لأن ما بني على فساد لا يمكن أن ينتج قدرة على رد العدوان، كانت تفجيرات بغداد الدموية عشية العيد؛ فالفساد وفق المرجع الشيعي الأعلى في العراق السيد علي السيستاني سببه قادة فاسدون وفاشلون. بغداد التي لم تفق من الصدمة شهدت إقالة كبار مسؤولي أمنها بقرار من رئيس الوزراء حيدر العبادي. لكن «داعش» الذي اعترف بارتكابه تلك المجزرة، يواصل جرائمه التي طاولت أمس مزاراً شيعياً جنوب سامراء (شمال بغداد)، ما اوقع عشرات الضحايا في محاولة لإشعال فتنة مذهبية تتيح للتنظيم المتطرف خلط الاوراق والتملص من الضغط العسكري الذي يتعرض له عقب خسائره الكبيرة على اكثر من جبهة.
المرجع الشيعي الاعلى في العراق السيستاني،حمّل إذاً قادة فاسدين وفاشلين مسؤولية استمرار التفجيرات في العراق. وقال السيد احمد الصافي معتمد المرجع السيستاني خلال خطبة الجمعة في مدينة كربلاء امس ان «مطالبة الحكومة بالعمل على كشف مخططات الإرهابيين وإلقاء القبض عليهم وعلى من يدعمونهم وتقديمهم الى العدالة واتخاذ الإجراءات لمنع وقوع هذه المآسي الفظيعة قد تكررت خلال السنوات الماضية عقب حوادث مماثلة، ولكن تلك المطالبات لم تحقق شيئا»، منتقدا «غياب الرؤية الصحيحة وتفشي الفساد والمحسوبيات وعدم المهنية في مختلف المفاصل على الرغم من كل النصح المرجعي والضغط الشعبي ولا سيما خلال العام المنصرم لتغيير المسؤولين ومكافحة الفساد بجدية وبشكل جوهري وتطبيق ضوابط صارمة في التعيينات الحكومية ولا سيما في المناصب والمواقع المهمة كالمناصب الأمنية والاستخبارية».
ولفت ممثل السيستاني انه «بعد مرور أسبوع على تفجير الكرادة، وقع اعتداء آثم على مرقد السيد محمد في مدينة بلد وقد نجم عنه سقوط عشرات الأبرياء من الزوار وغيرهم»، مشيرا الى ان «جرائم الارهاب تتوالى وتستمر ضد الشعب العراقي ومقدساته اذا لم يوضع لها حد في معالجة الخروق الأمنية واستخدام الاساليب المهنية في مواجهتها».
وفي السياق ذاته اعتبر الشيخ عبد اللطيف الهميم رئيس ديوان الوقف السني التفجيرات التي تطال الشعب العراقي محاولات «يائسة ضمن المؤامرة الكبرى في دوامة العنف الطائفي». وقال في بيان صحافي «اليوم نعيش في مفترق طرق ولا نجاة لنا الا بوحدتنا بكل مكوناتنا نحن شيعة وسنة، ضحايا حرب بالوكالة ولن نكون اليوم ادوات بيد اي طرف من الاطراف«، مشيرا الى «اننا نرفض الفتنة ونقاتل كل من يسعى اليها«.
واصدر العبادي امس امرا بإعفاء قائد عمليات بغداد الفريق الركن عبد الامير الشمري ومسؤولي الامن والاستخبارات في بغداد من مناصبهم. وقال مكتب العبادي في بيان له إن» رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي اصدر امرا بإعفاء قائد عمليات بغداد الفريق الركن عبدالأمير الشمري من منصبه»، مشيراً الى أن «العبادي أمر أيضا بإعفاء مسؤولي الامن والاستخبارات في العاصمة من مناصبهم».
ويتزامن القرار الحكومي مع سلسلة تفجيرات انتحارية تبناها تنظيم «داعش« امس طاولت محيط وبوابات مرقد السيد محمد ابن الامام علي الهادي في قضاء بلد جنوب مدينة سامراء في محافظة صلاح الدين (شمال بغداد)، ما اوقع عشرات القتلى والجرحى.
وافادت مصادر امنية عراقية ان «4 عراقيين قتلوا واصيب اكثر من 80 اخرين بجروح في الهجوم الذي استهدف في ساعة متأخرة من يوم اول من امس مرقد السيد محمد بن علي الهادي في منطقة بلد جنوب محافظة صلاح الدين».
وأكد قائد عمليات سامراء اللواء الركن عماد الزهيري أن «العملية تمت عبر اطلاق نيران غير مباشرة باستخدام صواريخ على مكان المرقد اعقبها دخول ثلاث انتحاريين يرتدون ملابس عسكرية«، وأضاف ان «الانتحاريين فجروا انفسهم قرب السوق ولم يستطيعوا الدخول الى المرقد وفجروا انفسهم بعد اطلاق النار عليهم».
وتبنى تنظيم «داعش» الهجوم وفق ما نقلت مواقع مقربة منه مشيرا في بيان له ان» خمسة انغماسيين (انتحاريين) هاجموا قبل منتصف ليلة الجمعة تجمعا للحشد الشيعي عند مرقد محمد بن علي الهادي في قضاء بلد بصلاح الدين في وسط العراق».
وعقب استهداف المزار الشيعي امر زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر سرايا السلام بالتوجه لبلد وحماية مرقد سيد محمد في القضاء وبالتنسيق مع القوات الامنية، بحسب بيان اصدره امس، مشيرا الى اهمية عدم الصدام مع احد والالتزام بالاوامر والنظم وعدم ترك الاماكن المهمة والا وقع ما هو اسوأ«.
واثار استهداف مرقد السيد محمد في مدينة بلد المخاوف من حصول فتنة مذهبية بين السنة والشيعة تعيد الى الاذهان ما حصل في عام 2006 عقب تفجير مرقد الامام علي الهادي وحسن العسكري في سامراء على يد تنظيم القاعدة وقتها مما ادخل العراق في دوامة من الدم والعنف دامت لنحو ثلاث سنوات.
ونددت الرئاسات العراقية الثلاث والفعاليات السياسية والدينية العراقية على مختلف انتماءاتها بالتفجيرات الانتحارية في مدينة بلد مطالبة بتشديد الاجراءات الامنية في مختلف المدن.
وفي ردود الافعال دانت الولايات المتحدة والأمم المتحدة امس تفجيرات بلد جنوب تكريت. وقالت السفارة الاميركية في بيان لها امس ان «العراقيين يتعرضون يوميا في جميع أنحاء البلاد إلى ويلات وحشية داعش»، مؤكدة انه «سواءً تم قتل أو جرح شخص واحد أو المئات، فإن أعمال العنف هذه هي رجسٌ لن يزيدنا إلا تصميماً على الوقوف بجانب الشعب العراقي ومساعدتهم على هزيمة داعش».