فمنذ بضعة أيام بدأت وفودُ المهاجرين تتدفَّق بأعداد هائلة لتطيح بالإرتياح الذي عمّ الاتحاد فترة زمنية مرّت كالحلم السعيد. ولفتت اليونان الى أنّ تركيا تضرب منذ محاولة الانقلاب الفاشلة، عرض الحائط ولا تطبِّق الاتفاق الذي أُبرم بينها وبين الاتحاد، وخير دليل على ذلك اختفاء بين ليلة وضحاها، الفرقاطات التي كانت تراقب حركة المهاجرين وتلجمها، من دون توضيح السبب ولا كلَّفت أنقرة نفسها عناءَ التبرير لا سياسياً ولا استراتيجياً.
وفي المقابل، ارتفعت الأصوات في أوروبا داعية الى إعادة النظر بالاتفاق وضرورة وضع «الخطّة ب» على سكّة التنفيذ.
في الواقع، منذ فشل محاولةِ الانقلاب، يستعرض القادة الأتراك عضلاتِهم ويبتزّون دولَ الغرب عبر التهديد بفتح الأبواب على مصاريعها، في حال عدم تسوية مشكلة إلغاء تأشيرات دخول رعاياها الى الاتحاد الأوروبي، في الأسابيع القليلة المقبلة.
بيد أنّ لجنة الاتحاد الأوروبي أوقفت مسألة إلغاء التأشيرات بسبب ممارسات أردوغان الاستبدادية، وتطالبه بنظام عادل وتدعوه الى احترام القيم الأوروبية والحرّيات الشخصية وحقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، تعاني دول الاتحاد ما تعانيه من ازدياد عدد الهجمات الإرهابية عليها وسقوط القتلى والجرحى الأبرياء، وبدأ الاتحاد يلمِّح الى أنه لم يعد يحتاج الى تركيا لاحتواء تدفُّق المهاجرين علماً أنّ أكثر ما يخشاه هو تسلُّل الجهاديين عبر الطرق المخصَّصة للاجئين.
حالياً لا يُخفى على أحد، أنَّ رجب طيب أردوغان، يتصرّف من موقع القوة بعد أن أحكم قبضته على البلاد وضرب بيدٍ من حديد الانقلابيين، وهو يستفيد من قوّته بالطول والعرض، كونه يعلم ضمنيّاً أنّ الدول الأوروبية تحتاج اليه، طالما تَعتبر أنّ تركيا هي بمثابة العمود الفقري بالنسبة لخاصرتها الجنوبية وشريكة استراتيجية لمكافحة الإرهاب وحلّ الأزمات الشرق أوسطية.
كيف لا وقاعدة انجرليك في جنوب البلاد، تستخدمها يومياً طائراتُ التحالف الدولي لضرب مواقع الدولة الإسلامية في سوريا، لذا ليس هناك وارد في قطع الجسور مع تركيا. ولكن منذ مطلع الأسبوع، تدهورت العلاقات بين أنقرة وشركائها الغربيّين، وغدت الأجواء بين ميركل وأردوغان، في منتهى البرودة بل وتكسوها طبَقة جليدية، علماً أنهما الرئيسان الأكثر اهتماماً بقضية المهاجرين واللذان أخذا على عاتقهما حلّها بما يتوفّر لهما من إمكانيات. أضف الى ذلك، يتَّهم الرئيس التركي دول الغرب بمساندة الانقلابيين ضده. كذلك لم تحبِّذ أنقرة رفض برلين إعطاء الرئيس أردوغان الحَقّ في التوجُّه مباشرة عبر الفيديو، للمتعاطفين معه الذين أعلنوا تأييدهم له الأحد في كولونيا.
إزاءَ كلّ التطوّرات هذه، هدّدت بروكسل بتجميد محادثات انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي وطالبت النمسا شركاءها بضرورة وضع حدّ لمهزلة «الخيال الدبلوماسي» الذي لا يستند الى الواقع ولا يمتّ إليه بصلة.
وعلى صعيد آخر، وفيما كانت محادثات الانضمام الى الاتحاد، تتقدَّم عام 2005 ببطء شديد، إلّا أنها على ما يبدو في صيف 2016، لم تعد تثير حماسة أنقرة ولا تدغدغها طالما أنّ القادة الاتراك آثروا التقرّب في الفترة الأخيرة، من جارتهم الأوروبية المشاغبة روسيا. وصحيح أنّ قادة البلدين التركي والروسي، كانا منذ بضعة أسابيع على شفير اندلاع حرب طاحنة بينهم، إلّا أنهم حالياً يعيشون سويّاً «فترةَ شهر عسل» تُفقد الاتحاد الأوروبي صوابه.
في النهاية، كانت محاولة الانقلاب الفاشلة، بمثابة صدمة كبيرة بالنسبة لدول الغرب والتي طالتها تردّداتها وكادت أن تتجاوز حدودها بأشواط. اما النتائج الاستراتيجية للانقلاب الفاشل، فهي تثير القلقلة في أوساط أوروبا وأميركا من دون أدنى شك، غير أنها ما تزال غير واضحة المعالم أقلَّه في الوقت الحاضر.عادت مشكلة المهاجرين لتؤرق ليلَ الدول الأوروبية وتُرعبها من جديد. أفلا تكفيها حملة التطهير المُجحفة التي يقوم بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز، حتى تزيد قضية المهاجرين الطين بلّة؟ فحين تنظر دول الغرب في اتجاه خاصرتها الجنوبية النازفة، ترى نفسَها مُجبَرة على تطبيق «واقعية» هنري كيسنجر وإسقاط «عواطفية» جيمي كارتر من حساباتها.
فبروكسل لا تنفك تندّد بحملات التطهير «الكُبرى» التي تطبّق في حقّ الجيش وتشجب الإقالات العشوائية التي تطال كبار الموظفين الإداريين وتحذِّر من مغبّات التنكيل بالوسائل الإعلامية وطلاب الجامعات ناهيك عن آلاف الاعتقالات حتى ضاقت بها السجون.
وها هو الاتفاق الذي تم َّ في شأن المهاجرين خلال شهر آذار الماضي والذي تكلَّل بمحادثات مُثمرة جرت بين ممثلي الاتحاد الاوروبي وقادة أنقرة، مهدَّد بالغرق في بحر إيجه، ذلك لأنّ تدفُّقَ المهاجرين في اتجاه الدول الغربية آخذ في الارتفاع أكثر من أيِّ وقت مضى، حتى بات الهاجس الأوّل والمشكلة الأكبر بالنسبة للعواصم الأوروبية التي ذاقت من إرهاب الجهاديين الأمرّين في الفترة الأخيرة.
لا شك في أنّ تدفّقَ المهاجرين أمسى بالنسبة لدول الغرب «تحدّياً وجودياً» وهذا ما أعلنه أخيراً رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك. فعلى الرغم من هشاشته، كان الاتفاق يعمل بشكل جيِّد، إذ مقابل الانطلاق في مفاوضات انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي وإلغاء تأشيرات دخول رعاياها الى الدول الغربية فضلاً عن هبَة مالية لا تقلّ عن ثلاثة مليارات يورو، التزمت أنقرة باستعادة المهاجرين الذين عبروا الى اليونان من خلال أراضيها.
وحين بدأت دول الغرب تقطف ثمارَ التسوية هذه وتتنفّس الصعداء جرّاء تراجع أعداد المهاجرين المتَّجهين الى عواصمها، عادت أنقرة لتلوِّح بنقض بنود الاتفاق وتجاهلها كلياً.
فمنذ بضعة أيام بدأت وفودُ المهاجرين تتدفَّق بأعداد هائلة لتطيح بالإرتياح الذي عمّ الاتحاد فترة زمنية مرّت كالحلم السعيد. ولفتت اليونان الى أنّ تركيا تضرب منذ محاولة الانقلاب الفاشلة، عرض الحائط ولا تطبِّق الاتفاق الذي أُبرم بينها وبين الاتحاد، وخير دليل على ذلك اختفاء بين ليلة وضحاها، الفرقاطات التي كانت تراقب حركة المهاجرين وتلجمها، من دون توضيح السبب ولا كلَّفت أنقرة نفسها عناءَ التبرير لا سياسياً ولا استراتيجياً.
وفي المقابل، ارتفعت الأصوات في أوروبا داعية الى إعادة النظر بالاتفاق وضرورة وضع «الخطّة ب» على سكّة التنفيذ.
في الواقع، منذ فشل محاولةِ الانقلاب، يستعرض القادة الأتراك عضلاتِهم ويبتزّون دولَ الغرب عبر التهديد بفتح الأبواب على مصاريعها، في حال عدم تسوية مشكلة إلغاء تأشيرات دخول رعاياها الى الاتحاد الأوروبي، في الأسابيع القليلة المقبلة.
بيد أنّ لجنة الاتحاد الأوروبي أوقفت مسألة إلغاء التأشيرات بسبب ممارسات أردوغان الاستبدادية، وتطالبه بنظام عادل وتدعوه الى احترام القيم الأوروبية والحرّيات الشخصية وحقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، تعاني دول الاتحاد ما تعانيه من ازدياد عدد الهجمات الإرهابية عليها وسقوط القتلى والجرحى الأبرياء، وبدأ الاتحاد يلمِّح الى أنه لم يعد يحتاج الى تركيا لاحتواء تدفُّق المهاجرين علماً أنّ أكثر ما يخشاه هو تسلُّل الجهاديين عبر الطرق المخصَّصة للاجئين.
حالياً لا يُخفى على أحد، أنَّ رجب طيب أردوغان، يتصرّف من موقع القوة بعد أن أحكم قبضته على البلاد وضرب بيدٍ من حديد الانقلابيين، وهو يستفيد من قوّته بالطول والعرض، كونه يعلم ضمنيّاً أنّ الدول الأوروبية تحتاج اليه، طالما تَعتبر أنّ تركيا هي بمثابة العمود الفقري بالنسبة لخاصرتها الجنوبية وشريكة استراتيجية لمكافحة الإرهاب وحلّ الأزمات الشرق أوسطية.
كيف لا وقاعدة انجرليك في جنوب البلاد، تستخدمها يومياً طائراتُ التحالف الدولي لضرب مواقع الدولة الإسلامية في سوريا، لذا ليس هناك وارد في قطع الجسور مع تركيا. ولكن منذ مطلع الأسبوع، تدهورت العلاقات بين أنقرة وشركائها الغربيّين، وغدت الأجواء بين ميركل وأردوغان، في منتهى البرودة بل وتكسوها طبَقة جليدية، علماً أنهما الرئيسان الأكثر اهتماماً بقضية المهاجرين واللذان أخذا على عاتقهما حلّها بما يتوفّر لهما من إمكانيات. أضف الى ذلك، يتَّهم الرئيس التركي دول الغرب بمساندة الانقلابيين ضده. كذلك لم تحبِّذ أنقرة رفض برلين إعطاء الرئيس أردوغان الحَقّ في التوجُّه مباشرة عبر الفيديو، للمتعاطفين معه الذين أعلنوا تأييدهم له الأحد في كولونيا.
إزاءَ كلّ التطوّرات هذه، هدّدت بروكسل بتجميد محادثات انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي وطالبت النمسا شركاءها بضرورة وضع حدّ لمهزلة «الخيال الدبلوماسي» الذي لا يستند الى الواقع ولا يمتّ إليه بصلة.
وعلى صعيد آخر، وفيما كانت محادثات الانضمام الى الاتحاد، تتقدَّم عام 2005 ببطء شديد، إلّا أنها على ما يبدو في صيف 2016، لم تعد تثير حماسة أنقرة ولا تدغدغها طالما أنّ القادة الاتراك آثروا التقرّب في الفترة الأخيرة، من جارتهم الأوروبية المشاغبة روسيا. وصحيح أنّ قادة البلدين التركي والروسي، كانا منذ بضعة أسابيع على شفير اندلاع حرب طاحنة بينهم، إلّا أنهم حالياً يعيشون سويّاً «فترةَ شهر عسل» تُفقد الاتحاد الأوروبي صوابه.
في النهاية، كانت محاولة الانقلاب الفاشلة، بمثابة صدمة كبيرة بالنسبة لدول الغرب والتي طالتها تردّداتها وكادت أن تتجاوز حدودها بأشواط. اما النتائج الاستراتيجية للانقلاب الفاشل، فهي تثير القلقلة في أوساط أوروبا وأميركا من دون أدنى شك، غير أنها ما تزال غير واضحة المعالم أقلَّه في الوقت الحاضر.