ليس الإكثار من تناول "الجريمة" التي ارتكبها بعض الوسائل الإعلامية بحق القاصر التي تعرضت للاغتصاب والمتهمين على حدّ سواء، بابتذال أو استغلال للقضية.
وليس الهدف من تسليط الضوء على هذا الجانب بالتحديد من القضية برمتها، هو تحوير الأنظار عن الجريمة الأساسية (اي الاغتصاب)، علماً أنها سلكت الطريق الصحيح اذ باتت بعهدة القضاء المخوّل وحده كشف كلّ الحقائق وتحقيق العدالة.
الموضوع أخطر مما يظنّ كثيرون، ذلك أنه تخطى "ما بعد بعد" الخطوط الحمراء، ومسّ بمستقبل الطرفين، بالإضافة الى أن ما حدث من ذكر أسماء يعدّ جرماً يعاقب عليه القانون (أقلّه لناحية الأحداث).
بمقاربة حقوقية واجتماعية وأخلاقية، ينطلق الباحث في حقوق الانسان ملكار الخوري ليؤكد في حديث عبر موقع "
لبنان24" أن "ما أقدم عليه بعض الوسائل الإعلامية من تسمية الأشخاص، يشكل أولاً "اغتصاباً" لمستقبلهم وحقوقهم الأساسية المندرجة تحت عنوان عريض وهو "الخصوصية"، ويعدّ ثانياً خرقاً لمبدأ قانون أساسي هو سرية التحقيق، والذي يُعتمد ايضاً – اي مبدأ السرية، او عدم الإفصاح عن كامل المعلومات – عند نشر الأحكام في حالات محددة منها ما قد يتعلق باوضاع القصّر".
على رغم "استشراس" المنظمات الحقوقية والأفراد المناضلين في سبيل احترام حقوق الانسان بالدفاع عن حرية التعبير والرأي وعدم فرض رقابة على الإعلام، إلا أن الأمر يختلف في مثل هذه القضية. يشرح الخوري:" كنا أمام معلومات تقول بأن ثمة فتاة قاصر تعرضت للاغتصاب وأن المشتبه بهم هم ثلاثة او أربعة شبان. وقبل أن يتسنى للمعنيين اجراء التحقيقات اللازمة واظهار الحقيقة وتأكيدها، تمّ الكشف عن هويات الجميع، بل عن مراكز أعمالهم ومواقع منازلهم، ما يعني عملياً إطلاق الأحكام المسبقة بحقهم والضرب بعرض الحائط المبدأ القائل "كل متهم بريء حتى تثبت إدانته".
يذهب الخوري أبعد من ذلك، مفترضاً تأكيد وقوع الجريمة وتثبيت التهمة على المشتبه بهم، ليخلص الى أن الإفصاح عن اسم الضحية، قاصرة كانت أم راشدة، مرفوض لأكثر من سبب، لعلّ أهمه تركيبة مجتمعنا وذهنيته وذاكرته غير المثقوبة حين يتعلق الأمر بحوادث يدخل فيها "الشرف" و"العار"، بل تمتد لتطال العائلة كلّها (بحسب مفهوم شرائح كثيرة من المجتمع).
نعم، ثمة مشكلة لا تزال مترسخة في المجتمع، بحيث لا يشكل بيئة آمنة وحاضنة للضحايا. "هذا لا يعني انه اذا خيّرت سيدة بالتعرض الى الاغتصاب في منطقة الشرق الاوسط او اوروبا فسوف تختار السويد، بل حتماً ستختار ألا تتعرض أبداً لهذا الجرم"، يقول الخوري، مضيفاً:" غير أن ما يختلف هو طريقة تعاطي كلّ مجتمع مع الحادثة بحيث لا تعيب المجتمعات الغربية في العادة الضحية ولا تلقي بالمسؤولية عليها، حتى لو كانت تسير عارية في الشارع"!
ويتابع الخوري مقدماً بعض الأمثلة: "لننس المرأة ونفترض أن عدداً من الرجال وقعوا في الأسر خلال حرب ما، فتعرض أحدهم للتعذيب والضرب، فيما اغتُصب الآخر. طبعاً سيخرج الأول الى المجتمع متحدثاً عن معاناته من دون اي تردد، فيما يلتزم الثاني بالصمت خوفاً من تعييره واذلاله"!
هذا الأمر ينسحب تماماً على موضوع تعنيف المرأة. ففيما تدعو الجمعيات والمنظمات السيدات المعنفات الى عدم السكوت والخوف من كشف ما تتعرضن له، بل التحدث عن الموضوع من أجل التوعية، بات عدد كبير من النساء، لحسن الحظّ، يستجيب لهذا النداء ويخرج من دوامة الخوف للتحدث في الاعلام وأمام الرأي العام. وبرأي الخوري، يعود السبب الى أن مجتمعنا في العموم لا يعيب امرأة معنفة (على رغم الاستمرار بتحميلها المسؤولية في كثير من الاحيان)، لكنه لن يرحم على الأرجح ضحية تعرضت للعنف الجنسيّ!
ولكن هل هذا هو الحلّ؟ ألا يفترض ايضاً حثّ ضحايا الاغتصاب على التحدث كنوع من العلاج ركيزته الأساسية عدم الشعور بالذنب والخجل؟
بلى، لكن بضوابط وحدود، أقلّه الى حين "شفاء" المجتمع. والأهم أن لا يكون الافصاح على يد الاعلام من دون موافقة الضحية! فبحسب الخوري، "في المجتمعات الغربية،يعود للضحية الحق بالتكلم عن تجربتها بملء إرادتها من أجل التوعية والوقاية، ولكن من دون أن تستغلّ القضية، والأهمّ أنها تجد بيئة آمنة وحاضنة.
خلاصة الموضوع ان ما حدث، برأي الخوري، اثبت ان بعض إعلامنا أعطى الأفضلية للسبق الصحفي على حساب الكرامة الانسانية وحق الانسان بالخصوصية واعادة الدمج في المجتمع من دون اي عوائق. يتخوّف الخوري من أن مثل هذه "الخطايا" التي يرتكبها الاعلام او المجتمع سوف تعيق عملية علاج الضحايا، في مجتمع يقيس الفرد بأعضائه التناسلية.
("خاص "
لبنان 24" - ربيكا سليمان )