لم تتراجع الولايات المتحدة عن تصريحات وزير دفاعها أشتون كارتر التي انتقد فيها أداء الجيش العراقي في معركة الرمادي، لا بل إنها ذهبت حد تبريرها، في وقت سعى نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في اتصال هاتفي مع رئيس الحكومة العراقي حيدر العبادي إلى امتصاص صدى هذه التصريحات التي ردّ عليها الأخير، معتبراً أنها أتت نتيجة تزويد الوزير الأميركي بمعلومات «خاطئة»، بينما رد قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني على التصريحات بشكل قاس ومباشر.
وفي وقت تطلق القوات العراقية و «الحشد الشعبي» ومقاتلو العشائر هجوما كبيراً على مناطق سيطرة تنظيم «داعش» في محافظة الأنبار مستهدفة تطويق الرمادي ومحققة تقدماً مهماً في منطقتي العنكور والخالدية، انتقدت واشنطن تسمية العملية بـ «لبيك يا حسين»، كما ذهبت حليفتها باريس إلى «التحذير» من أن التقدم الذي حققه تنظيم «داعش» مؤخراً في العراق وسوريا، قد يؤدي إلى تقسيم البلدين، معلنة عن قبولها ببقاء «أفراد» من الحكومة السورية في السلطة.
ولم يعلق الرئيس الأميركي باراك أوباما عقب استقباله أمين عام «حلف شمال الأطلسي» يانس ستولتنبرغ، أمس، على تصريحات وزير دفاعه أشتون كارتر، التي اتهم فيها الجيش العراقي بعدم امتلاك «ارادة القتال» ضد «داعش»، ولكنه تحدث عن أن «التحدي الذي فرضه سيطرة داعش في العراق وسوريا وبروزه في ليبيا، أجبر الناتو على إدارته وجهه نحو الجنوب كما ينظر شرقا في مهمات يقوم بها الحلف».
واعتبر أوباما أن «هذا يعني زيادة في القدرات الدفاعية التي يتم بناؤها مع الدول الأخرى مثل العراق أو دول الخليج المهتمة في التعاون معنا، مثلها مثل الاتحاد الأفريقي»، وأضاف أن «هذا يعني أيضا أننا علينا أن نفكر حول ما اذا كنا نقوم بوضع وترتيب عتادنا العسكري بشكل فعال من أجل مواجهة هذا التحدي».
وفي تعقيب من البيت الأبيض على تصريحات كارتر قلل المتحدث باسم البيت الأبيض جوش ارنست، أمس، من حدة كلام وزير الدفاع، وقال إن الحكومة العراقية لديها علم بأن التراجع في الرمادي كان نتيجة «خلل في منظومة التخطيط والقيادة»، ولفت إلى أن القوات العراقية في الرمادي لم تستفد من التدريبات التي تلقتها من الولايات المتحدة وحلفائها.
وعلى وقع هذا النمط من التصريحات الأميركية أعلن المتحدث باسم «الحشد الشعبي» أحمد الأسدي عن انطلاق عملية «لبيك يا حسين» في محافظة الأنبار، بعد عشرة أيام على دخول تنظيم «داعش» مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار، حيث تلعب وحدات «الحشد» الدور الرئيسي في العمليات العسكرية التي تستهدف تطويقها.
وعقب تصريحات كارتر الذي قال في حديث لشبكة «سي إن إن» إن «القوات العراقية لم تظهر أي إرادة في القتال، وهم كانوا يفوقون القوة المعارضة عددا لكنهم انسحبوا من المكان»، قال العبادي في مقابلة مع هيئة الاذاعة البريطانية «بي بي سي» إن القوات العراقية ستستعيد الرمادي «خلال أيام»، بالرغم من مواجهتها هجمات من «داعش» الذي يستخدم «شاحنات مصفحة مدججة بالمتفجرات».
وأشار ارنست في معرض تصريحاته، أمس، إلى هذه المسألة، وقال إن واشنطن تستجيب لحاجة الجنود العراقيين للمزيد من الأسلحة المضادة للدروع لاستخدامها ضد السيارات المتفجرة التي يرسلها تنظيم «داعش».
ورفض العبادي في مقابلة له مع «بي بي سي»، أمس الأول، تصريحات كارتر ونقل موقع الهيئة على الانترنت عنه قوله إن وزير الدفاع الأميركي «كان مؤيدا جدا للعراق، وأنا واثق أنه تم تزويده بمعلومات خاطئة».
وأجرى نائب الرئيس الأميركي جو بادن اتصالا بالعبادي تعهد فيه بأن «تقدم الولايات المتحدة دعما كاملا... للجهود العراقية لتحرير الأراضي من تنظيم داعش بما في ذلك الإسراع بتقديم التدريب والعتاد لمواجهة التهديد الذي يمثله استخدام التنظيم للشاحنات الملغومة»، كما اعتبر البيت الابيض أن اتصال بايدن هدف إلى التخفيف من حدة تصريحات كارتر و «تجديد التاكيد على الدعم الاميركي لقتال الحكومة العراقية ضد داعش».
وأثارت تصريحات كارتر كذلك انتقادا حادا من قائد «فيلق القدس» اللواء قاسم سليماني، الذي شدد على أن الولايات المتحدة «لم تفعل شيئا» لمساعدة الجيش العراقي للتصدي لتنظيم «داعش» في الرمادي. وقال سليماني في خطاب ألقاه في كرمان جنوب البلاد متوجها للرئيس الأميركي مباشرة «السيد (باراك) أوباما، ما هي المسافة بين الرمادي وقاعدة الاسد التي تتمركز فيها الطائرات الاميركية؟ كيف يمكنكم أن تتمركزوا هناك بحجة حماية العراقيين وأن لا تفعلوا شيئا، هذا لا يعني سوى المشاركة في المؤامرة».
ورأى سليماني أن الولايات المتحدة هي التي «ليست لديها إرادة لقتال داعش»، ولفت في هذا السياق إلى أن تنظيم «داعش» «يصدّر نفطه من خلال الدول الاعضاء في التحالف الدولي» الذي تقوده واشنطن.
بدوره، قال المتحدث باسم «الحشد» أحمد الاسدي إن «الارادة المفقودة التي تحدث عنها وزير الدفاع الاميركي، هي الارادة المكسورة التي أراد أعداء العراق زرعها في القوات العراقية». كما وصف ضابط عراقي يعمل في قيادة عمليات الانبار تصريحات كارتر «بالاستفزازية للجيش العراقي والشعب العراقي لأنه يراد منها فقدان ثقة الشعب بالجيش من خلال ايصال رسالة للشعب بأن الجيش هو جيش طائفي، ولا يستطيع قتال تنظيم داعش وتحرير مناطق العراق».
إلى ذلك، حذرت فرنسا على لسان وزير خارجيتها لوران فابيوس من تزايد مخاطر تعرض سوريا والعراق «للمزيد من التقسيم»، إذا لم يتم «تعزيز الجهود الدولية بسرعة» لمواجهة تنظيم «داعش». واعتبر فابيوس أن الحكومة العراقية لم تحترم التزاماتها أمام شركائها بتمثيل مصالح جميع أطياف المجتمع العراقي.
وجاء كلام الوزير أمام نواب فرنسيين قبل اجتماع لـ «التحالف الدولي» يعقد في باريس مطلع الشهر المقبل، حيث اعتبر أن الرئيس السوري بشار الأسد خسر السيطرة على معظم بلاده، وشدد على ضرورة «إيجاد حل سياسي سريع بين أفراد من حكومته والمعارضة لإنقاذ سوريا».
وقال فابيوس للمشرعين الفرنسيين «في العراق كما في سوريا يجب أن يتم تعزيز التحرك الدولي وإلا سنتجه صوب تقسيم أحد البلدين أو كليهما وارتكاب المزيد من المجازر والعواقب الكارثية»، واعتبر أن ما حصل «يؤكد ما قالته بلاده دائما» بأنه «لا يوجد حل عسكري من دون حل سياسي»، مذكراً بأن باريس ربطت في أيلول الماضي، دعمها لـ «التحالف الدولي» بتقديم «حكومة العراق الجديدة التزامات سياسية وهي التي أطلقنا عليها اسم السياسة الجامعة».
وكشف فابيوس عن أن «هذا العقد هو ما برر مشاركتنا العسكرية وأقول بوضوح هنا إنه يجب احترامه بشكل أفضل». وتستضيف فرنسا اجتماعا يشارك فيه أكثر من 20 وزير خارجية بينهم الوزير الأميركي جون كيري ورئيس الحكومة العراقي حيدر العبادي «بهدف وضع استراتيجية تشمل كيفية تعويض الخسائر الأخيرة على أرض المعركة في العراق وسوريا».
بدوره اعتبر المتحدث باسم البنتاغون ستيف وارن أن تسمية العملية في الأنبار بـ»لبيك يا حسين» هو أمر «غير مساعد»، وقال إن مفتاح النصر سيكون العراق الموحد الذي «ينأى بنفسه عن الانقسامات الطائفية ويتكتل في مواجهة هذا التهديد المشترك».
وذكر وارن تفاصيل بشأن تصريحات كارتر وأشار إلى أن القوات العراقية «كانت أكبر عددا بكثير من عدوها لكنها اختارت الانسحاب»، وأضاف «تردت الروح المعنوية بين القوات.. لم تكن قيادتهم على المستوى المطلوب. ظنوا أنهم لا يحصلون على الدعم الذي اعتقدوا أنهم يحتاجونه».
(أ ب، رويترز، أ ف ب)