الإلكتروني المختص بالتقنية، فإنَّ فايسبوك سيغلق أي صفحة تعود إلى منظمة «إرهابية»، كما إنَّ أي «ابتهاج» (احتفال/ تأييد/ مشاركة) بهذا النوع من «الأنشطة الإرهابية» سيؤدي إلى حذف الحساب تبعاً لسياسة الموقع. اللافت أنَّ الموقعين المذكورين يتجاهلان بشكلٍ واضح أنشطة جبهة «النصرة» التي يتحرك نشطاؤها بحريةٍ كبيرة، مشاركين العديد من الصور والفيديوهات بلا حسيبٍ ولا رقيب. بالتأكيد لا يمكن نقاش «علاقة» النصرة (كما كثيرٌ من فصائل المعارضة السورية) بالكيان العبري، إذ لا يزال جرحى «الجبهة» (وبعض قادتها الرئيسيين من ضمنهم) يعالجون في الكيان العبري حتى اللحظة!