لم تكن القنابل التي فجرها وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي أثناء استجوابه تحت قبة البرلمان الأسبوع المنصرم واتهامه رئيس البرلمان سليم الجبوري ونواباً بارزين بتهم فساد وابتزاز مالي وأثارت صدمة في الأوساط السياسية، سوى «قنابل دخانية» أفصحت بشكل جلي عن عمق الانقسام السني ـ السني وأزمة القيادة لديهم وسط أزمات متفاقمة منذ سقوط نظام صدام حسين قبل نحو 13 سنة.
ونجح رئيس البرلمان العراقي في اختبار «النزاهة» الذي هدد جدياً مستقبله السياسي وسمعته ودوره في تمثيل المكون السني، عندما أغلق القضاء العراقي أمس دعوى وزير الدفاع العراقي ضده لعدم كفاية أدلة اتهامه بالفساد، فيما بقي مصير الوزير معلقاً حتى جلسة البرلمان المقرر عقدها يوم الاثنين المقبل والتي سيتم فيها التصويت على بقائه بمنصبه أو إطاحته على خلفيه تهم بالفساد وهدر المال العام.
وما زالت اتهامات الوزير العراقي لنواب بارزين أمام أنظار القضاء العراقي خصوصاً وأن المعلومات التي قدمها أحدثت هزة في المشهد العراقي المتخم أصلاً بالأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والتي تمثل قضايا الفساد والرشوة فيها عنواناً واضحاً منذ ما بعد الغزو الأميركي في 2003، إلا أن حديث العبيدي أمام مجلس النواب كان العلامة الفارقة التي حركت المياه في بحر الفساد الراكد وأربكت الحياة السياسية المشوشة.
وفي هذا الصدد، أفرجت الهيئة القضائية التحقيقية المكلفة التحقيق بأقوال العبيدي بشأن اتهامات الفساد التي وجهها خلال جلسة استجوابه الأسبوع الفائت لنواب بارزين عن رئيس البرلمان العراقي لعدم كفاية الأدلة.
وأفاد رئيس الهيئة القضائية التحقيقية القاضيعبد الستار بيرقدار في بيان صحافي أمس أن «الأدلة المتحصلة بحق المتهم سليم عبد الله الجبوري غير كافية، لذا قررت الإفراج عنه وغلق الدعوى بحقه استناداً لأحكام المادة /ب من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم لسنة .»
ومثل الجبوري أمس أمام الهيئة القضائية للتحقيق بالاتهامات التي وجهها العبيدي خلال جلسة استجوابه في الأول من شهر آب الجاري.
وقبيل إصدار قرار البراءة من تهم الفساد، قدم رئيس البرلمان العراقي خلال جلسة البرلمان أمس طلباً طوعياً لمجلس النواب من أجل رفع الحصانة عنه رغبة منه لإتمام الإجراءات القضائية المتعلقة باستكمال التحقيق القضائي ليصوت البرلمان على الطلب بالموافقة.
وبدا الجبوري في كلمته خلال جلسة البرلمان واثقاً من براءته عندما برر سكوته أثناء جلسة استجواب وزير الدفاع الى» التشويش الذي حصل من جراء الادعاءات المزعومة»، لافتاً الى أنه أراد «فسح المجال للجميع أن يعرفوا حقيقة التهم ويتثبتوا من صحتها عبر وسائل التحقيق التي جرت ابتداء من لجنة النزاهة البرلمانية مروراً بهيئة النزاهة وانتهاء بالمؤسسة القضائية، خصوصاً أن العمل لا يزال جارياً على التثبت منها وستنكشف الحقائق لكم وسيدرك بعض من غلب عليه سوء الظن أنه لم يكن موفقاً في ذلك«.
وحذر رئيس مجلس النواب العراقي من محاولة تعطيل» وظيفة الرقابة والمحاسبة لمجلس النواب ضمن مؤامرة كبيرة يعمل عليها الفاسدون الحقيقيون وسراق المال العام للتهرب من المساءلة القانونية، في محاولة منهم لإخفاء الحقيقة والافتراءات المفبركة والباطلة جملة وتفصيلاً«، محذراً من أن «هناك مؤامرات كبيرة على العملية السياسية والنظام العام للدولة ومن المهم أن لا تسمح الخلافات الداخلية في منح أعداء العراق فرصة لتقويض أمن البلد».
ودعا الجبوري كل من «لديه شكوى ضد أي من أعضاء مجلس النواب التوجه الى القضاء بشكل مباشر وبدون تشهير، ومجلس النواب لن يتردد في اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتسهيل عمل القضاء من أجل تحقيق نزيه وشفاف يعمل على رفع المظالم عن أبناء الشعب العراقي كلهم»، مؤكداً أن «البرلمان سيستكمل في الجلسات المقبلة عملية ملاحقة الفاسدين ومحاسبة المقصرين«.
كما صوت البرلمان العراقي على رفع الحصانة عن كل من النائب محمد ناصر الكربولي والنائب طالب المعماري بناء على طلبهم وبشكل طوعي، نظراً الى ما أثاره وزير الدفاع من اتهامات ضدهما ولاستكمال الإجراءات التحقيقية.
وبرغم نجاة الجبوري من تهم الفساد، إلا أن مصير العبيدي الذي حقق شعبية واسعة خلال الأسبوع الماضي، ما زال في عهدة البرلمان الذي يحتاج لفسحة من الزمن للتعافي من تداعيات جلسة استجواب العبيدي التي هزت صورته أمام العراقيين، وهو ما دفعه الى تأجيل استكمال إجراءات استجواب وزير الدفاع والتصويت على اقتناع المجلس بأجوبته من عدمها الى جلسة يوم الاثنين المقبل.
وأفادت مصادر مطلعة لجريدة «المستقبل» أن «جلسة البرلمان العراقي (أمس) التي ترأسها نائب الرئيس ئارام شيخ محمد شهدت انقساماً حاداً بين النواب بخصوص طرح الثقة بوزير الدفاع وإقالته من منصبه، بينما طالب نواب آخرون بتأجيل التصويت على الاقتناع بإجابات العبيدي من عدمها والخاصة باتهامه بالفساد وهدر المال العام وإبرام صفقات فاشلة، الى جلسات مقبلة وانتظار نتائج التحقيق مع رئيس البرلمان ونواب آخرين اتهمهم العبيدي بممارسة ضغوط عليه وابتزازه مالياً ومحاولة الحصول على عمولات عن تعاقدات بملايين الدولارات«.