يريد الحزب الاسلامي السني («الاخوان المسلمون« بزعامة رئيس البرلمان السابق اياد السامرائي) مدعوماً من حزب الدعوة الشيعي (بزعامة رئيس الحكومة السابق نوري المالكي) عبر اسقاط وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي، استباق استحقاقات مرحلة ما بعد طرد «داعش» من الموصل مركز محافظة نينوى (شمال العراق)، واطلاق رصاصة الرحمة على الرمزية السياسية لعائلة النجيفي وبخاصة الاخوان اسامة النجيفي رئيس البرلمان السابق وشقيقه اثيل محافظ نينوى المقال، اللذان يقودان حاليا مشروعا جديدا لتشكيل اقليم نينوى المتنوع عرقيا ودينيا.
ويحاول «إخوان العراق» ولا سيما الجناح المؤيد لرئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري وبمساندة من ايران، وبشتى الطرق، إبعاد أي منافس شرس لهم في ادارة نينوى ما بعد «داعش« وخصوصا ان آل النجيفي يتمتعون بعلاقات وثيقة جدا مع تركيا التي تجد فيهم لاعبا يعتمد عليه في المرحلة المقبلة، حيث كانت اقالة العبيدي تجسيدا للصراع السني ـ السني ومحاولة «الحزب الاسلامي» توفير بدائل عن شركائه في اتحاد القوى السنية (اكبر تكتل نيابي سني) تضمن له زعامة الساحة السنية.
ولم تكن محادثات الجبوري في طهران الاسبوع الفائت بمعزل عن مساعي الامساك بأوراق المكون السني ومستقبله السياسي، وخصوصا انها جاءت بالتزامن مع ازمة العبيدي مع البرلمان العراقي ورغبة الجبوري في الحصول على ضمانات ايرانية بالتعامل معه على انه الرأس السني الاوحد والناطق باسم المكون الذي يعاني من ازمات امنية واجتماعية واقتصادية، وتشظيا وضعفا في واقعه السياسي منذ سقوط نظام صدام حسين في 2003 .
ولا يبدو ان الاطراف السنية العلمانية المنافسة للاخوان في العراق مستعدة للتنازل عن نفوذها ودورها او رفع الراية البيضاء لمنافسيها، وهي تسعى بكل الطرق الى عرقلة مساعي ابعادها عن المشهد السياسي السني وعدم التخلي عن وزير الدفاع المحسوب على ائتلاف النجيفي من خلال اللجوء الى القضاء.
وفي هذا الصدد، أفاد مصدر سياسي مطلع أن «كتلة متحدون (بزعامة اسامة النجيفي) تدافع باستماتة عن مرشحها العبيدي برغم ان البرلمان اقاله بتهم فساد«، مشيرا الى ان «اطراف كتلة متحدون تعول على ان العبيدي سيعود الى منصبه بعد ان يقدم طعنا الى القضاء في آلية الاستجواب وما تلاها من احداث وتداعيات، وهي تنطوي بطبيعة الحال على مخالفات دستورية«.
واضاف المصدر في تصريح لصحيفة «المستقبل« ان «الشعور السائد لدى اطراف سياسية شيعية وسنية مؤيدة للعبيدي يشير الى ان القضاء العراقي تورط بالقضية واصبح جزءا من لعبة التوافقات السياسية والمرعية من دول اقليمية مثل ايران واميركا، حيث وصلت اليهما رسالة رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي بالرغبة في الابقاء على العبيدي وزيرا للدفاع وقد وافقوا على طلبه شرط ان يفسح المجال البرلمان في ان يعيد هيبته التي أسقطها العبيدي على حين غرة ولا سبيل سوى قبول الطعن الذي سيقدمه العبيدي للقضاء«.
وفي السياق نفسه، اتهم ائتلاف «متحدون للإصلاح» (برئاسة أسامة النجيفي) من وصفهم بـ»معسكر الفساد» في الوقوف وراء سحب الثقة من العبيدي .
وقال بيان للائتلاف حصلت جريدة «المستقبل« على نسخة منه ان «عملية سحب الثقة من العبيدي رسالة سيئة ضربت الامل في دحر الفساد والفاسدين وقدمت صورة محزنة للوضع السياسي في العراق«. وأضاف البيان ان «الاستجواب سياسي ويفتقد شرطه القانوني بدليل وجود دعاوى بين المستجوب والمستجوب معروضة على القضاء، والاستهداف واضح لتكراره مرتين في سنة واحدة»، مبينا ان «الاتهامات التي اعلنت في جلسة الاستجواب والتي طالت رئيس مجلس النواب وعددا من النواب معروضة على القضاء وله كلمة الفصل فيها«. وتابع البيان ان «جلسة البرلمان (اول من امس) التي شهدت عملية سحب الثقة لم تكن قانونية ولا سند قانونيا يمكن أن يجعلها سرية، كما أن النواب لم يصوتوا على الشكل الذي تمت به وهو مخالف للنظام الداخلي لمجلس النواب»، مؤكدا أن» الاستهداف السياسي فعل فعله وهذا اعتداء صارخ على المؤسسة العسكرية وضربة للجهود المبذولة من أجل تحرير مدينة الموصل التي صدمت بسحب الثقة عن العبيدي«.
وأكد ائتلاف متحدون أنه «ستتخذ كل الاجراءات القانونية في الطعن بجلسة سحب الثقة والمقدمات التي قادت إليها لأن ما جرى يدلل على وجود معسكرين معسكر مع الدولة ومع القانون، ومعسكر آخر يحاول ابقاء حالة التشرذم والانقسام وضرب أي صوت يحاول كشف فساده«.
ويحاول ائتلاف دولة القانون النأي بنفسه عن الصراع الدائر في الساحة السياسية السنية برغم ان عملية استجواب وزير الدفاع المقال بتهم الفساد تمت بناء على طلب عالية نصيف النائبة عن ائتلاف المالكي الذي اظهر تحمسا كبيرا لإقالة الوزير من منصبه لضرب عصفورين في وقت واحد، الاول اثارة نزاع سياسي سني ـ سني للتغطية على الخلافات داخل التحالف الشيعي الحاكم، والاخر إضعاف العبادي الذي سحب بساط السلطة من تحت المالكي عندما تولى رئاسة الوزراء بدلا عنه وفقا لتوافقات داخلية واقليمية ودولية.
وأكد النائب عبد الهادي موحان عن «ائتلاف دولة القانون» عدم وجود أي استهداف شخصي او سياسي للعبيدي. أضاف موحان في تصريح صحافي امس ان «هناك صراعات داخل المكون السني والتراشق بينهم يمثل محاولة من البعض لزعامة المكون السني«.
وأوضح أن «المكون السني يفتقد زعامات وقد تبلور في المرحلة الاخيرة بأن الجبوري (رئيس البرلمان) أصبح رمزا من الرموز السنية التي يجب ان ينضوي تحتها المكون السني، الا ان كتلة متحدون رفضت ذلك رفضا قاطعا، وأرادت ان يكون اسامة النجيفي (رئيس البرلمان السابق) هو صاحب القرار في المكون السني، لكن اطرافا خارجية تصدت لهذا الامر لكون النجيفي اصبح يمثل الان الجناح التركي والحزب الاسلامي له دور كبير في المناطق السنية والمدعوم اقليميا«.
وكان مجلس النواب صوّت في جلسته اول من امس على سحب الثقة من العبيدي بعد ان صوت قبل اكثر من اسبوعين على عدم اقتناعه بأجوبة جلسة استجوابه في تهم فساد عقدت في مطلع شهر آب الجاري، واتهم فيها رئيس البرلمان سليم الجبوري ونوابا من تحالف القوى السنية بالفساد ومحاولة ابتزازه لتمرير صفقات أسلحة وعقود بعشرات ملايين الدولارات.
وفي التطورات الميدانية، وضعت الحكومة العراقية استعادة حويجة كركوك (شمال شرق العراق) من قبضة تنظيم «داعش« نصب اعينها في خططها الرامية لاستعادة المدن من سيطرة المتشددين بالتزامن مع استمرار تقدم القوات الأمنية العراقية وكسبها لمزيد من المدن والمناطق التي يحتلها التنظيم المتشدد واخرها ناحية القيارة ( كيلومترا جنوب الموصل).
وقال النائب عن محافظة كركوك خالد المفرجي في تصريح تابعته جريدة «المستقبل« ان «وفدا عربيا ضم عددا من النواب ونائب محافظ كركوك راكان سعيد، التقى قبل ايام العبادي لبحث اوضاع قضاء الحويجة والنواحي التابعة لها والمطالبة بسرعة تحريره»، مؤكدا أن «الوفد أشار الى مأساة النازحين الذين هربوا من داعش الى مناطق القوات الأمنية وإمكانية توفير كل ما يحتاجون له للعيش لحين تحرير القضاء وإرجاعهم الى مناطقهم«.
وأوضح النائب عن محافظة كركوك أن «العبادي أكد للوفد أن معركة الحويجة مهمة جدا وأنه على اطلاع كامل بما يعانيه القضاء من أزمة انسانية كبيرة»، مؤكدا أن «قضاء الحويجة سيكون معركتنا المقبلة والحفاظ على ارواح وممتلكات المدنيين هي من مهام القوات المحررة«.
ونقل المفرجي عن العبادي تأكيده أن «الحكومة بدأت التحرك للتنسيق بين جميع الاطراف المشاركة في عملية تحرير الحويجة لسرعة التحرير وتأمين حياة المدنيين دون وقوع أي انتهاكات بحقهم«.
وطالبت العشائر العربية في كركوك الغنية بالثروات وذات الواقع السياسي الحساس لكونها من المناطق المتنازع عليها بين الاكراد من جهة والعرب والتركمان من جهة اخرى، مرارا في الاونة الاخيرة رئيس الوزراء العراقي والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة والمنظمات الدولية بالتحرك لتحرير قضاء الحويجة من «داعش« «فورا» وان تكون له الاولوية على مدينة الموصل.
يذكر أن مناطق جنوب كركوك وغربها وتضم قضاء الحويجة ونواحي الزاب والرياض والعباسي والرشاد تخضع لسيطرة «داعش« منذ حزيران 2014 ، فيما يقدر عدد العوائل المحاصرة حاليا في تلك المناطق اكثر من خمسة آلاف عائلة.