شكّكت روسيا والمعارضة السورية أمس في الهدنة التي تزايدت هشاشتها بعد خمسة أيام من اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصل إليه وزيرا خارجية الولايات المتحدة جون كيري وروسيا سيرغي لافروف. وأطلق الجيش السوري الحر بدعم من الجيش التركي، المرحلة الثالثة من معركة «درع الفرات» بهدف تحرير مدينة الباب التي يسيطر عليها تنظيم «داعش» شمال البلاد.
وفي حادث لافت، أعلن الجيش الأميركي أن قوات التحالف قصفت بالخطأ موقعاً لقوات بشار الأسد قرب مطار دير الزور تحاصره «داعش»، حيث وقع نتيجة القصف الأميركي أكثر من ثمانين قتيلاً من قوات الأسد.
وفي رد فعل على ذلك، طالبت موسكو مجلس الأمن بالانعقاد في جلسة طارئة لبحث القصف الأميركي لمواقع جيش الأسد، ورأت أن هذا القصف يعرض الهدنة السورية للخطر.
وأوضح الجيش الأميركي أن قوات التحالف أوقفت ضربات جوية جنوبي دير الزور بعد أن قال مسؤولون روس إن الأفراد والمركبات التي استهدفت ربما تكون جزءاً من الجيش السوري. وقالت القيادة المركزية للجيش الأميركي في بيان إن الضربات كانت في منطقة هاجمها التحالف في السابق وإن أعضاء التحالف أبلغوا نظراءهم الروس بها قبل أن تبدأ، قبل أن يعترف مسؤول أميركي رفيع بأنه «متأكد إلى حد كبير» من أن طائرات التحالف قصفت قوات تابعة للأسد من طريق الخطأ.
وذكر بيان صادر عن قيادة القوات الأميركية في الشرق الأوسط إنه «في وقت سابق، شنت طائرة تابعة للتحالف غارة في جنوب دير الزور، في سوريا». وأضاف أن «قوات التحالف اعتقدت أنها ضربت موقعاً قتالياً لتنظيم داعش كانت تراقبه لبعض الوقت قبل القصف. لقد تم إيقاف الضربة فوراً حين أبلغ مسؤولو التحالف من قبل مسؤولين روس بإمكانية أن يكون الأفراد والآليات المستهدفة تابعين للجيش السوري».
ويحدد البيان أن الغارة وقعت في منطقة سبق أن قصفها التحالف في السابق. وقد تم إعلام الروس قبل القيام بالضربة، وهي خطوة تأتي ضمن «الآداب المهنية» لتجنب خطر التصادم بين طائرات التحالف والطائرات الروسية فوق سوريا، ولكن ذلك ليس إلزامياً.
وأكد مركز القيادة الأميركية أن «سوريا هي مسرح عمليات معقد مع وجود قوات عسكرية وميليشيات مختلفة تعمل في محيط قريب، لكن التحالف لم يكن ليستهدف عمداً أبداً وحدة عسكرية سورية». وأضاف أن «التحالف سيبحث في ملابسات هذه الضربة ومعرفة ما إذا كان يمكن استخلاص دروس منها».
وصدر البيان بعد أن قالت روسيا والمرصد السوري إن طائرات للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة قصفت موقعاً للجيش السوري قرب مطار دير الزور ما أسفر عن مقتل عشرات من الجنود السوريين.
وانتقدت وزارة الدفاع الروسية قصف طائرات التحالف جنوداً سوريين يقاتلون مسلحين من تنظيم «داعش» قرب المطار في دير الزور ما أدى إلى مقتل 80 جندياً على الأقل، وأضافت الوزارة أنه إذا كانت الضربات قد نفذت بطريق الخطأ فهذا دليل على رفض واشنطن المتصلب للتشاور مع روسيا بشأن عملياتها العسكرية في سوريا.
وقالت الوزارة إن متشددي «داعش» واصلوا الهجوم على الفور بعد الضربات الجوية وإن معركة شرسة بينهم وبين الجيش السوري جارية في المنطقة التي قالت إن سكانها تلقوا في وقت سابق مساعدات إنسانية أسقطت بالمظلات لفترة غير قصيرة.
وأضافت الوزارة أن الضربات الجوية شُنت بين الساعة الخامسة والخامسة والخمسين دقيقة بالتوقيت المحلي ونفذتها طائرتا إف-16 وطائرتا إيه-10 دخلت المجال الجوي السوري من اتجاه العراق.
وعلى صعيد اتفاق الهدنة الأميركي - الروسي الذي أدى إلى تراجع في أعمال العنف منذ دخوله حيز التنفيذ يوم الاثنين الماضي، فقد تواصلت أعمال العنف في بعض أنحاء سوريا ولم تصل المساعدات التي تم التعهد بإدخالها للمناطق التي تحاصرها قوات النظام والميليشيات الإيرانية المتحالفة معها.
وقالت وزارة الدفاع الروسية إن الأوضاع في سوريا تتدهور وأضافت أنها تعتقد أن وقف إطلاق النار انتهك 199 مرة من جانب مقاتلي المعارضة وقالت إن الولايات المتحدة ستكون مسؤولة عن انهياره إذا ما حدث ذلك.
وألقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بظلال من الشك على التزام واشنطن بالاتفاق قائلاً إنها «تنحرف» عن الدعوة التي وجهتها هي نفسها إلى الصراحة، مضيفاً أنها غير قادرة على الفصل بين المعارضة المعتدلة و»أشباه المجرمين».
وقالت وزارة الخارجية الروسية أمس إن لافروف أبلغ كيري بضرورة مشاركة مسؤولين عسكريين من الولايات المتحدة بشكل كامل في مراقبة وقف إطلاق النار في سوريا.
واتهمت روسيا «المعارضة المعتدلة» بـ»إفشال» اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ منذ خمسة أيام في سوريا، بعد الإعلان عن نحو 50 هجوماً نسبوا إلى الفصائل المعارضة والغارة التي شنها التحالف الدولي على قوات الأسد.
ونقلت وكالة «ريا نوفوستي» عن وزارة الدفاع الروسية قولها إن المركز الروسي للتنسيق في سوريا أبلغ الجانب الأميركي أن «المعارضة المعتدلة أفشلت وقف إطلاق النار» الذي دخل حيز التنفيذ في سوريا الاثنين بعد اتفاق بين موسكو وواشنطن.
وطالبت موسكو الولايات المتحدة بكبح هجوم محتمل للمعارضة شمال محافظة حماه.
وفي سياق متصل، قال مسؤول كبير في المعارضة السورية «الهدنة كما حذرنا وتكلمنا مع الخارجية (الأميركية) لن تصمد»، مشيراً إلى استمرار وجود قافلة مساعدات تابعة للأمم المتحدة على الحدود التركية في انتظار إذن الانطلاق إلى حلب. وأضاف «لا يمكن لمن يشن حرباً على شعب أن يسعى لتحقيق هدنة، كما أنه لا يمكن أن يكون طرفاً راعياً لهذا الاتفاق وهو يقصف ليل نهار وفي المقابل الطرف الآخر أي أميركا دورها دور المتفرج«.
ورداً على سؤال عما إذا كان هناك أي تحرك لقوات الأسد للانسحاب من مواقع على الطريق قال زكريا ملاحفجي رئيس المكتب السياسي لتجمع «فاستقم« المعارض في حلب أمس: «لا يوجد أي تغيير».
وتنتظر قافلتا مساعدات على الحدود التركية للدخول والتوجه إلى حلب منذ أيام. واتهم مسؤولون كبار في الأمم المتحدة نظام الأسد بعدم تقديم خطابات ضمان تسمح للقوافل بالوصول للمناطق المحاصرة.
وأبدى الرئيس الأميركي باراك أوباما الجمعة قلقه من أن العناصر الرئيسية في اتفاق كيري ـ لافروف لم تطبق حتى الآن.
وقال البيت الابيض إن أوباما بحث مع مجلس الأمن القومي الأميركي الثغرات في تطبيق الاتفاق، بعد أسبوع على إبرامه مع روسيا لوقف المعارك وإيصال المساعدات الإنسانية الى المناطق المحاصرة في سوريا.
وأضاف أن «الرئيس عبّر عن قلقه العميق من أنه على الرغم من تراجع العنف في البلاد، يواصل النظام السوري عرقلة إيصال مساعدة إنسانية ضرورية».
وأشار أوباما أمام مساعديه الى أن المرحلة المقبلة من الاتفاق ـ التي تقضي بتنسيق عسكري مع روسيا ـ تتطلب «سبعة أيام متتالية من تراجع العنف ووصول المساعدات الإنسانية بلا انقطاع».
وكان مسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) عبروا عن تحفظات جدية على الاتفاق، مما اضطر أوباما الى التدخل.
ويرى معارضو الاتفاق أن روسيا استخدمت المفاوضات باستمرار لإثارة الشكوك لدى حلفاء الولايات المتحدة وإعطاء قوات النظام السوري الوقت لتتمكن من تعزيز مواقعها. لكن البيت الأبيض ووزارة الخارجية أكدا باستمرار أن وقف إطلاق النار مع أنه ليس كاملاً وليس ثابتاً، يمنح السكان فرصة التقاط أنفاسهم في هذا النزاع المستمر منذ أكثر من خمس سنوات.
وألغى مجلس الأمن الدولي بطلب من واشنطن وموسكو الجمعة اجتماعاً طارئاً كان دعي إليه لبحث الاتفاق الروسي - الأميركي في سوريا.
وكان مقرراً أن يقدم المبعوثان الأميركي والروسي خلال الاجتماع تفاصيل حول الاتفاق المشترك الذي ينص على وقت لإطلاق النار، وإيصال المساعدات، وشن ضربات مشتركة ضد المقاتلين المتطرفين في سوريا.
ميدانياً، قال المرصد السوري إن طائرات حربية قصفت مواقع للمعارضة في معرة النعمان وسراقب وخان شيخون في إدلب وتيرمعلة إلى الشمال من حمص وفي سوحا إلى الشرق من حماة ليل الجمعة ـ السبت بعد ضربات جوية سابقة وجهتها الجمعة.
وأضاف المرصد أن عمليات قصف واشتباكات وقعت بين الجيش والمعارضة في الغوطة الشرقية إلى الشرق من العاصمة وفي سنيسل وجوالك إلى الشمال من حمص وفي العيس والراموسة إلى الجنوب من حلب وفي إبطع بدرعا.
وفي حي جوبر بدمشق قال المرصد إن الاشتباكات استمرت أمس بعد انفجار كبير وقتال دار أول من أمس. وذكر المرصد أن الجانبين تراشقا بعد محاولة فاشلة لقوات النظام للتقدم.
وفي شمال حلب، أعلن قائد فرقة «السلطان مراد» التابعة للجيش الحر العقيد أحمد عثمان، بدء المرحلة الثالثة من معركة «درع الفرات» التي تهدف إلى تحرير مناطق في ريف حلب، من تنظيم «داعش« بدعم الجيش التركي، وذلك بعد حسم عدم مشاركة وحدة من المارينز الأميركي في العمليات العسكرية.
وأكد العقيد عثمان في تصريح خاص لـ»أورينت نت» أن المرحلة الثالثة من معركة «درع الفرات» تهدف إلى تحرير ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، ومن ضمنها مدينة الباب، كبرى معاقل «داعش»، وصولاً إلى مدينة منبج وريفها.
وأوضح العقيد عثمان أن فصائل درع الفرات والقوات التركية بدأت صباح أمس، استهداف مواقع وتجمعات «داعش» في محيط بلدة الراعي بريف حلب الشمالي، وتحديداً عند محور قرية «طاط حمص» من جنوب الراعي، ومحور قرية براغيدة غرب البلدة.
وحول قضية مشاركة القوات الخاصة الأميركية في عملية «درع الفرات»، أكد قائد فرقة «السلطان مراد» أنه تم التوصل إلى اتفاق مع قادة فصائل «درع الفرات» بحضور عسكري تركي، ينص على عدم دخول عناصر «المارينز» إلى المنطقة، على أن ينحصر وجودهم في الجانب التركي من الحدود، من أجل تنسيق ووضع أهداف لطائرات التحالف الدولي، مشدداً على أن تواصل الثوار المباشر ينحصر فقط مع الضباط الأتراك في المنطقة.
ولفت العقيد عثمان إلى مشاركة جميع فصائل «درع الفرات» في المرحلة الثالثة، باستثناء تجمع «أحرار الشرقية» التابع لـ»الجيش السوري الحر«، الذي أعلن أول من أمس تعليق عملياته العسكرية في المعركة، على خلفية مشاركة القوات الأميركية في العملية. وكانت القوات الأميركية انسحبت من بلدة الراعي في ريف حلب الشمالي بعد دخولها لوقت قصير، في إثر رفض فصائل من الجيش الحر وجودها في البلدة ومشاركتها إلى جانبهم في معارك عملية «درع الفرات«.
ونفى قائد فرقة «السلطان مراد» في ختام تصريحه بأن يكون هدف معركة «درع الفرات» حماية الحدود التركية، كما تروج بعض وسائل الإعلام، مشدداً على أن فصائل الجيش الحر ستواصل معركتها ضد «داعش» لتحرير كامل ريف حلب الشمالي والشرقي.
والجدير بالذكر، أن فصائل الجيش السوري الحر بدأت يوم 24 آب معركة «درع الفرات» بهدف السيطرة على مناطق تنظيم الدولة بريفي حلب الشمالي والشرقي، وذلك بدعم الجيش التركي وغطاء جوي من طائرات التحالف الدولي، حيث تمكن الثوار من تحرير كامل مدينة جرابلس، ضمن المرحلة الأولى من المعركة، إلى جانب وصل مدينة جرابلس مع بلدة الراعي ضمن المرحلة الثانية، وذلك في مساحة تقدر بنحو 400 كيلومتر مربع وفق تصريحات لمسؤولين أتراك.