ليست أحوال باكستان أفضل بكثير من أحوال لبنان، بل لعل أوجه التناقضات والتعصب التي تعيشها الدولة الرقم الصعب في العالم الإسلامي، تشبه في كثير من مكونات المشهد المجتمعي والمذهبي تلك التي يعيشها لبنان، ومنها ما يتعلق بظاهرة الإغتيالات وعلى مستوى القمة. وكما أن رئيسة وزراء باكستان بنازير بوتو إستُهدفت وقضت شهيدة لأنها صاحبة رؤية تنويرية كان والدها الذي أعدموه بدأ رسْم معالمها، فإن الرئيس رفيق الحريري قضى شهيداً لأنه صاحب رؤية مستقبلية وإيمان بوطن جدير بالإستقرار لكي يزدهر، وهذا ما لم تتحمله أطياف غير مكتملة مقومات الولاء الوطني، فكان تفجيره لكي لا يتحقق مشروعه الوطني الذي هو نقيض المشروع الإقليمي الآخر الذي تتولى إدارة جولاته إيران في بعض دول المنطقة ومن بينها لبنان، الذي تحت وطأة إحدى هذه الجولات يعيش حالة غير مسبوقة تتمثل في أن الجمهورية خالية من رئيسها الأول للسنة الأولى المرشحة بأن تليها سنة لاحقة. ونفترض حدوث ذلك لا قدَّر الله في ضوء ما أورده الأمين العام لـ «حزب الله» السيّد حسن نصر الله في إطلالته الجديدة يوم الأحد الماضي على جمهور الحزب الذي تجمَّع في النبطية وتابع عبْر الشاشة التلفزيونية الكبيرة خطبة السيد حسن في الذكرى الخامسة عشرة للمقاومة والتحرير، من أن الجولة المقبلة يمكن أن تكون بقاعية - بعلبكية. وهذا يعني أن المنطقة ذات التنوع الطائفي والمذهبي على مدى عقود من السبعينات وما سبقها ستصبح في حال زعزعة القلعة السُنية الحريرية الهوى عرسال والحصن السُني الحريري الهوى الذي يتشكل من قوى في مدينة بعلبك وبعض بلدات المنطقة، بموجب الجولة المحتملة، جناحاً مماثلاً من حيث الولاء الوحيد للجناح الجنوبي وبين الجناحيْن الضاحية المحسومة الولاء لـ «حزب الله» مع حصة لـ «حركة أمل».
يطول الحديث حول طبيعة الصراع في باكستان السُنية التي بسبب إمتلاكها السلاح النووي جعلت الثورة الخمينية تسعى وتكثِّف السعي من أجل أن تكون إيران كمرجعية للشيعة في المنطقة العربية ودول العالم دولة نووية. ولو أراد السفير السعودي علي عواض عسيري الذي كانت سنوات عمله سفيراً للمملكة لدى باكستان أن يكتب ذات يوم بعد تقاعده ذكرياته عن تلك السنوات وخصائص التجربة الباكستانية بإيجابياتها وسلبياتها، فإن القليل من الكثير الذي سيدونه سيكون مثيراً للإهتمام وأمثولات لمن هم بحاجة إلى أن يتعظوا فلا تستمر مرجعياتهم في رميْ الحطب من النار لكي تأتي على الأوطان بشراً وحجراً.
ومن محاسن الصدف أن الدبلوماسي الراقي بإمتياز عبد الله الزهراني هو من إختاره الأمير سعود الفيصل قبل إنصرافه المهيب من العمل الوزاري إلى الإشراف على السياسة الخارجية والمشاركة في المجموعة الإستشارية لخادم الحرميْن الشريفيْن الملك سلمان بن عبد العزيز، لكي يشغل منصب سفير المملكة لدى باكستان. فهو إكتسب الكثير من المعرفة بالتركيبة اللبنانية توأم التركيبة الباكستانية، بعد أربع سنوات أمضاها في لبنان قائماً بالأعمال إلى جانب صاحب التجربة الدبلوماسية المتميزة في باكستان علي عسيري السفير المتجددة مهمته في لبنان. والإكتساب لجهة معرفة ملامح خصوصية الوضع الباكستاني بشقيه الحزبي والديني من الصعب سبر نقاط القوة والضعف في هذا الوضع لمن يشغل المنصب لدى إسلام أباد للمرة الأولى، وإن كان عبد الله الزهراني بحكم الفترة التي أمضاها لدى إيران إستخلص ما يمكن إستخلاصه من الأحوال الباكستانية ومعها الأحوال الأفغانية. وهذا المثلث من الأحوال (لبنان، باكستان، إيران) هو شاغل البال الروسي والخليجي على حدّ سواء.
وثمة أيضاً مصادفة لافتة وهي أن ديفيد هيل السفير الأميركي الكثير الرقي والذي نال من خَشِن الكلام من «حزب الله» ما لم ينله سفير دولة أجنبية لدى لبنان مِن قبل، هو أيضاً من سيشغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى باكستان. وهكذا فإن وقوفه على خصوصية المجتمع السياسي والحزبي في لبنان وكيف أن بعض رموز هذا المجتمع يمتلكون الشأن نتيجة ولاء لدول خارجية على حساب الولاء للوطن ويتم ذلك بذريعة أن المناخ الديمقراطي يجيز ذلك، سيشكِّل دعامة لأسلوب تعاطيه في باكستان حيث الحابل مختلط بالنابل كما التشبيه المألوف، وكيف أن الدبلوماسي الحاذق سيكون قادراً على فرز هذا الحابل عن ذاك النابل. أما كيف يمكن فِعْل ذلك، فإن الأحوال التي عليها الوضع السياسي في لبنان تجعل الدبلوماسي الذي يعيشها يخرج من هذا التعايش معها متحملاً وصبوراً وعلى نحو الصبر الذي يلازم الرئيس تمام صائب سلام منذ توليه الرئاسة الثالثة وكذلك صبْر الرئيس الفلسطيني (الراحل) ياسر عرفات مِن قبل، وكلاهما كانا يريان العلاج في قول الشاعر العربي في الزمن الغابر (سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري... وأصبر حتى ينظر الله في أمري. وأصبر حتى يعرف الصبر أنني.. صبْرتُ على أمر أمرُّ من الصبر). وفي أي حال إن مسألة الصبر عايشها لدى اللبنانيين السفيران الراقيان المتميزان المغادران إلى باكستان: عبد الله الزهراني سفيراً للسعودية وديفيد هيل سفيراً للولايات المتحدة. وكلاهما متشابهان من حيث الهدوء عند الكلام إضافة إلى الشكل طولاً وسناً وملامح.
ومن المؤكد أن المجتمع السياسي اللبناني سيفتقد حِرص الإثنيْن على لبنان وقلقهما عليه مع كامل ثقة بلديهما الكبيريْن بأن هذا الوطن عصي على المتلاعبين وصامد في وجه الحاسدين الطامعين، من جار عربي قريب وشقيق مسلم بعيد... وذلك لأنه محروس بعناية رب العالمين.
هائل توفيق خويس
14/08/2026 17:11:46
14/08/2026 17:11:46
Lebanon 24
Lebanon 24
هائل توفيق خويس
14/08/2026 17:11:46
14/08/2026 17:11:46
Lebanon 24
Lebanon 24