مرة جديد يضرب الإرهاب فرنسا. ومرة جديدة يتحد العالم مع فرنسا مستنكراً ومستهجناً ومذعوراً أمام وحشية الجريمة وأسلوبها. رجل قاد شاحنة وسار بها فوق أجساد أطفال ونساء ورجال فقتل 84 وأصاب العشرات بينهم 52 بين الحياة والموت. انتحر المجرم برصاص الشرطة تاركاً أسئلة كثيرة في فرنسا والعالم كله ليس فقط عن دوافعه، بل الأهم عن كيفية توفير أمن آمن في مواجهة إرهاب انتحاري قادر على ارتكاب مجزرة مروعة من دون استخدام سلاح أو عبوة أو حزام ناسف، بل وسيلة نقل مدنية عادية.
رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس قال أمس: «على فرنسا والفرنسيين التعايش مع آفة الإرهاب». وليست هذه المرة الأولى التي يؤكد فيها فالس أن فرنسا تعيش في حالة خطر مستمر سببها اعتداءات إرهابية كاعتداء نيس، فهو كان أكد بعد اعتداءات باريس أواخر العام الفائت، أن هذا النوع من الاعتداءات ليس الأول ولا الأخير. وبالتالي فإن السلطات الفرنسية تعي تماماً أن بلادها أضحت كناية عن مناطق زرعت فيها قنابل موقوتة تتمثل في «ذئاب متوحدين» كثر من أبناء المهاجرين وهم ليسوا بالضرورة متطرفين إسلامياً بل ناقمون يسهل على التنظيمات الإرهابية التقاطهم وتجنيدهم.
ورفض وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف تأكيد وجود صلات بين سائق الشاحنة الفرنسي التونسي منفذ اعتداء نيس، والتطرف الإسلامي، معاكساً بذلك تصريحات لرئيس الوزراء مانويل فالس.
ورداً على سؤال لقناة «تي اف 1» الفرنسية الخاصة «هل يمكنكم هذا المساء أن تقولوا لنا إنه على صلة بالإسلام المتشدد؟»، قال الوزير «كلا».
وكان فالس وصف في وقت سابق منفذ الاعتداء بأنه «إرهابي على صلة على الأرجح بالتطرف الإسلامي بطريقة أو أخرى».
فبحسب ما نقلته وسائل الإعلام عن الشرطة الفرنسية، فإن سائق الشاحنة الإرهابي الذي دهس الحشود في نيس في يوم فرنسا الوطني يدعي «محمد الاهوج بوهلال» (31 عاماً) وهو فرنسي من أصل تونسي مقيم في نيس ويعمل سائق ديليفري وهو مطلق وله 3 أولاد. وبوهلال له ماضٍ حافل مع الشرطة في قضايا عنف وسرقة قام بها منذ العام 2010، إلا أن أجهزة الاستخبارات ومكافحة الإرهاب لم تضعه على رادارها لأنه لم يعطِ أي مؤشر في حياته اليومية يدل على أنه متطرف دينياً، بل إن أحد جيرانه يؤكد أنه «لم يكن يصوم ويصلي وكان يعاشر النساء ويرقص السالسا». ومن هذه المعطيات وهي شبيهة جداً بمنفذي اعتداءات باريس وبروكسل، يمكن الاستنتاج أن هؤلاء الشبان مجموعة من المنحرفين وأصحاب سوابق وقد أدى أسلوب تعامل المجتمع الذي ترعرعوا فيه معهم الى تنمية مشاعر حقد وكراهية، قاموا بتفجيرها على شكل هجمات إرهابية من نوع اعتداء الشاحنة التي قادها «الأهوج» متعمداً بشكل متعرج (زيغ زاغ) في الشارع المعروف باسم «منتزه الانكليز»، ليدهس بها أكبر عدد ممكن من الحشود البريئة التي كانت تشاهد الألعاب النارية على الشاطئ الجنوبي لفرنسا في يوم الباستيل. هذا النوع من الشباب هو تحديداً الذي تتمكن التنظيمات الإرهابية من التغرير به بسهولة، فهي تستغل حقده وكرهه على المجتمع الذي يشعر بأنه محتقر فيه.
وأشار المحققون الى أن الشاحنة كانت من دون لوحة معدنية، وأن الإرهابي كان استأجرها مطلع الأسبوع الجاري من شركة لتأجير السيارات في المنطقة. الأهوج لم يكتف بدهس الناس فقط بل شهيته للقتل دفعته أيضاً إلى إطلاق النار من مسدس كان معه على بعض الفارين منهم، وبذلك المسدس أيضاً تبادل إطلاق النار مع رجال الشرطة الذين أحاطوا بشاحنته، وانتهى الاشتباك بمقتله. وعثرت الشرطة على أسلحة داخل الشاحنة أغلبيتها مزيفة. وأوردت قناة «ام 6» الفرنسية أن شرطة نيس كانت أوقفت بوهلال قبل مجزرته وسألته عن وجهته بالشاحنة وحمولتها، فاحتال على سائليه زاعماً أنه في طريقه لتسليم طلبية من المثلجات، فسمحوا له بدخول شارع «منتزه الانكليز» المحاذي للشاطئ المتوسطي.
وأمس جال الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في موقع الجريمة في نيس برفقة رئيس الوزراء مانويل فالس ووزير الداخلية برنار كازونوف ووزيرة الصحة ماريسول تورين. وعاد جرحى الاعتداء في مستشفى المدينة، وأعلن هولاند أن «حصيلة الضحايا 84 قتيلاً، و52 مصاباً حالهم حرجة بين الحياة والموت». أضاف «بين هؤلاء الضحايا هناك فرنسيون وعدد كبير من الأجانب الوافدين من جميع القارات، والكثير من الأطفال، الأطفال الصغار». وتابع الرئيس الفرنسي وقد غطى الأسى ملامحه «رأينا جرحى، الكثير منهم لا بد أنهم ما زالوا يستعرضون صوراً مروعة في أذهانهم، وهذه الحروق النفسية تسبب لهم ألماً أكبر بالإضافة الى معاناتهم الجسدية. وهناك أيضاً الذين لم يتعرضوا لإصابة جسدية لكنهم سيحملون طوال حياتهم صدمة ناتجة عن صور الرعب التي اضطروا مع الأسف الى رؤيتها«.
وكان هولاند قبل توجهه الى نيس عقد في باريس اجتماع أزمة شارك فيه رئيس الوزراء مانويل فالس ووزير العدل جان جاك أورفواس ووزير الدفاع جان ايف لودريان ورئيس أركان القوات الفرنسية الجنرال بيار دو فيلييه وكبار قادة الاستخبارات، وانضم اليهم عبر الفيديو المباشر من نيس وزير الداخلية برنار كازونوف. وعقب الاجتماع أعلن هولاند الحداد الوطني مدة ثلاثة أيام ابتداء من اليوم حتى الاثنين. ونكست الأعلام فوق المباني العامة منذ يوم أمس.
وسينظر البرلمان الفرنسي يومي الأربعاء والخميس المقبلين في مشروع قانون يمدد نهاية تموز الجاري 3 أشهر إضافية حالة الطوارئ التي تعيشها البلاد منذ هجمات باريس في تشرين الثاني الفائت.
ودعا فالس الفرنسيين من باحة الاليزيه الى «رص الصفوف في مواجهة حرب يشنها الإرهاب علينا»، وشدد على «أن فرنسا لن ترضخ للتهديد الإرهابي«، لكنه اعترف بأن «الزمن تغير، وسيترتب على فرنسا التعايش مع الإرهاب. علينا أن نرص الصفوف ونكون متضامنين ونتحلى ببرودة أعصاب جماعياً«. أضاف «ان فرنسا بلد كبير وديموقراطية كبيرة ولن نسمح بزعزعة استقرارها». وتابع «لقد أرادوا ضرب وحدة الأمة الفرنسية، وبالتالي فإن الرد الوحيد المناسب والمسؤول من فرنسا سيكون ذلك الذي يبقى وفياً لروح مناسبة 14 تموز الوطنية، أي فرنسا موحدة ومجتمعة حول قيمها. سنقف كتلة واحدة، هذا المطلب الوحيد المجدي اليوم«.
وأعلنت الشرطة الدولية (إنتربول) أمس أنها أرسلت فريقاً إلى نيس يضم خبراء في الإرهاب والمعلومات ومتخصصين في تحديد هويات الجثث سيساعدون في تنسيق عملية جمع البيانات للمساعدة في التعرف على الضحايا. وإلى حين كتابة هذا التقرير مساء أمس، كان من المعلوم أن أشخاصاً من جنسيات عدة قضوا في الاعتداء، ومن الضحايا الأجانب الذي تم التعرف اليهم: 3 ألمان (معلمة وتلميذان) بحسب بيان لبلدية برلين التي لم توضح أعمار الضحايا. أميركيان بحسب الخارجية الأميركية، وذكرت صحيفة «اوستن أميركان ستايتسمان» بتكساس أنهما شون كوبلاند (51 عاماً) وابنه برودي (11 عاماً) وكانا في إجازة أسرية بنيس بعد رحلة سياحية في برشلونة بإسبانيا. سويسريان «امرأة وطفل» بحسب الخارجية السويسرية. شاب تونسي (29 عاماً) اسمه بلال لبعاوي يتحدر من القصرين بوسط تونس الغربي وهو مقيم في فرنسا، بحسب بيان لوزارة الخارجية التونسية. مغربية (60 عاماً) اسمها فاطمة شريحي تقيم في نيس وأم لـ7 أطفال بحسب معلومات حصلت عليها «فرانس برس« من صديق أحد الأبناء. روسية بحسب موقع وزارة الخارجية الروسية على موقع «فايسبوك» وهي طالبة في الـ20 من العمر تدعى فيكتوريا سافتشنكو كانت تمضي إجازة في فرنسا مع صديقة أصيبت في ساقيها. أرمينية قتلت في الاعتداء بحسب خارجية أرمينيا. أوكراني قتل وأصيب آخر، بحسب تغريدة لوزير خارجية بلدهما. ومن بين عشرات الجرحى هناك بريطاني على الأقل بحسب لندن، ورومانيان هما حالياً في المستشفى بحسب بوخارست إضافة الى طفلين هولنديين.
تجدر الإشارة الى أن أحداً من التنظيمات الإرهابية لم يتبنَ حتى الآن اعتداء نيس، لكن الادعاء العام الفرنسي يعتبر الهجوم استجابة لنداءات سابقة وجهها تنيظم «داعش» الى الإرهابيين «لكي يستخدموا أي وسيلة في القضاء على أعداء الله بما في ذلك استخدام السيارات للدهس والقتل». وتعهد الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بالمزيد من المشاركة الفرنسية في العمليات العسكرية ضد «داعش« في العراق وسوريا.
ونفى رئيس الوزراء الفرنسي مساء أي تقصير للأجهزة الأمنية خلال اعتداء نيس، علماً أن الشاحنة التي قادها منفذ الاعتداء تمكنت من التوغل في جادة سياحية بامتياز يوم العيد الوطني.
وصرح فالس لقناة «فرانس 2» أن التدابير الأمنية لمواكبة إطلاق الأسهم النارية في مناسبة 14 تموز كانت «هي نفسها» خلال الاحتفال في نيس وخلال كأس أوروبا لكرة القدم الذي استضافت المدينة الواقعة على الكوت دازور بعض مبارياته.
وكرر الرئيس الأميركي باراك أوباما من البيت الأبيض عزمه على «تدمير» تنظيم داعش، غداة الاعتداء الذي شهدته مدينة نيس الفرنسية وخلف 84 قتيلاً.
وأكد أوباما تصميمه على تحقيق هذا الهدف واصفاً الاعتداء بأنه «مأسوي ومرعب» يستهدف «الحرية والسلام».
وقال أمام ديبلوماسيين بينهم السفير الفرنسي في واشنطن جيرار ارو «لا يمكن أن نستسلم للخوف أو أن نقف الواحد ضد الآخر أو أن نضحي بطريقة عيشنا». وإذ ندد أوباما بـ«إرهابيين لا يقدمون سوى الموت والعدمية»، اعتبر أن «هذا الكره وهذا العنف لن يتغلبا (...) على الناس أصحاب الإرادة الطيبة». وأوضح أنه كرر لنظيره الفرنسي فرنسوا هولاند أن فرنسا ليست فقط «أقدم حليف» للولايات المتحدة بل أيضاً «أحد أقوى حلفائها». وشدد على أن «العالم أجمع متضامن مع شعب فرنسا».
(ا ف ب، رويترز، «المستقبل»)