يتهيأ الإيرانيون للإنتخابات البرلمانية التي تجرى في شباط (فبراير) من العام 2016، وسط ظروف وتطورات متسارعة علی المستوی الداخلي أو علی مستوی العلاقات الخارجية.
وبسبب الاهمية التي تكتسبها هذه الانتخابات في السياسة الايرانية فإن معركتها بدأت مبكّرة بعض الشيء، أولاً لأنها الأولی التي تُجرى في عهد الرئيس المعتدل حسن روحاني، ورغبة المعتدلين، والإصلاحيين تحديداً، انتزاع الغالبية من مقاعد البرلمان التي يسيطر عليها الأصوليون لصالحهم، ثانياً ان انتخابات مجلس خبراء القيادة تتزامن مع الانتخابات البرلمانية، حيث تستعد الأوساط الحزبية والفعاليات السياسية والدينية لدعم مرشحين ينسجمون مع توجهاتهم لخوض هذه الانتخابات والاستحواذ علی مقاعد مجلس خبراء القيادة لما لها من أهمية في انتخاب المرشد في حال غيابه.
اعترف وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي الذي تُشرف وزارته علی هذه الانتخابات ببدء المنافسة الانتخابية في جميع المناطق الايرانية بأشكالها المختلفة بغية توفير الاجواء لخوض هذه الانتخابات، معرباً عن اعتقاده ان الانتخابات ستشهد منافسة قوية بين التيارات والأحزاب المختلفة تستدعي المزيد من الحذر والحكمة للحيلولة دون إساءة جهات اجنبية لأجواء الانتخابات.
ويظهر واضحاً من كلام المسؤول الإيراني حساسية وأهمية هذه الانتخابات التي وصفها المنظّر الإصلاحي سعيد حجاريان بأنها ستعيد للذاكرة انتخابات «الثاني من خرداد» وهو تاريخ الفوز الكاسح الذي حققه الرئيس الإيراني الإصلاحي الاسبق محمد خاتمي في الانتخابات الرئاسية عام 1997.
وتتفق التوقعات علی أن الخريطة السياسية للبرلمان الايراني القادم ستختلف عن الخريطة السياسية للبرلمان الحالي الذي يسيطر عليه الأصوليون المتشددون، بسبب عوامل عدة أهمها ارتباط هؤلاء برئاسة الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، حيث يسعی الأصوليون للتنصل من تلك الفترة وانعكاساتها علی المجالات السياسية والاقتصادية. فاذا استبعدنا تفاؤلات الاصلاحيين، يبدو أن المعتدلين من التيارين الإصلاحي والأصولي سيكون لهم الحظ الأوفر من المقاعد النيابية بسبب قربهم من السياسة التي تنتهجها حكومة روحاني في المجال الداخلي وفي مجال علاقات ايران الدولية.
وتنشط الاحزاب والتجمعات السياسية في داخل التيارين الأساسيَّيْن الإصلاحي والأصولي من أجل عقد ائتلافات انتخابية تستند علی رؤی موحدة أو قريبة من القضايا المطروحة علی الساحة الإيرانية.
التيار الاصلاحي
فالإصلاحيون خاضوا تجربة تُعتبر موفقة لهم عندما انسحب مرشحهم محمد رضا عارف لمصلحة المرشح المعتدل القريب عنهم حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية السابقة، وبذلك يريدون الاستفادة من تلك التجربة لخوض الانتخابات البرلمانية، خصوصاً ان الحظر القانوني علی عمل أكبر حزبين إصلاحيين (حزب جبهة المشاركة الاسلامية ومنظمة مجاهدي الثورة الإسلامية) لا يزال سارياً، فيما تحاول أوساط أصولية الضغط علی الجهاز القضائي لعدم السماح لقادة هذين الحزبين من التشكل في إطار أحزاب جديدة.
ومن المبكّر تصور الخريطة الســــياسية للإصلاحيين لأنها في طور التشــكُّل استناداً للمشاورات المكثفة التي تعقدها الأحزاب والتجمعات السياسية والمهنية المنضوية تحت راية التيار الإصلاحي، بغية اختيار الآلية المـــناسبة لدخول الانتخابات عبر أحزاب قديمة كحزب عمال البناء «كاركزاران» (القريب من رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني)، وجـــديدة (مــثل حزب «ندا» الذي يقوده السياسي صادق خرازي القريب من الرئيس محمد خاتمي).
ويواجه الإصلاحيون حالياً مشكلات متعددة، كالخلافات التي تعصف بأجنحتهم الحزبية وعدم وجود تنسيق مركزي، إضافة الی ان العديد من رموزهم سيصطدم بحاجز مجلس المحافظة علی الدستور الذي عهد إليه القانون النظر في صلاحية المرشحين، وبذلك فهم أمام اختبار صعب وعليهم انتخاب المرشحين الذين يحظون بتأييد الشارع أولاً، ويستطيعون المرور من فيلتر مصفاة مجلس صيانة الدستور.
التيار الأصولي
أما الأصوليون فإنهم مشتتون الی اقسام مختلفة، حيث لم ينجحوا إلى الآن في اعادة تركيب صفوفهم بعد هزيمتهم في الانتخابات الرئاسية السابقة التي فاز بها الرئيس حسن روحاني.
ويمكن تقسيم الاصوليين الی سبعة فصائل، وهم انصار المرجع المتشدد محمد تقي مصباح يزدي، وجمعية العلماء المناضلين «روحانيت»، وحزب المؤتلفة الإسلامي، وأنصار الرئيس احمدي نجاد، وأنصار علي لاريجاني رئيس مجلس الشوری، وأنصار علي أكبر ناطق نوري رئيس مجلس الشوری السابق، إضافة الی أنصار جمعية التدريسيين في الحوزة الدينية بمدينة قم.
ويعتبر انصار المرجع مصباح يزدي الذين ينضوون تحت شعار جبهة الاستقامة «بايداري» من أكثر فصائل الأصوليين تشدداً حيال جميع القضايا السياسية والاقتصادية المطروحة، حتی أنهم يختلفون عن أقرانهم في العديد من التصورات ما يجعل ائتلافهم مع الآخرين امراً في غاية التعقيد، اللهم إلا أنصار الرئيس احمدي نجاد الذين يعتبرون من أقرب فصائل الاصوليين إلى جبهة الاستقامة، لكن المشكلة في ان اداء هذه الجماعة خلال رئاسة احمدي نجاد لم يكن مشجعاً، وأن ذاكرة الرأي العام ما زالت تحتفظ بإخفاقات متعددة ولا تريد العودة الی تلك المرحلة، وبالتالي لم يعد سهلاً علی هاتين الجماعتين الائتلاف لخوض الانتخابات لأن مؤشرات النجاح لم تعد ممكنة، خصوصاً ان مرشح جبهة الاستقامة النائب روح الله حسينيان هُزم في الانتخابات الداخلية لرئاسة مجلس الشوری التي أُجريت في 26 الجاري امام منافسه علي لاريجاني حيث لم يحصل سوی علی 36 صوتاً مقابل 205 أصوات حصل عليها علي لاريجاني. لكن المتفائلين بشأن أنصار أحمدي نجاد يعتقدون ان هؤلاء سيتحركون في المنطقة الرمادية من أجل الحصول علی عدد من المقاعد البرلمانية، خصوصاً تلك المقاعد التي تخص الأرياف والمدن الصغيرة، لكن العضو البارز في حزب جهاد البناء «كاركزاران» الاصلاحي محمود مرعشي يری ان انصار احمدي نجاد لن يحصلوا حتی علی مقعد واحد في البرلمان الجديد «لأن السيد احمدي نجاد ألحقَ اضراراً لم يُلحقها أي شخص في التاريخ الإيراني».
التيار المعتدل
وتدور التكهنات علی دور المعتدلين في كلا التيارين القريبين من برنامج الرئيس حسن روحاني، استناداً الی الخلافات الداخلية في التيارين الرئيسيَّيْن الإصلاحي والأصولي.
ويری المنظّر السياسي الأصولي حسين كنعاني أنّ التيارين الأصولي والإصلاحي غير قادرين علی الفوز بغالبية المقاعد البرلمانية «وربما تتكرر تجربة الانتخابات البرلمانية البريطانية الأخيرة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية القادمة».
لكن المؤشرات الأولية ترشّح دعم الناخب الإيراني برنامج الاعتدال الذي يقوده روحاني الذي يتمسك بثوابت الثورة الاسلامية من جهة، وبنهج الاعتدال في السياسة الداخلية والخارجية بما في ذلك القضايا الاقتصادية.
وأمام المشهد الانتخابي قضيتان محوريتان ستكونان المحك لأي قائمة انتخابية، سواءً من الإصلاحيين أو الأصوليين أو المعتدلين، وهما نتائج المفاوضات النووية، والأداء الحكومي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن الطبيعي فإن نجاح حكومة الرئيس روحاني في المفاوضات النووية والتوقيع علی الاتفاق النووي المنتظر في نهاية هذا الشهر سيكون عاملاً مهماً في دعم نهج الاعتدال.
أما الأداء الحكومي فسيكون مؤثراً في طبيعة التحالفات الانتخابية، كما سيؤثّر في توجهات الناخب الإيراني، لأن تحسين القدرات الشرائية للمواطنين وتخفيض مؤشرات البطالة والركود والتضخم ستكون لها تأثيرات مباشرة علی الناخب. واذا نجحت الحكومة في ادارة البلاد في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي، وتوظيف العائدات المالية بشكل مدروس في العملية الاقتصادية بالشكل الذي يبعث الأمل للمواطنين، وتحديداً الفئة الشابة، فإن ذلك سيؤثر في نتائج الانتخابات.