هولوكوست حلب، بصورها ووقائعها المروعة، فرضت على الرئيس الأميركي باراك أوباما، الموشك على مغادرة البيت الأبيض، درس «خيارات بعضها مألوف وبعضها جديد» لم يستبعد البعض ان تتضمن عملا عسكريا، وذلك ردا على صلف موسكو التي أكدت أمس، عشية الذكرى الأولى لتدخلها العسكري في سوريا، أنها ماضية في دعم رئيس نظام دمشق بشار الأسد غير عابئة بالمجازر اليومية التي يتسبب بها هذا الدعم.
وتتهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي موسكو بنسف الجهود الديبلوماسية سعياً وراء انتصار عسكري في حلب، ويقولان ان موسكو ودمشق مدانتان بجرائم حرب لاستهدافهما المدنيين والمستشفيات وعمال الإغاثة لكسر إرادة 250 ألف شخص يعيشون تحت الحصار في الشطر الشرقي لأكبر مدينة سورية.
ووصفت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني الغارات الجوية في حلب بأنها «مذبحة» وقالت إن الحكومات الأوروبية تدرس استجابتها في هذا الصدد.
وقال نائب وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن ان وكالات الأمن القومي الأميركية تبحث خيارات بشأن سوريا، بعضها خيارات جديدة في محاولة لإنهاء الحرب السورية.
جاءت تصريحات بلينكن ردا على سؤال بشأن «الخطة البديلة» للولايات المتحدة بعد انهيارالديبلوماسية. وقال بلينكن للمشرعين: «الرئيس (أوباما) طلب من جميع الوكالات طرح خيارات بعضها مألوف وبعضها جديد نعكف على مراجعتها بنشاط شديد». وأضاف: «عندما يتسنى لنا بحثها في الأيام القادمة ستتاح لنا الفرصة للعودة والحديث عنها بالتفصيل«.
وأعلن وزير الخارجية الاميركي جون كيري ان بلاده على وشك تجميد محادثاتها مع روسيا بشأن النزاع في سوريا، بسبب عدم توقف القصف في حلب. وقال ردا على اسئلة خلال مؤتمر لمركز الابحاث في واشنطن، غداة توجيهه تحذيراً مماثلاً خلال اتصال هاتفي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف: «نحن على وشك تعليق المحادثات لانه بات من غير المنطقي وسط هذا القصف الذي يجري، ان نجلس ونحاول ان نأخذ الأمور بجدية«.
وتابع كيري مهاجماً روسيا من دون ان يسميها بالاسم «مع كل ما يحصل حاليا، لا توجد اي اشارة الى مسعى جدي». وأضاف: «وصلنا الى مرحلة بات يتوجب علينا في اطارها ان نبحث (...) عن بدائل، ما لم يعلن اطراف النزاع بشكل واضح استعدادهم للنظر في مقاربة اكثر فعالية». لكنه لم يوضح ما يمكن ان تكون عليه هذه «البدائل».
وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن مسؤولي إدارة أوباما بدأوا دراسة ردود منها خيارات عسكرية. وتجري المناقشات الجديدة على «مستوى موظفي البيت الأبيض» ولم تتمخض عنها أي توصيات لأوباما. لكن حتى مؤيدو اتخاذ رد أميركي أقوى، قالوا أول من أمس إنه من غير الواضح ما سيتخذه الرئيس، إن كان سيتخذ خطوات من الأساس، وإن خياراته «تبدأ من عند تشديد اللهجة» كما ورد على لسان أحد المسؤولين.
ولفت مسؤول إلى أنه قبل إمكانية اتخاذ أي إجراء، سيتعين على واشنطن أولا أن «تنفذ تهديد كيري وتوقف المحادثات مع الروس» بشأن سوريا.
وقال المسؤولون لـ«رويترز» طلبوا عدم نشر أسمائهم، ان من الردود المحتملة السماح للحلفاء الخليجيين بتزويد المعارضة بأسلحة أكثر تطورا، أو توجيه ضربة جوية أميركية لإحدى القواعد الجوية لقوات الأسد، وهو ما يعتبر أقل ترجيحا لما يمكن أن يحدثه من خسائر في صفوف الروس.
وأضاف المسؤولون أن الخيارات الجاري بحثها محدودة من حيث العدد ولا تصل إلى حد التزام واسع النطاق بالمشاركة بقوات أميركية.
وأوضح أحد المسؤولين ان قائمة الخيارات شملت دعم الهجمات المضادة للمعارضة في أماكن أخرى بأسلحة إضافية أو حتى بالغارات الجوية التي قد «لا تغير مسار المعركة لكنها قد تدفع الروس للتوقف والتدبر«.
ومن الأفكار الأخرى الجاري بحثها إرسال مزيد من قوات العمليات الأميركية الخاصة لتدريب الجماعات الكردية وغيرها من فصائل المعارضة السورية ونشر قوة بحرية وجوية أميركية ومن دول حليفة في شرق البحر المتوسط.
وقال مسؤول ان مسؤولي الإدارة الأميركية بحثوا إرسال معونات إنسانية جوا لمناطق خاضعة لسيطرة المعارضة وهو ما سيتطلب مرافقة من جانب طائرات حربية أميركية لكنهم اعتبروا هذا الخيار ينطوي على مخاطر شديدة وأنزلوه إلى مرتبة متدنية في القائمة.
في المقابل، أعلن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، أمس، إن روسيا «ستواصل العملية التي يقوم بها سلاحها الجوي دعماً لنشاط مكافحة الإرهاب الذي تقوم به القوات المسلحة السورية». وقال إن واشنطن تتحمل مسؤولية القتال لتقاعسها عن الوفاء بالتزامها بالتفرقة بين مقاتلي المعارضة السورية «المعتدلة» و»الإرهابيين». أضاف «نعبّر بشكل عام عن أسفنا إزاء الطبيعة غير البناءة للخطاب الذي عبّرت عنه واشنطن في الأيام الماضية«.
واعتبر مدير العمليات الإنسانية في الأمم المتحدة ستيفن اوبريان، أمس، أن الوضع في حلب هو «أخطر كارثة إنسانية تشهدها سوريا حتى الآن«. وقال أمام مجلس الأمن ان النظام الصحي في القسم الشرقي المحاصر من المدينة «على وشك الانهيار بشكل كامل»، وإن الأطفال «هم الأكثر تأثراً» بهذه الأزمة. أضاف أن حلب تشهد شحاً في المعدات الطبية والغذاء والماء، كما أن النظام قصف شبكات المياه شرق حلب ويستبعد المعدات الطبية من قوافل المساعدات الغذائية.
ميدانياً، أكد معارضون والمرصد السوري لحقوق الإنسان ان قوات المعارضة حققت تقدماً لتسيطر على عدد من القرى الواقعة شمال حماة، أمس، مواصلة حملة مستمرة منذ شهر في منطقة ذات أهمية استراتيجية لدمشق.
وبدأت حملة المعارضة على حماة قبل أسابيع. وحققت المعارضة خلالها مكاسب على الأرض شمال المدينة حيث سيطرت على عدد من القرى والبلدات التي كانت تحت سيطرة قوات الأسد.
ووصف أبو البراء الحموي القيادي في فصيل «جيش الفتح» الموقف بأنه ممتاز. وقال إنه «شكل ضغطا كبيرا على النظام مما اضطره لسحب قوات نخبة من حلب والساحل باتجاه جبهات حماة«.
وقال الحموي والمرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي يتخذ من بريطانيا مقراً له، إن المعارضة سيطرت على قريتي خفسين وكراح أمس. وقال الحموي إن القريتين يقطنهما علويون. وتقترب المعارضة من بلدة طيبة الاسم التي ستسمح السيطرة عليها بغلق طريق مؤد إلى مناطق خاضعة لسيطرة قوات الأسد.
وقال الحموي إن حملة المعارضة على حماة تستهدف فتح طريق إلى المدينة وتخفيف الضغط على المناطق المحاصرة الواقعة إلى جنوبها وتسيطر عليها المعارضة إضافة إلى قطع الطريق الوحيد الذي يربط حلب بأنحاء غرب سوريا التي تسيطر عليها قوات الأسد. (رويترز، اف ب)