لم يكن صدى إعلان واشنطن وموسكو اتفاقهما على «إجراءات ملموسة» لإنقاذ الهدنة في سوريا قد تلاشى حتى واصل نظام بشار الأسد مجازره بحق المدنيين في حلب التي تحترق يومياً بالقصف والغارات والبراميل المتفجرة.
فقد وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان أمس، «مقتل 11 مواطناً بينهم أربعة أطفال في قصف جوي لقوات النظام طال منطقة باب النصر في حلب القديمة بعد منتصف ليل الجمعة السبت، كما قتل سبعة آخرون صباحاً في حي الفردوس». وأوضح لاحقاً أن سبعة مدنيين آخرين قتلوا أيضاً في الغارات على الأحياء الشرقية لحلب بينهم عدد من الأطفال، ليرتفع عدد الضحايا الى 25 قتيلاً. فيما أكد مدير المرصد رامي عبد الرحمن أن عدداً كبيراً من الأشخاص لا يزالون عالقين تحت الأنقاض.
وقال مراسل فرانس برس في الأحياء الشرقية إن «الطيران المروحي والحربي لا يفارق الأجواء»، مشيراً إلى تعرض مستشفى عمر عبد العزيز في حي المعادي للقصف الجوي.
وكان سقط في وقت سابق برميل متفجر أمام مدخل المستشفى، ما أجبر الإدارة على اتخاذ قرار بإخلائه، وفق ما قال مدير المستشفى حسين بن لؤي لـ»فرانس برس«.
وأثناء انتظار سيارات الإسعاف القادمة من مستشفيات أخرى لإخلاء المرضى، استهدفت صواريخ عدة مبنى المستشفى ما تسبب بأضرار مادية وإصابة مرضى وعاملين في كادره الطبي.
وأظهرت صور التقطها مصور فرانس برس امرأة تبكي الى جانب شاب يعالجه الأطباء على أرض المستشفى الذي تضررت جدرانه وسقطت حجارته.
وردت الفصائل المقاتلة المعارضة، وفق المرصد، على القصف الجوي بإطلاق القذائف على الأحياء الغربية الواقعة تحت سيطرة قوات النظام ومن بينها سيف الدولة والمشارقة.
وتتقاسم قوات النظام والفصائل منذ العام 2012 السيطرة على أحياء مدينة حلب، ثاني كبرى مدن سوريا وإحدى المعارك المحورية في الحرب. وباتت الأحياء الشرقية التي يقطنها أكثر من مئتي ألف شخص منذ أسبوع محاصرة عملياً بعدما تمكنت قوات النظام السوري من السيطرة نارياً على طريق الكاستيلو، آخر منفذ الى الأحياء الشرقية. وتخوض هذه القوات معارك ضارية ضد الفصائل على بعد نحو خمسمئة متر من طريق الكاستيلو، كما في مناطق تماس بين الطرفين داخل مدينة حلب.
وتأتي هذه التطورات الميدانية بعد ساعات من محادثات ماراثونية استمرت نحو 12 ساعة بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو، أعلنا على إثرها أنهما توصلا الى اتفاق حول «إجراءات ملموسة» لإنقاذ الهدنة ومحاربة الجماعات المتشددة في سوريا من دون الكشف عن تفاصيله.
وقال كيري «أحرص على التأكيد أنه على الرغم من أن هذه الإجراءات لا تستند الى الثقة، إلا أنها تحدد مسؤوليات متتابعة معينة على جميع أطراف النزاع الالتزام بها بهدف وقف القصف الأعمى الذي يقوم به نظام الأسد وتكثيف جهودنا ضد (جبهة) النصرة». وأضاف: «كل منا يعرف تماماً ما عليه القيام به«.
وكان كيري يتحدث لصحافيين والى جانبه لافروف، وقال إن تطبيق الإجراءات «بحسن نية» سيجعل من «الممكن المساعدة في تثبيت وقف الأعمال القتالية والحد بشكل كبير من العنف والمساعدة في خلق مساحة لانتقال سياسي ذي صدقية يتم التفاوض بشأنه«.
وأفادت تقارير قبل وصول كيري الى موسكو أنه سيعرض على الروس توحيد جهود البلدين لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، لكن روسيا لم تبدِ حماسة للعرض على ما يبدو.
وتطالب الولايات المتحدة موسكو بالضغط على حليفها الرئيس السوري بشار الأسد لوقف غاراته وإنهاء هجماته على المدنيين وفصائل المعارضة.
ويحرص المسؤولون الأميركيون على عدم وصف المحادثات الروسية ـ الأميركية بالفرصة الأخيرة للديبلوماسية لحل نزاع دامٍ مستمر منذ أكثر من خمس سنوات، لكنهم حذروا من أن الوقت ينفد.
وتعزو واشنطن فشل عملية السلام الى عدم التزام النظام السوري بالهدنة وتنامي نشاط جبهة النصرة.
وقال مسؤول أميركي «إذا لم نتمكن من التوصل الى حل للمشكلتين، فسنكون في مكان مختلف تماماً، والحقيقة أن الوقت هنا قصير«.
وكان الموفد الدولي الى سوريا ستيفان دي ميستورا حث الخميس الماضي، روسيا والولايات المتحدة على العمل لاستئناف محادثات السلام بين الحكومة والمعارضة السوريتين الشهر المقبل.
وقال لافروف أول من أمس الجمعة إن الجانبين الروسي والأميركي يرغبان في أن يكثف دي ميستورا «عمله ويقدم اقتراحات ملموسة من أجل انتقال سياسي وإصلاحات سياسية لجميع الأطراف في سوريا«.