وافق البرلمان التركي، أمس، على مذكرة تقدمت بها رئاسة الوزراء بخصوص إعلان حالة الطوارئ في عموم البلاد لمدة 3 أشهر، على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة، فيما أكدت أنقرة على أعلى مستويات القيادة على الحريات، وأن حالة الطوارئ لا تعني فرض الأحكام العرفية.
وصوت 346 نائباً على فرض حالة الطوارئ من بين 461 حضروا الجلسة التي جرت بشكل علني بناء على مقترح حزب العدالة والتنمية (الحاكم) وذلك من إجمالي أعضاء المجلس البالغ عددهم 550.
وبناءً على نتائج التصويت، فقد تمّ إقرار حالة الطوارئ في عموم البلاد، استناداً إلى البند (ب) للمادة رقم 120 الخاص بإعلان حالة الطوارئ في الدستور التركي. وبموافقة البرلمان على المذكرة، فإنّ حالة الطوارئ المعلنة باتت سارية المفعول اعتباراً من الساعة 01:00 من تاريخ 21 تموز الحالي، وتستمر لمدة 90 يوماً.
وقال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، إن حالة الطوارئ لا تعني فرض أحكام عرفية في البلاد، موضحاً أنها «خطوة لتسليم الدولة إلى أيدٍ قوية، من أجل تطهير المؤسسات العامة من عناصر منظمة فتح الله غولن الإرهابية، وأي تنظيم إرهابي آخر، من أجل عمل الديموقراطية بشكل أفضل«.
جاء ذلك في كلمة وجهها الرئيس التركي، إلى آلاف المواطنين المتجمهرين بالميادين في مدن عدة (صوناً للديموقراطية وتنديداً بمحاولة الانقلاب)، وذلك عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، عُرضت على شاشات عملاقة في الساحات والميادين.
وأضاف اردوغان في كلمته «إن قانون حالة الطوارئ هو عملية لتعزيز إدارة الولاة (المحافظين) أكثر، وإن القوات المسلحة ستكون تحت إمرتهم في الولايات»، مؤكداً أن «حالة الطوارئ ليست خطوة تستهدف الأنشطة الاقتصادية للمواطنين، والحكومة اتخذت التدابير اللازمة في هذا الصدد«.
وأشار الى أنهم سيستثمرون الفترة المقبلة بكل كفاءة، وأن الشعب التركي سيخرج من هذه المرحلة أكثر قوة.
وتعهد الرئيس التركي بعدم تقييد الحقوق الأساسية والحريات للمواطنين، مؤكداً «لن يكون في مرحلة حالة الطوارئ تقييد للحقوق الأساسية والحريات أبداً، ونحن ضامنون لذلك«.
وأوضح أن «زيادة صلاحيات الولاة هي من أجل توفير الاستقرار للشعب»، داعياً المواطنين إلى «تفويت الفرصة على الذين يحاولون جر هذه المسألة (حالة الطوارئ) إلى نواحٍ أخرى»، مؤكداً «أن القوات المسلحة التركية تحت إمرة حكومتنا وولاتنا، وأنا على رأس جيشنا قائداً عاماً وفقاً للدستور«.
ودعا اردوغان الشعب إلى «عدم تصديق الإشاعات التي من الممكن أن يطلقها البعض، وعدم الانجرار وراء مؤامراتهم»، مؤكداً أنه شخصياً والحكومة سيدُلون بالتصريحات اللازمة بين فترة وأخرى في ظروف مشابهة.
اردوغان قال في مقابلة مع وكالة «رويترز» أجرتها معه في قصره بأنقرة، إنه لا توجد عقبات تمنع تمديد حالة الطوارئ بعد الشهور الثلاثة. ولم يستبعد الرئيس التركي احتمال محاولة انقلاب جديدة، لكنه رأى أن الأمر لن يكون سهلاً هذه المرة «لأننا أكثر حذراً«.
واعترف اردوغان بأن الفترة التي سبقت محاولة الانقلاب الفاشلة يوم الجمعة الماضي شابتها فجوات وأوجه قصور في عمل المخابرات، وقال إن القوات المسلحة ستخضع سريعاً لعملية إعادة هيكلة. وأضاف «من الواضح تماماً أنه كانت هناك فجوات وأوجه قصور كبيرة في معلوماتنا.. لا جدوى من محاولة إخفاء ذلك أو نفيه. قلت ذلك لرئيس المخابرات الوطنية«.
ورأى اردوغان أن قرار مؤسسة «ستاندرد آند بورز« خفض التصنيف الخاص بقدرة تركيا على سداد الالتزامات الخارجية بالعملة الصعبة كان قراراً سياسياً يُظهر أن المؤسسة «انحازت للانقلاب وليس للديموقراطية». وقال إنه إذا حذت مؤسسة «موديز« للتصنيف الائتماني حذو «ستاندرد آند بورز« فلن يكون ذلك قراراً موضوعياً. وأضاف أنه لا توجد أزمة سيولة في أسواق المال التركية وأن القطاع المالي قوي جداً.
وكان رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، قال خلال جلسة البرلمان، إن حالة الطورائ مفروضة على «الدولة وليس الشعب»، مؤكّداً عزمهم استئصال عصابات منظمة «الكيان الموازي» الإرهابية التي يتزعمها فتح الله غولن من كافة مؤسسات الدولة.
وأوضح يلدريم أن تطبيق حالة الطوارئ في البلاد «يرمي إلى اتخاذ التدابير اللازمة حيال نتائج المحاولة الانقلابية المسلحة ضد النظام الديموقراطي في تركيا، والأضرار الناجمة عنها»، مشيداً بدور الشعب بكافة أطيافه في دحر الانقلابيين وإفشال خططهم.
وأشار إلى أن «أطرافاً تُعتبر صديقة (لم يسمها) تسعى لاستهداف تركيا واقتصادها في الوقت الذي تبذل فيه الحكومة جهوداً حثيثة لدحر الانقلابيين»، مبيناً أن «الاقتصاد التركي تمكن عقب ليلة الانقلاب الفاشل من الاستمرار في نشاطه من دون أي انقطاع في البورصات أو المصارف أو التعاملات المالية«.
وأعلن نائب رئيس الوزراء نعمان كورتلموش أن الحكومة تأمل في رفع «حالة الطوارئ بأسرع وقت ممكن»، إذا عادت الظروف الى طبيعتها»، مشيراً الى أن أنقرة لن تفرض منعاً للتجول. لكنه أعلن أن تركيا ستعلق العمل بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بسبب فرض حالة الطوارئ «بما لا يتناقض مع التزاماتها الدولية كما فعلت فرنسا» بعد اعتداءات تشرين الثاني 2015.
كما تحدث نائب رئيس الوزراء محمد شيمشك للتلفزيون وكتب على تويتر في محاولة لتهدئة التوتر في أسواق المال ووقف أي مقارنات مع الماضي. وعمل شيمشك سابقاً في وول ستريت وينظر إليه باعتباره أحد أكثر السياسيين تشجيعاً للاستثمار. وفي تعليق على تويتر كتب شيمشك «إن حالة الطوارئ في تركيا لن تشمل قيوداً على الحركة والتجمعات وحرية الصحافة وما إلى ذلك. هي ليست أحكاماً عرفية مثل التي فرضت في التسعينات». وأضاف «أثق في أن تركيا ستخرج من ذلك وهي أكثر ديموقراطية ولديها اقتصاد سوق أفضل ومناخ استثمار أكثر جذباً«.
وفي المواقف الخارجية، حثث مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني ومفوض شؤون التوسعة يوهانس هان تركيا أمس على احترام سيادة القانون والحقوق والحريات. وقالت موغيريني وهان في بيان إن الاتحاد الأوروبي «قلق» بشأن التطورات بعد فرض تركيا حالة الطوارئ (...) وإن الإجراءات التي اتخذت حتى الآن في مجالات التعليم والقضاء والإعلام «غير مقبولة».
وفي واشنطن، قال المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إيرنست في إفادة صحافية أمس إن الولايات المتحدة حثت الحكومة التركية على الحفاظ على المؤسسات الديموقراطية بعد محاولة انقلاب، وإن المجتمع الدولي «سيتابع» ما يحدث، لكنه أكد أن «الولايات المتحدة لن تدقق في كل تفاصيل الوضع في تركيا«.
(الأناضول، رويترز، أ ف ب)