بين تشريع الضرورة وضرورة التشريع، يأتي إجتماع هيئة مكتب مجلس النواب اليوم في عين التينة، ليضع الأمور في نصابها، ليعيد الكرة مجدداً الى ملعب الخلاف السياسي، القديم الجديد، حول التشريع في غياب رئيس الجمهورية، وبالتالي الأولويات الدستورية، في ظل إستمرار الشغور الذي يدق عتبة السنوات الثلاث، ومع عدم التوصل الى صيغة توافقية لقانون الإنتخاب، وبالتوازي بقاء جدول الحوار معلقاً بين الإنقسام السياسي على كل البنود، وبين الغوص في تفاصيل المبادرات والمقترحات.
كل ذلك لا يلغي أمرين: الأول إلزامية إلتئام الهيئة العامة للمجلس في أول جلسة تلي الخامس عشر من تشرين الأول مع بدء العقد العادي الثاني، لتجديد هيئة مكتب المجلس (ثلاثة مفوضين وأميني سر - المادة 3 : وفي كل مرة يجدد المجلس إنتخابه، وعند إفتتاح عقد تشرين الأول من كل عام، يعمد المجلس إلى إنتخاب أميني سر وفقاً للإجراءات المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادة، ثم يجري انتخاب ثلاثة مفوضين بورقة واحدة بالغالبية النسبية. وإذا تساوت الأصوات عدّ الأكبر سناً منتخباً).
وإنتخاب اللجان النيابية – الأعضاء والرؤساء والمقررين- - المادة 19: في الجلسة التي تلي إنتخاب هيئة مكتب المجلس بعد الإنتخابات العامة وفي بدء دورة تشرين الأول من كل سنة يعمد المجلس إلى إنتخاب لجانه الدائمة.
يجري الإنتخاب بالاقتراع السري وفقاً للمادتين 11 و12 من هذا النظام وبالغالبية من أصوات المقترعين. وإذا تساوت الأصوات عدّ الأكبر سناً منتخباً). والذي يصادف الثلاثاء المقبل، والأمر الثاني إصرار رئيس المجلس نبيه بري على تفعيل العمل التشريعي، وعقد جلسة تشريعية تحت عنوان «تشريع الضرورة»، لإقرار مشاريع وإقتراحات لها طابع مالي وإقتصادي واتفاقيات ذات العلاقة، قد تسقط في حال مرور الوقت لإقرارها وتسبب إنعكاسات سلبية على لبنان، ناهيك عن وجود أكثر من ثمانين مشروع وإقتراح قوانين أصبحت جاهزة في أدراج اللجان، والرئيس بري يعوّل على إجتماع اليوم لتمرير ما يمكن تمريره تحت هذا العنوان، وقد تسلم الأعضاء جدولاً ليس بالقليل ، وهو الذي كان قال أنه «سيعقد الجلسة بمن حضر، بمعنى إكتمال النصاب القانوني العددي المطلوب، أي النصف زائداً واحداً)، دون الدخول في متاهات الميثاقية وهو الأكثر حرصاً عليها، كما حرصه على عدم شل المؤسسة الدستورية الأم.
ألا أنه وفي حال، كانت جلسة التجديد لهيئة المكتب، أمراً واقعاً، بمعنى إلزامية الإنعقاد، إلا ان المواقف النيابية، ترى أيضاً – كما في السابق – أن أي جلسة ستعقد في غياب رئيس الجمهورية – غير دستورية كما ترى الكتائب، في حين «القوات» و«التيار الوطني الحر» تشترط ادراج قانون الانتخاب بندا اول في اي جدول اعمال، وأن ممثلي بعض القوى في الهيئة خصوصا المسيحيين يؤيدون هذا التوجه، وإن وجّه الرئيس بري الدعوة الى الجلسة فان المقاطعة ستكون سيدة الكلام، لا سيما وأن هذه القوى تستند في موقفها الى الوعد الذي كان سبق وأطلقه الرئيس سعد الحريري بعدم المشاركة ككتلة المستقبل في أي جلسة (بعد الجلسة التي عقدت تحت عناوين مالية وقانون الجنسية)، إلا إستناداً الى قانون الإنتخاب.
وتقول: «ليس من الضرورة ان يتأمن النصاب لعقد جلسة تشريعية ولا يتأمن لإنتخاب رئيس للجمهورية»(بغض النظر عن المقاطعين والذين شاركوا ويشاركون منذ 45 جلسة لم يكتمل نصابها).
ويذهب البعض الى حد المطالبة بالتصويت على المشاريع والإقتراحات (17) لقوانين الإنتخاب داخل الجلسة العامة، في ظل عدم التوصل الى صيغة حل الوسط بين الكتل النيابية، وعدم توصل اللجان المشتركة الى توافق الحد الأدنى على «حجم الدوائر ونوعية النظام»، وهو ما لا ترضى عنه القوى الأخرى على قاعدة عدم الدخول في حيثيات ، «بقاء عمل المجلس النيابي مشلولا»، مطالبا بـ«عقد جلسات سريعة لإقرار بعض المراسيم والقوانين الضرورية، سيما في الملفين المالي والاقتصادي لما فيه مصلحة اللبنانيين».
ويقول مصدر نيابي في هيئة مكتب المجلس، ان جدول الأعمال لا ينضوي بكل مندرجاته تحت عنوان تشريع الضرورة، وسيبنى على الشيء مقتضاه، خلال الإجتماع، الذي تصفه المصادر بالمحوري سيكشف حقيقة المواقف السياسية والنيابية، المضمرة والمعلنة، لا سيما وأن الرئيس بري أراد من تسريع توزيع جدول الأعمال قبل جلسة اللجان، إكتشاف المواقف والكسب مزيد من الوقت إفساحاً في المجال أمام عقد الجلسة التشريعية، والتي سيسعى رئيس المجلس الى تأمين الميثاقية اللازمة لها، من خلال حشد الأصوات المسيحية من غير القوى المعارضة، «بما لا يموت معه الديب ولا يفنى الغنم».
فيما يؤكد مصدر في «كتلة المستقبل» أن الكتلة ملتزمة بجميع تعهداتها السابقة، وهي في كل الأحوال شاركت في النقاش لإنتاج قانون إنتخابي عادل، دون ان يعني ذلك عدم الموافقة على «تشريع الضرورة» في حال كان الضرورة المالية والإقتصادية والتشريعية تستوجب عقد جلسة تشريعية .
في كل الأحوال، فإن الأمور مرهونة بمواقيتها، وسيحدد إجتماع اليوم، بعيداً من المسألة الإنتخابية المتعلقة بالمطبخ التشريعي (والذي لغاية الآن لا يتوقع ان يشهد تغييرات جذرية، إلا في حال أراد البعض الرد على الجلسة التشريعية بمفاجآت داخل الهيئة العامة الثلاثاء المقبل – وإن كانت العملية كما جرت العادة تتم إما عبر التزكية أو التفاهمات والتوازنات السياسية والطائفية في تركيبة المجلس – هذا الإجتماع هو البوصلة التي ستوجه المسار المجلسي والتشريعي والسياسي، وإن كان رئيس المجلس يبقى صاحب الصلاحية المطلقة في الدعوة الى الجلسات العامة، بغض النظر عمن يحضر او يغيب.