يبدو أن التقدّم الخطير الذي حققه تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ـ «داعش» في سوريا والعراق مؤخراً، قد عزز من التقارب الروسي ـ الأميركي لإيجاد حل للازمة السورية، بحسب ما عبّر عنه وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف يوم امس. لكن هذا التقارب، المدفوع بتمدّد الخطر «الداعشي»، لا يبدو انه قد اختمر بعد لتوليد تسوية سياسية تنهي الصراع المستمر منذ اكثر من خمسة اعوام، في ظل وجود نقاط خلافية كثيرة بين القوتين الدوليتين، تبدّت بالامس في انتقاد الجانب الروسي لإعلان الولايات المتحدة بدء تدريب مسلحي المعارضة السورية في تركيا.
وفي وقت تتجه الانظار الى الانبار في العراق، حيث تدور شبهات بشأن دور اميركي مريب في سقوط مدينة الرمادي في ايدي التكفيريين، والى ريف حمص الذي بات مهدداً بغزوات «داعش» غداة سيطرة التنظيم المتشدد على مدينة تدمر (تفاصيل ص 13)، برز تطوّر ميداني خطير في الشمال السوري، حيث ذكرت مصادر معارضة ان ما يسمّى «جيش الفتح»، الذي يضم مجموعات مسلحة تحت امرة «جبهة النصرة»، الفرع السوري لتنظيم «القاعدة»، تمكّن من السيطرة على مدينة اريحا في ريف ادلب، وذلك بعد ساعات على ظهور امير «النصرة» ابو محمد الجولاني عبر شاشة قناة «الجزيرة» القطرية.
وقال مدير «المرصد السوري لحقوق الانسان» رامي عبد الرحمن ان «جيش الفتح سيطر بشكل كامل على مدينة اريحا بعد هجوم خاطف انتهى بانسحاب كثيف لقوات النظام وحلفائه من حزب الله عبر الجهة الغربية للمدينة».
واضاف عبد الرحمن «كان الهجوم خاطفا، ولم يستغرق الا بضع ساعات»، معتبراً ان «سقوط المدينة بهذه السرعة امر مفاجئ ومستغرب، فقد تجمعت فيها كل القوات التي انسحبت خلال الاسابيع الاخيرة من مدينتي ادلب وجسر الشغور ومعسكري القرميد والمسطومة».
وتابع عبد الرحمن «كان في المدينة ايضا عناصر من حزب الله، لذلك كان المتوقع ان تكون المعركة قاسية» مشيرا الى ان «عشرات الآليات المحملة بالعناصر شوهدت تنسحب من المدينة في اتجاه بلدة محمبل الواقعة الى جنوب غرب اريحا».
وقال الناشط المعارض ابراهيم الادلبي ان «جيش الفتح» هاجم اريحا من ثلاث جهات، الشرقية والجنوبية والشمالية.
وتستند المدينة من الجهة الغربية الى منطقة جبلية تشكل امتدادا لريف محافظة حماه.
واعلن «جيش الفتح» عبر احد حساباته على موقع «تويتر»، «تحرير اريحا». وجاء في التغريدة «الله أكبر، تحررت أريحا... بعدما استعصت أربع سنوات ونيفا حررها الله في ساعات».
وكان «جيش الفتح»، المؤلف من «جبهة النصرة» و «جند الاقصى» و «فيلق الشام» و «احرار الشام» و «اجناد الشام» و «جيش السنة» و «لواء الحق»، قد اعلن في وقت سابق «بدء الزحف» نحو اريحا.
وفي حال تأكدت تلك المعلومات، سيكون الجيش السوري قد خسر اهم معاقله في محافظة ادلب (شمال غرب) ولا يزال يحتفظ بمطار ابو الضهور العسكري الواقع على بعد اكثر من عشرين كيلومترا جنوب غرب اريحا، وقريتي الفوعة وكفرية، بالاضافة الى بعض البلدات الصغيرة والحواجز العسكرية.
وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان في موسكو، إن مواقف روسيا وأميركا بشأن سوريا تتقارب، وذلك بعد سلسلة من الاتصالات رفيعة المستوى بين موسكو وواشنطن بشأن الصراع.
وقال لافروف «في الحقيقة أعتقد أن مواقفنا مع الولايات المتحدة تتقارب. أولاً، وقبل كل شيء في ما يتعلق بالتصريحات بأنه لا يمكن أن يكون هناك بديل عن الحل السياسي في سوريا على أساس بيان جنيف الصادر في حزيران العام 2012». وأضاف «سنواصل الحوار مع الولايات المتحدة، للتشجيع على الحوار السياسي الوطني الشامل بين جميع القوى السورية».
لكن لافروف انتقد واشنطن لدعمها مجموعات مسلحة في سوريا، موضحاً أن روسيا تعتبر هذا النهج «يتسم بقصر النظر، لأن كل محاولات تسليح هؤلاء انتهت إلى تحويلهم إلى صفوف الإرهابيين».
وأعلن لافروف أن «روسيا والإمارات ستعززان التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، سواء على المستوى الثنائي أو في المحافل الدولية، بمشاركة دول أخرى». وأشار إلى أن موسكو تعتبر أن نشاط «داعش» وغيره من المجموعات الإرهابية يعتبر تحدياً كبيراً لأمن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا واستقرارهما. وشدد على انه «يجب حل قضايا الشرق الأوسط بالاعتماد على الحوار الوطني وتكثيف جهود الحرب على الإرهاب».
وقال عبد الله، من ناحيته، «لقد تحدثنا عن قضية التطرف التي تؤثر على المنطقة، ولهذا فانه من المهم ألا يكون العلاج امنيا وعسكريا فقط، بل أن يتعدى ذلك إلى العلاج الإيديولوجي والسياسي ومواجهة كافة التحديات، أن كانت اجتماعية أو اقتصادية».
وأضاف «المنطقة تمر بظروف صعبة، وهناك امتداد للجماعات الإرهابية، وعلينا البحث بموضوع البيئة التي تنامى فيها الإرهاب. نتمنى ان تعود سوريا البلد العربي والقريب إلى قلوبنا، والى مكانتها الطبيعية، ولكن للأسف فانه بالشكل الذي قمعت فيه الحكومة السورية شعبها جعل أي عمل مع هذه الحكومة لمعالجة أعمال الإرهاب سيضعف من هذا الجهد. إذا كانت سوريا جادة في مواجهة الإرهاب، فان عليها معالجة المنغصات التي يواجهها الشعب السوري من قبل أفراد الأمن والشبيحة والخروج عن الأسس الإنسانية البسيطة التي يستحقها المواطن السوري».
وكان نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف قال «هناك بعض الإشارات عن استعداد الولايات المتحدة للسماح لإيران بالمشاركة في الحوارات بشأن سوريا، في حال تم التوصل لتسوية بشأن الملف النووي الإيراني». وأكد أن روسيا مستعدة لاستضافة وعقد الجولة الثالثة من «الحوارات السورية - السورية» في موسكو، لافتًا الى أن «غالبية المشاركين السوريين أبدوا رضاهم عن صيغة تلك الحوارات وآلياتها ويرغبون باستمرارها».
إلى ذلك، قال مسؤول أميركي، لوكالة «رويترز»، إن الجيش الأميركي بدأ في تدريب مسلحين في تركيا لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» - «داعش»، موسعا بذلك برنامجا انطلق في الأردن قبل أسابيع.
ولم يقدم المسؤول أي تفاصيل عن حجم المجموعة الأولى من المقاتلين الذين يخضعون للتدريب في تركيا، أو متى بدأ التدريب. ورفضت وزارة الدفاع الأميركية التعقيب.
وتقول إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إن البرنامج يهدف فقط إلى استهداف مقاتلي «داعش» وليس القوات السورية، لكن منتقدين، ومن بينهم أعضاء في الكونغرس الأميركي، يقولون إن الحدود النظرية من الصعب أن تصمد أمام واقع الحرب في سوريا. وتأمل الولايات المتحدة في أن يخرج البرنامج 15 ألف مسلح سنوياً.
وتجري كل عمليات التدريب العسكري الأميركي للمسلحين في الخارج. والى جانب الأردن وتركيا عرضت كل من السعودية وقطر استضافة التدريبات.
إلى ذلك، رفض نائب وزير الخارجية الإيرانية حسين أمير عبد اللهيان، من الكويت، فكرة فرض منطقة حظر جوي فوق سوريا، وهو ما تطالب تركيا به، معتبراً أن إقامة هذه المنطقة ستكون «خطأ» وستفشل في إعادة الأمن في المنطقة. وقال إن «المناقشات بشأن إنشاء منطقة حظر جوي (فوق سوريا) هي تكرار لأخطاء سابقة و(هكذا طرح) لا يساعد على الأمن والاستقرار الإقليميين»، معتبراً انه للوصول إلى حل سياسي للصراع، يجب على البلدان المجاورة لسوريا أن تسيطر على حدودها وتمنع مرور الإرهابيين.
(«السفير»، «روسيا اليوم»، ا ف ب، ا ب، رويترز)