لا جدال بشأن اهمية العلاقات المصرية ـ السعودية، فالرياض يعنيها وجود نظام مصري مستقر وقادر على السيطرة على البلاد، وأي تهديد للاستقرار في مصر تنعكس نتائجه سريعاً على السعودية. في حين ان القاهرة تنظر الى السعودية باعتبارها حليفاً قوياً قادرا على دعم النظام السياسي في الأزمات اقتصاديا وسياسياً.
ولا شك أن البلدين تجمعهما الكثير من المواقف والرؤى سواء في ما يتعلق بالحرب على الإرهاب، أو في حل الأزمات المتفجرة في الوطن العربي. ولكن كل ذلك لا ينفي وجود هامش من الاختلاف يحاول الطرفان إخفاءه وعدم طرحه علانية على الأقل في الوقت الحاضر.
زيارة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير للقاهرة، كانت مناسبة جيدة لتأكيد توافق البلدين حول مختلف القضايا وغياب أي خلاف، والمؤتمر الصحافي الذي جمع الوزير السعودي بنظيره المصري سامح شكري، تضمن تأكيداً على التطابق، لدرجة تبعث على الشك والتساؤل حول الخلافات الكامنة بين البلدين.
وأكد الوزيران، في المؤتمر الصحافي المشترك، على عمق العلاقات الثنائية بين السعودية ومصر على كافة الأصعدة، والتطابق في وجهات النظر بينهما في القضايا الرئيسية في المنطقة العربية، مثل اليمن وسوريا والعراق وليبيا ومكافحة الإرهاب.
ولكن التأكيدات نفسها التي ظل الوزيران يرددانها، عبرت عن التباين بين الطرفين، خاصة أمام أسئلة الصحافين.
وربما يكون الملف السوري هو أكثر ما عبر عن التباين في وجهتي النظر السعودية والمصرية، فالوزير سامح شكري أكد على أهمية الوصول الى حل سياسي في سوريا على أساس مقررات «جنيف 1»، ونفى أن تكون هناك مبادرة مصرية سورية يجري الإعداد لها، وأن هناك مجرّد اتصالات ومشاورات مع روسيا، بينما كان الوزير السعودي أكثر وضوحا عندما قال إن الجميع متفق على إبعاد الرئيس بشار الأسد عن المشهد، وإن الاتصالات مع روسيا هدفها دفع روسيا الى وقف دعمها للأسد.
ولم يخل المؤتمر الصحافي بالطبع من الترحيب والحفاوة، والتأكيد على عمق العلاقات بين البلدين، ورفض أي تدخل في الشأن العربي، والذي خص به الجبير إيران بشكل صريح، اضافة الى التشديد على خطورة الإرهاب وتعاون البلدين ضده.
والحقيقة أنه يمكن الحديث عن ترتيبات مختلفة لأولويات كل من مصر والسعودية بالنظر الى الازمات الاقليمية وطريقة التدخل فيها، وخاصة في ما يتعلق بالملف السوري.
ومعروف ان السعودية تضع «وقف تمدد النفوذ الإيراني» في اليمن وسوريا والعراق كأولوية أمامها، لما يمثله ذلك من خطر محدق على نفوذها في الوطن العربي، بحسب رؤيتها. وقد يكون اللجوء الى قوى إسلامية سنية مثل «الإخوان المسلمين» أمراً مقبولاً، لا بل وضرورياً لوقف هذا «الخطر». كذلك، فإن التحالف مع دول مثل تركيا وقطر قد يكون ضروريا في الصراع ضد الجمهورية الاسلامية.
هذا الترتيب للأولويات جعل السعودية تعمل من وقت الى آخر على إجراء مصالحة بين مصر وقطر، وكذلك بين «الإخوان المسلمين» والنظام المصري.
ولكن لا يبدو ان هذا الترتيب مقبول من الجانب المصري، فالرئيس عبد الفتاح السيسي لا يرغب في صعود نجم «الاخوان» مجدداً، سواء في مصر، او حتى في اليمن وسوريا وليبيا. لذلك فإن اولويته في المرحلة الراهنة تتمثل في غياب «الإخوان المسلمين» من الترتيبات الاقليمية المحتملة.
الخلاف كان ليصبح أقل قيمة لو كانت مصر قادرة على تعويض احتياج السعودية لسد الفجوة مع إيران على الأرض. ولكن إحجام مصر عن التدخل في اليمن، بالدرجة المطلوبة من السعودية، وغياب دورها على الأرض في سوريا والعراق، جعلا المملكة أمام خيارات محدودة.
ويبدو التباين أكثر وضوحا عند الحديث عن بدائل في اليمن وسوريا، فالرؤية السعودية التي لا تستبعد دوراً لـ «الإخوان» في مواجهة النفوذ الإيراني في كلا البلدين، وتقبل وإن بشكل غير مباشر بدور لـ «الإخوان» في الترتيبات المستقبلية في سوريا واليمن، وهو ما يعني، بعبارة اخرى، امتداداً إقليمياً لـ «الإخوان المسلمين»، بما ينعكس على «إخوان» مصر في صورة دعم غير محدود على المستويين المعنوي والمادي. كما يعني في الحالة السورية بالذات وجود حليف قوي لتركيا وقطر لا يدعم «إخوان» مصر فحسب، بل يشكل ضغطا على الدور الإقليمي لمصر.
السفير هاني خلاف، مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون العربية يقول في حديثه الى «السفير»: «لا يمكن الحديث عن خلاف استراتيجي، ولكنه مجرد خلاف نسبي أو تباين في وجهات النظر والأولويات».
ويضيف خلاف ان «مصر بدأت تطور رؤيتها للوضع في سوريا على أساس أن بقاء نظام الأسد أقل خطرا من صعود جماعات متطرفة في سوريا. لذا فمصر ترى أهمية لوجود بديل لنظام الأسد في سوريا قبل سقوطه، وإلا فإن السيناريوهات الاخرى، قد تترك فراغا لصالح الجماعات المتشددة والتكفيرية».
ويرى خلاف انه «إذا تمت إطاحة الأسد من دون وجود بديل جاهز لسد الفراغ فستسقط سوريا في يد داعش، وسيكون هذا السيناريو كارثة على المنطقة كلها».
ويرى خلاف أن السعودية تضع الأمر بشكل مختلف، فهي «تريد إسقاط الأسد، ولكنها لا تقدم تصوراً للمستقبل، وهنا جوهر التباين بين البلدين».
ويضيف ان «التصريحات والأحاديث الصادرة عن الطرفين تشير إلى هذا التباين في وجهات النظر في ما يخص سوريا تحديداً. أما في اليمن فلا يمكن تحديد خلاف بين البلدين، اذ لا توجد ملامح واضحة للمشاركة المصرية في الحرب، وحتى القطع البحرية التي تحركت من مصر لباب المندب لم نعرف ما قامت به من مهام، أو الدور الذي ذهبت لتقوم به».
ويختم خلاف قائلاً «ربما حجم الاتفاق والتباين في القضية السورية بين البلدين أوضح كثيرا من اليمن، ولكن في كل الأحوال هو مجرد تباين لا يؤثر على التحالف القائم».
ترددت الكثير من التكهنات حول العلاقات المصرية - السعودية، خاصة عقب رحيل الملك عبدالله، وتولي الملك سلمان الحكم خلفاً له. وبالرغم من ان هناك الكثير من الشواهد على خلافات في الرؤى للأوضاع الإقليمية بين مصر والسعودية ـ وهي تزيد وتنقص من وقت الى آخر ومن مكان الى آخر ـ إلا أن ما تأكد طوال الفترة الماضية، أن ما يجمع البلدين من مصالح مشتركة، وما يهددهما من مخاطر مشتركة، أهم كثيرا، من الخلافات التي يمكن، حتى الآن، تفاديها.