من خلال متابعة إفادات الشهود الذين أدلوا حتى اليوم بإفاداتهم أمام المحكمة الدولية، تتراءى أمام المتابعين مجموعة متصلة من التواريخ والأحداث والمشاهد التي تعيدنا إلى ذاكرة الحياة السياسية التي عاشها اللبنانيون خلال السنوات الطويلة من الوصاية، والتي سادها النظام الأمني السوري - اللبناني المشترك بالكثير من الارتكابات والخوف وبالكثير من التهديد والتخوين... وحملات الافتراء التي مهّدت لكل عمليات الاغتيال.
... شهادات تعيدنا إلى سنوات إلقاء القبض على البلاد بفائض كبير من القوة التي استعملت في الكثير من المحطات لترويع قادة الرأي والمواطنين والسياسيين والكُتّاب الى حدود الإلغاء.
... شهادات تحاول أن تستعيد ذكريات تلك الأيام التي حاولوا فيها تعطيل البلد والحكومة وأن يلقوا في فضاء التحقيق الدولي رياحاً كثيفة من الغبار بغرض التعمية والتشكيك وتحويل الأنظار في كل الاتجاهات على أنها معركة رأي عام!
هي شهادات تحاول أن تساعد الادعاء العام على فك شيفرة ذلك الصندوق الأسود بكل ما يحتويه من انتهاكات وأساليب اتُّبعت في إدارة البلاد، من قِبل منظومة مخابراتية واحدة تميزت بالعنف وضيق الأفق والحقد والغرور والغباء وما الاعتداء على تلفزيون «المستقبل« عام 2003 سوى عينة عن بداية الرسائل المتفجرة التي كانت تصل للرئيس الحريري باستهداف حرية الإعلام .
هي شهادات تعيدنا إلى مجموعة من الهواة التي اختبأت خلف بدلتها العسكرية للتسلل إلى الحياة السياسية بعد أن أغوتها السلطة في محاولة حثيثة منها للاستيلاء على مقدرات الدولة ومؤسساتها خصوصاً وضع اليد على وزارة العدل والمال وإقصاء من لا يدين لها بالطاعة والولاء في تجربة تشبه إلى حد بعيد ما تقوم به عائلات المافيا مع خصومها في تصفية الحسابات ....
هي شهادات لفهم كيف حاول هؤلاء إرساء مفاهيم أمنية مستوردة من نظام شمولي بائس بغرض تطويع نظامنا الديموقراطي وحياتنا المشتركة كلبنانيين، من دون أن يقيموا أي وزن للدولة وللقانون والدستور وللرأي الآخر ومن دون الأخذ بالتوازنات الدقيقة والعقود الوطنية التي اختارها اللبنانيون في اتفاق الطائف .
... شهادات أضاءت سماء الحقيقة من مروان حمادة إلى باسم السبع ووليد جنبلاط إلى هاني حمود وفؤاد السنيورة أعادوا فيها ترتيب الأحداث بدءاً بـ«المعنى الحقيقي للرسالة الدموية التي وصلت إلى رفيق الحريري من خلال محاولة اغتيال النائب والوزير مروان حمادة في 01/10/2014 وصولاً إلى يوم التي وقعت فيه جريمة الاغتيال مروراً بالمحطات والتواريخ السياسية الكبرى التي سبقت وتلت الاستشهاد«.
شهادات ترسم لك اللوحة كاملةً للدوافع السياسية لجريمة الاغتيال، ليس أقلها قرار الرئيس الحريري خوض الانتخابات النيابية في 2005 في كل لبنان من دون ودائع كانت تُفرض عليه على الدوام، ورغم محاصرته بقوانين انتخابية لا تشبه الطائف بشيء، فقسمت العاصمة إلى ثلاث دوائر طائفية ومذهبية ورغم ذلك لم تتزحزح قناعته بالفوز فيها رغم ابتداعهم قانوناً فُصّلَ على قياس حلفائهم من الجنوب إلى الشمال.
... شهادات تعيدنا إلى دقائق ذلكَ الاجتماع الذي اختصرَ كل صفات المأساة التي تعيشها الكثير من أوطاننا العربية مع الأبناء الذين ورثوا الحكم عن آبائهم من دون أدنى شروط القيادة أو أي من المؤهلات الواجبة لرئاسة البلاد. هي شهادات تعيدك إلى ذلك اللقاء في كانون الأول 2003 والذي استدعي فيه رفيق الحريري إلى سوريا لإبلاغه بدقائق معدودة وبأشد التعابير قسوة وابتذالاً قرار رأس النظام هناك التمديد لإميل لحود رئيساً، غير آبه بكل ما صدر من قرارات دولية وفي تحدٍ غير محسوب النتائج لإرادة الغالبية العظمى من اللبنانيين والمجتمع الدولي بضرورة انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ذلك الاجتماع الذي عُنفَ وُهددَ فيه رئيس حكومة لبنان ورئيس أكبر كتلة برلمانية فيه: أنه في حال عدم الخضوع لمشيئته لن يتوانى عن تكسير البلد على رأسه ورأس وليد جنبلاط متهماً إياهما بالتآمر على سوريا والاستقواء بفرنسا شيراك ثم اتهامه بالوقوف وراء صدور القرار 1559 الذي نصَ صراحة على انسحاب القوات السورية من لبنان وتجريد كل الميليشيات الموجودة على أراضيه من السلاح .
... شهادات تعيدنا إلى لقاء العودة إلى كليمنصو حيث قررَ فيه رفيق الحريري بنصيحة من وليد جنبلاط تفادي الهمجية... وتجنب التهديد... وحماية البلد من الاحتمالات الأكيدة بالقتل والتخريب وإشعال الفتنة المذهبية والسير بتعديل الدستور والتمديد للحود... بالرغم من صعوبة الموقف على رجل دولة عملَ طويلاً بكل ما استطاع للإفلات من دائرة الإملاء والارتهان .
... شهادات تعيدنا بالذاكرة لذلكَ النهار المشؤوم في 14 شباط 2005 الذي أسقطوا فيها لبنان في حفرة كبيرة من الدموع والدماء ظناً منهم أنها ستكون أياماً قليلة من الحزن وتمضي إلى النسيان، فلم يقدروا أبداً أنَ تلك النيران التي أشعلوها في جسده وبباسل فليحان ورفاقهما الشهداء قد تمتد إلى سوريا لتصل إلى قصر المهاجرين هناك .
هي شهادات تعيدنا إلى سنوات المقاومة الحقيقية لفريق سيادي عابر للطوائف عمل جاهداً من المنابر المتاحة كافة بمجلس النواب ولائحة الشرف الـ29 التي رفضت التمديد لأميل لحود في شهر أيلول 2004 بالرغم من التهديدات، مروراً بتشكيل لقاء قرنة شهوان ونداء بكركي الشهير عام 2000 ومواقف البطريرك صفير التاريخية التي مهدت الطريق إلى الاستقلال الثاني وصولاً إلى لقاءات البريستول التي ساهمت في تحرير لبنان من الوصاية والذين كل منهم على طريقته أخذ قراراً بالتصدي ومواجهة الإنقلاب على الحياة المدنية وإرثَها العميق من الحريات.
هي شهادات للتاريخ عن كيفية إلقاء القبض على الحياة الديموقراطية والعبث بنظامنا البرلماني ومحاولة الاستيلاء على مؤسسات الدولة والإطاحة بما تمَ تحقيقه من عظيم الإنجازات من مشاريع الإنماء وإعادة الإعمار في طول البلاد وعرضها في تجربة لامست المستحيل في كيفية التخطيط وتنفيذ برامج طموحة عملت على إخراج الوطن من محنته ومن الدمار وركام الحروب الأهلية التي أنهكت كل أوجه الحياة فيه ليتحول مثالاً عالمياً يُحتذى ويُدرس في التنمية البشرية وإعادة البناء .
هي شهادات تعيدنا إلى سنوات المقاومة الحقيقية لرفيق الحريري وباسل فليحان وسائر شهداء مقاومة التمادي في منع الدولة من بسط سيادتها دون شركاء على كامل ترابها وحماية حدودها مثلها مثل بقية البلدان، مقاومة عرقلت مشاريع الإصلاحات المالية في باريس واحد وإثنين وثلاثة وإعادة بناء المؤسسات كافة خصوصاً التربوية منها والارتقاء بالفرد اللبناني واقتصاده إلى الموقع الذي يستحق في محيطه العربي والالتحاق بركب التطور والتطوير الذي كان سمة من سمات رفيق الحريري وأحلامه في تحديث لبنان .
هي شهادات تعيدنا إلى المقاومة الصامتة لمن حموا سلمنا الأهلي وقيم العدالة والحريات الفردية والإنسانية وحرية التعبير من بطش أنظمة مغلقة على العائلة وعلى أجهزتها الأمنية والمخابراتية والتي لا يضم قاموسها سوى الكثير من مفردات البطش والاستبداد .
مقاومة إبقاء البلد أسير معادلات الفساد والإفساد والصناديق السوداء التي انتشرت من الكازينو لتشمل مجموعة كبيرة من الإدارات والوزارات والمؤسسات .
هي شهادات تعيدنا إلى مقاومة من قدموا حياتهم في سبيل بناء مستقبل واعد لأوطانهم في مواجهة آخرين امتهنوا العيش في صحراء التاريخ محاولين إسقاط صراعاته الدينية على حاضرنا، الشيء الذي أيقظَ العصبيات المذهبية من كهوفها في سابقة لم تشهدها المنطقة ولبنان في تاريخها الحديث من حقد وتفتت وكراهية ومشاريع تقسيم وانقسام.
إنها شهادات مقاومة للذين يعملون رغم غيابهم القسري عن لبنان لإعادة البلد إلى سكة النمو والإنماء وتشجيع عودة الاستثمارات وخلق فرص عمل للشباب لوقف النزيف المتواصل للأدمغة وهجرة الطاقات المتمادية من لبنان .
فيا سعد الحريري حيثُ أنت ستبقى أمل الشباب بمستقبل لبنان.
هي شهادة تعيدنا بالذاكرة لقدرة ذلك الرجل الاستثنائي الذي وصلَ إلى كل عواصم القرار في العالم لتأمين حماية عمل المقاومة في الجنوب من خلال اتفاق نيسان عام 1996 والضغط في مراحل لاحقة لعدم وضعها على لوائح الإرهاب في العالم حاملاً قناعته الراسخة معه وفي ما يخص مستقبل سلاحها على أنه شأن داخلي، وليس لأي دولة حق التدخل فيه لأي سبب كان .
هي شهادة مقاومة لتيار «المستقبل« الذي وضعَ في أولوية عمله السياسي لبنان أولاً وأن لا خلاص للبنان سوى بإبعاده عن لعبة المحاور وقيام الدولة القوية القادرة وأن لا يكون لها رديف أو شريك أو أن يتقاسم وظائفها وواجباتها وسيادتها أي طرف كان .
هي شهادات تؤكد أننا لن نرضى العودة إلى أيام الرصاص حيث واصل القتلة المجرمون عمليات الشطب واغتيال من يخالفهم الرأي في السياسة والعقيدة والانتماء .
هي شهادات تعيدنا بالذاكرة إلى تلك المظاهرة الكبرى في وسط بيروت في الرابع عشر من آذار عام 2005 التي ألهمت الشارع العربي وتحولت سريعاً إلى شرارة امتدت مع الربيع العربي في أكثر من مكان وكسرت قيد ذلكَ السجن الكبير الذي تمَ إغلاقه على مستقبل أجيالنا لأكثر من 40 من السنوات .
هي شهادة بأننا لن نرضى لوطن أعاده رفيق الحريري من الحروب الأهلية إلى خارطة الإنماء أن يُصار إلى زجه مجدداً في أتون الحروب المتنقلة هنا وهناك .
هي شهادات نؤكد ما قلناه منذ اللحظة الأولى إن الدخول إلى الرمال المتحركة في سوريا من قِبل أي فريق لبناني مهما كانت إمكاناته الآن لم ولن تعيد أنظمة الاستبداد مرة جديدة إلى الحياة وأنها ستترك نوافذ بلادنا مشرعة أمام رياح عاتية من المخاطر التي تهدد استقرار نسيجنا الوطني في أفضل الاحتمالات.
هي شهادات تحاول أن تُقنع شريكنا في الوطن أن حماية لبنان من الخطر التكفيري لا يمكن أن تأتي من خلال الحروب الاستباقية أو التدخل في أرض الآخرين وأن حماية لبنان مسؤولية قواه العسكرية والأمنية التي وحدها تمثل الإجماع الوطني، ومسؤولية حماية أبنائنا من تلك المحرقة المفتوحة التي لا يمكن أن تحملها أي فئة منفردة مهما امتلكت اليوم من عديد وإمكانات .
هي شهادات لنؤكد أن لبنان كان وسيبقى وطن الاعتدال وأن كل الظواهر التي نشهدها من «داعش« وإخوته وشبيهاته ستنتهي إلى الهلاك لأنها نتاج أجهزة مخابرات متعددة الأشكال، فتلك الأفكار الدخيلة على ديننا والمعتقدات التي تكفر المختلف عنها ليس لها في وجدان أمتنا مكان .
شهادات تساعدنا في فهم كيفَ استطاع الشباب العربي الإفادة مما قدمته ثورة الإتصالات للتواصل في ما بينها والتعبير عن أحلامها وإمكاناتها وفي رفضها البقاء رهينة أنظمة غالت كثيراً في مصادرة أحلامها في الحياة الكريمة والتنمية وفرص العمل وأبقتها في ثلاجة الانتظار عقوداً طويلة من الزمان.
هي شهادات لفهم كيفَ استطاعت الشعوب إشهار تمردها في وجه أنظمة وضعتها طويلاً داخل قوالب جاهزة من العقائد الخشبية في مقاومة المؤامرة والاحتلال إلى الوعود الواهية والثورات المخادعة والشعارات المحنطة ليتضح للجميع لاحقاً أنها لم تكن سوى سراب وأوهام وخداع وقناع ارتدته تلك الأنظمة على مدى عقود لإخفاء واقع أليم عاشه جيل كامل تحتَ رحمة القمع والإهمال والجهل والجمود... والتخلف... واللامبالاة .
هي شهادات تساعدنا لفهم الظروف التي أطلقت ربيع العرب الذي بشرَ به سمير قصير قبل الاغتيال، والتي أدت إلى تهاوي كثير من أنظمة الاستبداد أمام رياح الحرية والتغيير وأمامَ موجات متلاحقة من الغضب والاحتجاج التي شهدتها وها نحن اليوم نشهد فصلاً آخر من فصولها في سوريا حيثُ النظام آخذ في الانحسار والتأكل وعلى شفير الانهيار بالرغم مما قدمه ويقدمه الإنسان فيها من أثمان باهظة في الأنفس والممتلكات .
هي شهادات لنقول للجميع إننا لن نيأس وسنخرج من هذا المأزق الذي أرادوه لنا وسنواجه التحديات بالعقل والتنوير والانفتاح على الثقافات الأخرى والتفاعل مع التجارب الحضارية لمن سبقونا من بلدان وسنعمل على ترسيخ فكرة الدولة والعدالة والحرية في وطننا مهما غلت التضحيات .
هي شهادة كانت بدايتها مع اغتيال قامة بحجم رفيق الحريري في وسط المدينة وآخر دمائها الزكية خسارة رجل بقيمة محمد شطح بالقرب من ذلك المكان ...وبينهما قافلة طويلة من الشهداء الذين قدموا أرواحهم من أجل لبنان...
هي منارات وسط ظلمة وظلام هذا الشرق أضاءت لنا الطريق لإخراج القتلة المجرمين من أرضنا وفضائنا وحياتنا وفي القادم من الأيام.
ما هي إلا أشهر قليلة ونكون أمامَ حكم مبرم لحقيقة كيف خططوا ونفذوا ذلك العمل البربري الجبان.
فيا رفيق الحريري من عليائك وأنت تشاهد ماذا حلَ بالطغاة الآن...
هي شهادة حفرت في روحنا عميقاً لكنها غيرت وستغير وجه عالمنا العربي لأمد طويل من الزمان.