لليوم السادس على التوالي وطائرات روسيا والأسد لا تغادر سماء مدينة حلب، مواصلة قصف أحياء ومنازل المدنيين بشتى أنواع الأسلحة والصواريخ الفراغية والقنابل العنقودية والارتجاجية والفوسفورية والنابالم والبراميل المتفجرة الحارقة، ليبلغ عدد الضحايا 400 قتيل ومئات الجرحى منذ الاثنين الماضي، في حصيلة مرشحة للزيادة مع دوران عقارب الساعة، مع عجز المستشفيات عن استيعاب المزيد من جرحى القصف الوحشي بقنابل صممت خصيصاً للاستعمال في حروب عالمية كبرى.
وفي تعليق للبيت الأبيض، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إنه يشعر بقلق عميق إزاء سفك الدماء المقزز الحاصل في حلب وسائر المدن السورية، مع تصعيد كلامي روسي ضد الغرب ترافق مع التصعيد الميداني ضد السوريين، حيث نددت موسكو بشدة بالانتقادات التي وجهها إليها الغرب ولا سيما واشنطن ولندن بسبب القصف العنيف الذي تقوم به مقاتلاتها في سوريا.
فقد جدد الطيران الروسي صباحاً قصفه العنيف لمختلف المدن والبلدات المعارضة، واستهدف بلدتي عنجارة وقتبان بريف حلب الغربي بأربع غارات
جوية، كما تم توثيق استشهاد 288 مدنياً ومئات الجرحى خلال الـ72 ساعة الماضية بالبراميل المتفجرة والقنابل الفوسفورية والعنقودية والصواريخ الفراغية على معظم أحياء حلب الشرقية بحسب «قناة حلب»، كما أصيب مراسل «أورينت.نت» محمد الخطيب بجروح طفيفة أثناء تغطيته القصف الجوي على مدينة حلب.
وقال مراسل «أورينت.نت» إن حصيلة قصف الطائرات الروسية ليوم الأحد بلغت نحو 100 شهيد، مع عدم استبعاد ارتفاع الحصيلة لوجود الكثير من الأشخاص تحت أنقاض المباني المدمرة، توزعوا على أحياء قاضي عسكر، الهلك، القاطرجي، أرض الحمرا، بستان الباشا، الزبدية، الشعار، الميسر، الصالحين، والأنصاري، وسط محاولة الدفاع المدني انتشال عشرات والجرحى من تحت الأنقاض. كما استشهد عدد من المدنيين إثر اندلاع حريق في إحدى السيارات ببلدة اورم الكبرى نتيجة استهدافها من قبل الطيران الحربي بالقنابل العنقودية.
وأكد ناشطون أن العديد من الإصابات في مشافي المدينة وجدت خيار بتر الأعضاء المصابة لعدم توفر كوادر طبية تكفي لاستقبال الإصابات البالغة. كما خرج مركز الدفاع المدني في حي الصاخور عن الخدمة لإصابة جميع آلياته بعد استهداف المركز بالبراميل المتفجرة، حيث تعاني مستشفيات الأحياء الشرقية، من نقص كبير بالأدوية والمعدات والكوادر الطبية، ما دفعهم لاستقبال مئات الجرحى في الصالات المتواجدة في المدينة والأماكن العامة، مع اشتداد القصف الروسي على المدينة منذ انتهاء الهدنة الأسبوع الماضي.
وقال عارف العارف الموظف في العناية المركزة بأحد المستشفيات في تصريح من حلب «مستشفيات حلب مزدحمة بمصابين.. الأمور بدأت في النفاد«. وأضاف «نحن عاجزون عن إدخال أي شخص هنا... لا معدات ولا حتى إمدادات طبية. بعض الأطقم الطبية في الريف تعجز عن المجيء بسبب الحصار«.
وقال بيبرس مشعل وهو عامل بالدفاع المدني في الجزء الخاضع لسيطرة المعارضة في حلب إن القصف استمر أثناء الليل حتى الساعة السادسة صباحاً. وأضاف «الوضع نفسه تماماً، الكثافة هي هي من سبعة أيام على مستوى القصف نفسه، خصوصاً بالليل بيشتد القصف كثير أعنف.. طبعاً مع استخدام كل الأسلحة الفوسفور والنابالم والعنقودي«. وقال «حالياً فيه بس (فقط) مروحية (طائرة هليكوبتر) والله أعلم أي بناية هتنزل (ستسقط)«.
وذكر المرصد السوري أنه وثق مقتل 237 شخصاً بينهم 38 طفلاً من الضربات الجوية في مدينة حلب والريف المحيط بها منذ يوم الاثنين الماضي عندما انتهى وقف إطلاق النار. وقال عمال في الدفاع المدني في الأراضي الخاضعة للمعارضة إن العدد يصل إلى 400.
وتحاصر القوات الحكومية كل القطاع الخاضع للمعارضة في حلب مما يجعل من المستحيل الحصول على إمدادات. وقالت الجمعية الطبية السورية - الأميركية إن 30 طبيباً فقط لا يزالون موجودين في شرق حلب.
وقال أسامة أبو عز الجراح العام ومنسق الجمعية في حلب في تصريح لرويترز «لدينا مرضى ينتظرون الموت إن لم يجرِ نقلهم. وتابع قائلاً «الطاقم الطبي غير كافٍ ومنهك تماماً. ثلاجات بنوك الدم فارغة تماماً. والأدوية الحيوية أوشكت على النفاد والأسرة في وحدة العناية المركزة غير كافية وشاغرة دائماً. ويقول سكان إن الضربات الجوية تستخدم قنابل أقوى من ذي قبل.
وقال مصدر عسكري إنه يجري استخدام أسلحة قادرة على تدمير أنفاق ومخابئ تابعة للمعارضة.
ودمرت محطة ضخ مياه تخدم حلب. وقال متحدث باسم منظمة الصحة العالمية إن بعثة تقنية تقوم بزيارة للمحطة لتقويم الأضرار.
وقال المتحدث طارق يساريفتش «لا نعرف المدة المطلوبة لاستعادة العمل«. وأعيقت جهود عمال الإنقاذ خلال القصف إذ جعل القصف الطرق غير مؤهلة للسير وأيضاً بسبب تعرض مراكز الدفاع المدني ومعدات الإنقاذ للقصف.
وتستخدم روسيا في قصفها للأحياء الشرقية الفوسفور الأبيض الذي يصعب إطفاؤه مما أحرق عشرات المباني السكنية، فضلاً عن القنابل الارتجاجية التي تودي بالمباني بشكل جماعي، حيث يمكن لقنبلة واحدة أن تدمر 5 أو 6 أبنية.
وعبّر الرئيس الأميركي باراك أوباما عن «قلقه العميق» إزاء الأوضاع السائدة في الأجزاء من مدينة حلب السورية الخاضعة لسيطرة المعارضة، وذلك وسط هجوم كبير تقوم به قوات الأسد والقوات الروسية.
وقال الناطق باسم البيت الأبيض جوش ارنست إن أوباما «يشعر بقلق عميق« إزاء «سفك الدماء المقزز» في حلب وغيرها من المناطق في سوريا.
وقال الناطق الأميركي «ما رأيناه من نظام الأسد والروس هو حملة منسقة لاستهداف المدنيين وإجبارهم عن طريق القصف المركز على الرضوخ.»
ولكن ناطقاً عسكرياً سورياً تابعاً للأسد أصر على أن حكومة دمشق ليس لها نية التهاود، وقال في تصريح لوكالة «فرانس برس» «إن القوة الجوية ستقصف كل هدف إرهابي، وهذا قرار لا رجعة فيه.»
وقال الكرملين إن الإدانة الغربية الشديدة قد تعطل أي حل للأزمة السورية. وقال ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين إن موسكو لا ترى «أي فرصة على الإطلاق» لعقد قمة بشأن سوريا.
وتحمّل الحكومة الروسية واشنطن فشل وقف إطلاق النار وتقول إن الولايات المتحدة فشلت في منع المعارضة من استغلال الهدنة في إعادة تجميع صفوفهم.
وانتقد المتحدث الروسي التصريحات التي أدلى بها مندوبا الولايات المتحدة وبريطانيا يوم الأحد، في أثناء الجلسة الطارئة لمجلس الأمن الدولي حول سوريا، واصفاً إياها بأنها «غير مقبولة إطلاقاً، وقد تلحق أضراراً بالغة بالعملية السياسية في سوريا والعلاقات الثنائية لهاتين الدولتين مع موسكو«.
وقال بيسكوف المتحدث باسم الكرملين للصحافيين في مؤتمر عبر الهاتف «الكرملين يرى أن الوضع معقد للغاية... نحن بالأساس قلقون من... أن يستغل الإرهابيون أي وقف لإطلاق النار لإعادة تنظيم صفوفهم وإعادة ملء ترسانات أسلحتهم للإعداد بشكل واضح لشن هجمات«.
وانهار وقف لإطلاق النار توسطت فيه موسكو وواشنطن الأسبوع الماضي. واتهمت الولايات المتحدة روسيا أمس الأحد بالوحشية بعد أن قصفت طائرات حربية تدعم القوات الحكومية حلب وقالت موسكو إن إنهاء الحرب في سوريا شبه مستحيل.
وقال بيسكوف إن قوات المعارضة المعتدلة لم تنفصل عن الإرهابيين مكرراً لوم موسكو للولايات المتحدة على عدم الوفاء بتعهدها بدفع الجماعات المسلحة التي تُمارس نفوذها عليها للانفصال عن المقاتلين المتشددين.
وقال «وبسبب عدم الفصل بين المعتدلين والإرهابيين يواصل الإرهابيون انتهاكاتهم ويواصلون هجماتهم... ومن الطبيعي أن تستمر الحرب على الإرهاب ويجب ألا تتوقف«.
وكرر وزيرا خارجية فرنسا وبريطانيا انتقادات الولايات المتحدة لروسيا الأحد وقالا إنها قد تكون ارتكبت جرائم حرب. وقال بيسكوف إن الإدانة الغربية الشديدة قد تعطل أي حل للأزمة السورية وقد تضر بالعلاقات الثنائية مع روسيا. وأضاف أن موسكو لا ترى «أي فرصة على الإطلاق» لعقد قمة بشأن سوريا. وتابع «للأسف... وقف إطلاق النار لم يكن فعالاً بما يكفي حتى الآن«. وقال «ومع ذلك، فإن موسكو لم تفقد الأمل- والأهم هو عدم فقد الإرادة السياسية لبذل كل جهد ممكن من أجل بدء عملية متواصلة لتسوية سياسية في سوريا. (لكن) الأمر صعب للغاية حتى الآن«.
ودافع وزير الخارجية الأميركية جون كيري عن جهوده في التفاوض مع موسكو بشأن الحرب في سوريا رغم انهيار وقف إطلاق النار وما أعقبه من هجوم كبير بدعم روسي على القطاع الخاضع للمعارضة في حلب.
ورد الوزير على المنتقدين ومنهم السناتور الجمهوري جون مكين الذي وصفه الأسبوع الماضي بأنه «جريء لكنه واهم» في الوثوق بروسيا أكثر من اللازم.
وقال كيري للصحافيين خلال زيارة لكولومبيا «سبب ما يحدث هو رغبة الأسد وروسيا في تحقيق نصر عسكري. اليوم لا يوجد وقف لإطلاق النار ولا نتحدث إليهم الآن وما يحدث؟ المكان مدمر بالكامل هذا ليس خيال. هذا واقع«.
ووجهت سفيرة الولايات المتحدة سامنثا باور انتقادات قاسية جداً لروسيا التي تتقاسم مع الولايات المتحدة مهمة الإشراف على المحادثات الخاصة بالملف السوري. أما السفير البريطاني ماثيو رايكروفت فقد تطرق الى احتمال رفع الملف أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
(ا ف ب، رويترز، روسيا اليوم، بي بي سي، أورينت.نت)