«لا علاج لمرض «آلزهايمر» مهما كانت سيول الأخبار والقصص التي تفيض بها الإنترنت ووسائل الإعلام العام، مع إعلان شركة «بيوجين» Biogen الأميركية، عن نتائج واعدة لدوائها «آدوكانوماب» Aducanumab في مرحلة التجارب السريرية الأولية على البشر». بهذا التحفظ استهلت مجلة «ساينس» العلمية الشهيرة عرضها لما ضجّت به وسائط الإعلام في شأن العقار الجديد.
ليس «آلزهايمر» مجرد مرض يضرب دماغ البشر تراكمياً، ويوهن قدراته الفكرية والإدراكية والمعرفية، خصوصاً الذاكرة. هناك غير بُعدٍ لـ»آلزهايمر»، يشمل ظاهرة التقدم في العمر في الدول المتقدمة (تسمى «مجتمعات الشعر الأبيض» White Hair Societies)، وهو متغير ديموغرافي استراتيجي عالمياً. وتبرز مفارقة قوية في دواء «آدوكانوماب» الذي صنعته شركة فاز اثنان مؤسسيها الأربعة بـ»نوبل» في الطب.
شباب العقل... شفاء الشيخوخة
تتمثل المفارقة في أن «آدوكانوماب» صُنِعَ «بفضل» ظاهرة التشيّخ في الغرب. ليس لمجرد أن تلك الظاهرة تساهم في تدفق بلايين الدولارات على تجارب لشفاء «آلزهايمر»، بل أن نواة تركيبة ذلك الدواء استُخرجِت من أشخاص شاخوا، لكن أدمغتهم أظهرت مقاومة للشيخوخة، وظلت محتفظة بذاكرتها ومعارفها وذكائها. وعُزِلت مُكونات مناعية صُنِع «آدوكانوماب» على نسق تركيبتها، من أجساد هؤلاء الشيوخ- الشباب. وأعطي الدواء بجرعات شهرية متنوعة لمجموعة من المرضى، بعد أن اجتاز مرحلتي تجارب المختبر والحيوانات. وفي آذار (مارس) 2015، عرضت نتائج مرحلة سريرية بدائية، وكانت إيجابية، في مؤتمر مختص استضافته مدينة نيس الفرنسية.
وتمثل الأخبار الأخيرة التي تناقلتها وسائل الإعلام العام التقليدي والرقمي عن «آدوكانوماب»، نتائج مرحلة ثانية من التجارب السريرية على مرضى يعانون «آلزهايمر». عرضت النتائج في مؤتمر في واشنطن، وكانت إيجابية أيضاً، وفق تصريحات البروفسور ستيفن سالوواي (جامعة براون)، وهو مشارك في تلك التجارب وبحوثها.
ماذا يعني القول بـ»نتائج إيجابية»؟ يرتبط «آلزهايمر» بظهور مواد تتراكم في الدماغ، فتبدو كجزر في أرخبيل ضخم. تسمى تلك «الجزر» صفائح، ولها مُكونات عدة، أهمها مادة تدعى «بيتا- أمايلويد» Amyloid-ß. ونجح «آدوكانوماب» في تخفيف تلك «الجُزر»/ الصفائح، كما ترافق ذلك مع تحسن في الذاكرة والقدرات المعرفية للمرضى. واستطراداً، يمثل الدواء ما يعرف علمياً باسم «جسم مضاد وحيد التناسل»، ويعني ذلك أنه جسم مُضاد يكون فعالاً ضد نوع واحد من الأشياء (بكتيريا، فيروس أو خلية سرطانية...). ومنذ فترة، جرب العلماء مجموعة من تلك الأجسام المضادة كي يضرب «بيتا- أمايلويد»، نجح بعضها وأثار آمالاً سرعان ما كانت تخبو، تاركة وراءها خيبة مع سؤال عن العلاقة بين «بيتا- أمايلويد» والصفائح التي يكونها، وبين مرض «آلزهايمر».
مع ما حققه «آدوكانوماب»، صار العلماء أكثر ثقة بأن الـ»بيتا- أمايلويد» هو المسبب لـ»آلزهايمر»، وهو ما يحسب لذلك الإنجاز العلمي. لكن، هناك قسماً ليس هيناً من المرضى، انسحبوا من تلك التجارب السريرية لأن «آدوكانوماب» تسبب في انتفاخ في أنسجة الدماغ وكذلك بعض المظاهر النزفية فيه. وكلما زادت الجرعة، تحسن حال المرضى، لكن أيضاً زادت نسبة التورم والنزف.
ولعل ذلك يفسر الحذر الذي تبديه مجموعة من العلماء في شأن ما أنجزه «آدوكانوماب»، بل يسود شبه توافق على ضرورة التروي وإجراء مزيد من التجارب المعمقة، قبل التوصل إلى نتائج موثوقة علمياً في شأن قدرة «آدوكانوماب» على شفاء مرض «آلزهايمر».
والأرجح أن الواجب العلمي يفرض أيضاً توجيه تحية وداع إلى البروفسور الأميركي روجر تسين (64 سنة) الذي رحل عن العالم في اليوم الذي أعلنت فيه نتائج «آدوكانوماب». ونال تسين جائزة «نوبل» في 2008، عن بحوثه المتصلة بأعصاب الدماغ وأمراض كـ»آلزهايمر» والسرطان و»باركنسون» وغيرها، ما يعني أن بحوثه ساهمت في تراكم المعرفة العلمية عن «آلزهايمر» ومكافحته.