هاجم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أمس رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بعبارات قاسية مخاطباً إياه بالقول: «أنت لست ندّا لي ولست بمستواي، وصراخك ليس مهمًا، وعليك أن تعلم ذلك، وأن تلزم حدك أولًا»، وذلك في ظل استمرار التراشق الكلامي بين مسؤولي البلدين على خلفية انتشار قوات تركية في شمال الموصل.
فقد تحولت أزمة وجود مئات الجنود الأتراك في قاعدة عسكرية قرب الموصل، الى معضلة حقيقية قد تربك خطط استعادة المدينة من «داعش» وتقود العلاقات العراقية ـــــــ التركية الى
انفجار، وذلك بعد تصريحات اردوغان التي هاجم فيها بقسوة العبادي، الذي اصبح على يقين بـأن انقرة ماضية في خططها في الموصل الى النهاية على الرغم من الرفض العراقي الرسمي لاشتراك القوات التركية في المعركة المرتقبة.
ومع تأكيد تركيا على عدم وجود «مطامع» تاريخية لها في الموصل التي كانت ولاية تابعة لها حتى العام 1925،
الا ان مواقف تركيا بشأن ضرورة عدم تغيير هوية الموصل الديموغرافية، ورفض دخول الفصائل الشيعية الى المدينة التي «يجب أن تبقى سنية»، دق ناقوس الخطر في الاروقة السياسية في بغداد الخاضعة لهيمنة الميليشيات الموالية لايران، والتي لمست في المواقف التركية محاولة جادة لقطع الطريق امام بسط هيمنتها على المدن السنية الواحدة تلو الاخرى بعد طرد «داعش« منها لتأمين نفوذ ايران وتعزيزه في العراق.
وينبع اصرار انقرة على وجود قواتها في بعشيقة القريبة من الموصل، من رغبة في ان يكون لتركيا بصمة في استعادة المدينة، ما يتيح لها تأثيراً على طاولة المفاوضات المستقبلية، والكلمة الفصل في بناء اقليم سني يحظى برعايتها عبر دعم قوى سياسية سنية في الموصل وفي اقليم كردستان، الامر الذي يحقق لها مكاسب مهمة ترجح كفتها في صراع النفوذ مع ايران او دول اخرى.
وفي ظل استمرار التراشق الكلامي بين مسؤولي البلدين على خلفية وجود قوات تركية في شمال الموصل، هاجم اردوغان أمس العبادي بعبارات قاسية، مخاطباً إياه بالقول: «أنت لست ندّا لي ولست بمستواي، وصراخك في العراق ليس مهمًا بالنسبة لنا على الإطلاق، فنحن سنفعل ما نشاء، وعليك أن تعلم ذلك، وأن تلزم حدك أولًا«.
وتابع اردوغان: «طلب منّا شخصيًا (العبادي) إنشاء قاعدة بعشيقة في عهد (رئيس الوزراء السابق) أحمد داود أوغلو، جميع هذه التفاصيل موجودة على تسجيلات مصورة، وسيتم بثها اليوم أو غدًا عبر جميع المحطات التلفزيونية. تم دخول بعشيقة على هذا الأساس. أما الآن فيقول «انسحبوا من هنا»، إن جيش الجمهورية التركية لم يفقد شكيمته لكي يأتمر بأمركم. سنستمر بفعل ما يلزم كما فعلنا في السابق«.
وشدد الرئيس التركي على أن بلاده ليست لديها أي مطامع «ولو في شبر واحد من أراضي وسيادة غيرها»، ولا تملك هدفًا غير حماية أراضيها وسلامة المسلمين في المنطقة، مؤكداً أنه «لا يمكن لتركيا البقاء في موقع المتفرج حيال ما يحدث في العراق، ولا يمكنها أن تصم آذانها لدعوات الأشقاء هناك«.
وأكد «سنشارك في معركة الموصل على غرار ما فعلنا في جرابلس (السورية)»، مضيفا انه «ليس لتركيا مطامع ولو في شبر واحد من أراضي وسيادة غيرها ولا نملك هدفا غير حماية أراضينا وسلامة المسلمين في المنطقة».
وقالت وزارة الخارجية الأميركية إن القوى العسكرية الأجنبية في العراق يجب أن تكون هناك بموافقة حكومة بغداد وتحت مظلة التحالف المناهض لتنظيم «داعش».
وفي بيان لها أكدت أنه «يجب على كل الأطراف التنسيق عن كثب خلال الأيام والأسابيع القادمة لضمان وحدة الجهود الرامية لهزيمة داعش وتحقيق الأمن الدائم للشعب العراقي.»
وفي اول رد فعل على الهجوم الذي شنه اردوغان على العبادي بشأن الدور التركي في معركة الموصل، قال المتحدث الاعلامي باسم رئيس الحكومة العراقية سعد الحديثي ان «خطاب بعض المسؤولين في الحكومة التركية في الآونة الأخيرة غير مسؤول، وخطاب انفعالي، ولا يراعي المصلحة المتبادلة، ولا ينظر إلى التحديات التي يمثلها الارهاب وضرورة التعاون المشترك للقضاء عليه، والذي يهدد أمن المنطقة والاقليم، كما يهدد السلم والامن الدوليين«.
وأضاف الحديثي ان «الكلام الذي يصدر عن بعض السياسيين الأتراك، أصبح يدخل في إطار التدخل السافر في الشأن العراقي، وهو كلام مردود وغير مقبول على الإطلاق، ويثير علامات الاستفهام حول نية تركيا بالفعل الوقوف مع جهود العراق والمجتمع الدولي في ما يتعلق بالحرب على الارهاب»، محذرا من ان «هذه التصريحات من شأنها أن تدفع باتجاه تأزيم الموقف وتشنج الاجواء في المنطقة، وهذا لا يصب في مصلحة احد، واذا ما استمر هذا الخطاب والسياسة سيكون لذلك تأثيرات سلبية على استقرار الاقليم، ويهدد هذا الخطاب أمن المنطقة عموما«.
وتابع الحديثي: «يبدو للحكومة العراقية ان الحديث المباشر مع الجانب التركي غير مجد، وتتجه الآن نحو المجتمع الدولي للمطالبة بعقد جلسة طارئة لمجلس الامن للنظر بطلب العراق اصدار قرار بسحب القوات التركية من البلد، ووقف التدخل في الشأن الداخلي، وأيضا من خلال الاجتماعات والاتصالات التي تجري مع مسؤولين في دول عظمى ولها تأثيرها في المنطقة ونعمل بهذا الاطار»، مشددا على ان «هذه التصريحات تثير تساؤلات حول عدم وجود نوايا جدية من تركيا للتعاون مع العراق على محاصرة المشكلة، فضلا عن عدم حدوث انعكاس وتداعيات على أمن البلدين الجارين والمنطقة«.
وكان العبادي اكد اخيراً ان الحكومة العراقية لن تسمح بمشاركة القوات التركية في عملية تحرير الموصل بالقول «إنما سنسهل لهم الأمر بالعودة إلى بلادهم وأنصحها بعدم التحرك من بعشيقة لأن وجود القوات التركية يعرقل جهودنا في تحرير الموصل من داعش«.
ولا يروق الدور الكردي في سوريا من خلال وجود «حزب العمال الكردستاني« في بعض المناطق السورية، للحكومة التركية، وبالتالي، فإن انقرة لا تريد ان تكون سنجار غرب الموصل، ممرا او منطقة لنفوذ «حزب العمال الكردستاني» المعارض لأنقرة، خصوصا ان بعض الشخصيات السياسية العراقية الكردية تتهم حكومة العبادي بتقديم الدعم للحزب المذكور . وفي هذا الصدد، قال النائب الكردي ريناس جانو ان «الحكومة العراقية تدعم عناصر حزب العمال الكردستاني بشتى الوسائل، وتموله تحت مسميات وعبر قنوات مختلفة»، لافتا الى ان «السياسة التي تتبعها الحكومة العراقية بتقديم المساعدات لحزب العمال كورقة ضغط ضد تركيا، لعبة قديمة عفا عليها الزمن، ولا تقدم نفعا للسياسة الخارجية العراقية لكون تركيا الآن ليست عدوة للعراق كي يستخدم العراقيون حزب العمال ضدها«.
وأضاف جانو ممثل «الحزب الديموقراطي الكردستاني« في البرلمان العراقي، ان «ما يقوم به العراق هو جزء من الصراع الإقليمي، حيث يعادي العراق تركيا لمصلحة ايران، وهذا لا يلحق إلا الضرر بسيادة وشعب العراق. والقانون الدولي لا يسمح لدولة بتمويل جماعات مسلحة في دولة اخرى«.
وأوضح النائب جانو ان» الحكومة العراقية غير مستعدة لصرف مستحقات قوات البيشمركة، في حين انها مستعدة لتقديم الدعم لقوات حزب العمال الكردستاني»، معتبرا ان «هذه السياسة هي التي تسببت في استقدام تركيا لقواتها الى العراق».