عادت الإدارة الأميركية، قبل أسابيع قليلة على الانتخابات الرئاسية، الى إثارة جو «بحث خيارات عسكرية وخيارات أخرى في سوريا» في وقت تواصل طائرات روسيا ونظام دمشق استباحة المدن والمدنيين السوريين، معوّلة على عجز المجتمع الدولي عن القيام بأي عمل لوقف الفظائع اليومية، والتي اقترب الاتحاد الأوروبي من توصيفها بـ«جرائم حرب».
فقد أعلن مسؤولون أميركيون أن من المُتوقع أن يجتمع الرئيس باراك أوباما اليوم الجمعة مع كبار مستشاريه للسياسة الخارجية لبحث خيارات عسكرية وخيارات أخرى في سوريا.
وقال المسؤولون لـ«رويترز« إن بعض كبار المسؤولين يرون أنه يجب على الولايات المتحدة التحرك بقوة أشد في سوريا، وإلا فإنها تخاطر بأن تفقد ما تبقى لها من نفوذ لدى المعارضة المعتدلة ولدى حلفائها من العرب والأكراد والأتراك في القتال ضد «داعش».
وأوضح مسؤول طلب عدم الكشف عن اسمه، أن بعض الخيارات تشمل عملاً عسكرياً أميركياً مباشراً، مشيراً الى أن أحد مخاطر هذا التحرك يتمثل في أن القوات الروسية والسورية غالباً ما تكون متداخلة في ما بينها، وهو ما يثير احتمال مواجهة مباشرة مع روسيا يحرص أوباما على تجنبها.
إلا أن مسؤولين أميركيين رأوا أن أوباما لن يأمر بضربات جوية أميركية على أهداف لقوات الأسد، وأكدوا أنه قد لا يتخذ قراراً بذلك في الاجتماع المُزمع لمجلسه للأمن القومي، مشيرين إلى أن أحد البدائل هو السماح لحلفاء بتزويد معارضين مسلحين، اختارتهم الولايات المتحدة بعد تمحيص، بمزيد من الأسلحة المتطورة من دون أن تشمل صواريخ مضادة للطائرات تُطلق من على الكتف.
وأعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أمس، أن موسكو دعت شركاءها في المنطقة إلى عدم تزويد مقاتلي المعارضة بالصواريخ المحمولة المضادة للطائرات. وحذرت من أن أي أعمال عدائية ضد روسيا في سوريا لن تمر من دون رد مناسب من موسكو.في هذا الوقت، ذكرت مسودة بيان قبل اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الاثنين المقبل إنهم سيقولون إن الهجوم على الشطر الشرقي الخاضع لسيطرة مقاتلي المعارضة في حلب يشكل تصعيداً كارثياً في الحرب وإن أفعال الجيش هناك «ربما ترقى إلى جرائم حرب».
وأضافت مسودة البيان «الاستهداف المتعمد للمستشفيات والطواقم الطبية والمدارس والبنية التحتية الضرورية إضافة إلى استخدام البراميل المتفجرة والقنابل العنقودية والأسلحة الكيماوية يمثل تصعيداً كارثياً في الصراع ويتسبب في سقوط ضحايا مدنيين على نطاق واسع منهم نساء وأطفال. وقد يرقى الكثير من ذلك لجرائم الحرب«.
وقال ديبلوماسيون إن بريطانيا وفرنسا تتزعمان جهوداً بالاتحاد الأوروبي لفرض المزيد من العقوبات على سوريين مقربين من بشار الأسد رداً على القصف المدمر لمدينة حلب، مشيرين إلى احتمال إضافة مواطنين روس إلى القائمة في نهاية المطاف.
وتقول مصادر بالحكومة الألمانية إن برلين منفتحة على توسيع قائمة الاتحاد الأوروبي الحالية التي تضم السوريين الممنوعين من السفر إلى أوروبا أو الوصول إلى أموال في بنوك الدول الأعضاء.
وقال 3 ديبلوماسيين إن معظم حكومات الاتحاد الأوروبي الثماني والعشرين تتحرك باتجاه تأييد المزيد من العقوبات. وقد يمكٌن ذلك وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي من الموافقة على الإجراءات أثناء اجتماع يوم الاثنين في لوكسمبورغ.
وواصلت الطائرات الروسية والأسدية أمس غاراتها على أحياء حلب الشرقية، التي تشكل حالياً محور الجهود الديبلوماسية حول النزاع السوري، وتتعرض منذ ثلاثة أسابيع لهجوم لقوات النظام بدعم جوي روسي.
وأفاد مراسل «فرانس برس« في الأحياء الشرقية أن القصف الجوي اشتد طوال الليل وتجدد بعد ظهر أمس. وتحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن أكثر من 20 غارة جوية روسية وسورية استهدفت فجراً الأحياء الشرقية، ما أسفر عن مقتل 7 مدنيين وإصابة آخرين بجروح.
ومنذ هجوم قوات النظام وثق المرصد السوري مقتل أكثر من 370 شخصاً بينهم 68 طفلاً في القصف الروسي والسوري على الأحياء الشرقية. كما قتل جراء قذائف الفصائل المعارضة 68 شخصاً في الأحياء الغربية. وجعل التصعيد في حلب، روسيا عرضة لضغط دولي.
وفي موسكو، أعلن الجنرال سيرغي رودسكوي «أننا مستعدون لضمان الانسحاب الآمن للمقاتلين مع أسلحتهم والعبور الحر للمدنيين من والى حلب الشرقية، وكذلك إيصال المساعدات الإنسانية اليها».
ويأتي ذلك قبل يومين على استئناف الجهود الديبلوماسية حول سوريا، إذ سيعقد لقاء دولي غداً السبت في لوزان في سويسرا بين وزيري خارجية روسيا سيرغي لافروف والولايات المتحدة جون كيري.
وقال لافروف أول من أمس إنه يأمل في أن تساعد محادثات لوزان على «إطلاق حوار جاد» يستند الى اتفاق الهدنة المنهار، موضحاً أن تركيا والسعودية وربما قطر ستشارك في المحادثات. وسيشارك فيها أيضاً موفد الأمم المتحدة الى سوريا ستيفان دي ميستورا.
وغداة محادثات السبت، سيعقد كيري اجتماعاً دولياً ثانياً في لندن حيث يرجح أن يلتقي نظراءه الأوروبيين من بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
وأجرى لافروف أمس محادثات هاتفية مع نظيره الفرنسي جان ــ مارك ايرولت الذي شدد على «الضرورة الملحة للخروج من المأزق الحالي» و»التوصل لوقف عمليات القصف على حلب».
واتهمت فرنسا والولايات المتحدة الأسبوع الماضي روسيا بارتكاب «جرائم حرب» في سوريا وخصوصاً في حلب.
إلا أن بوتين رد أول من أمس على الاتهامات، قائلاً «إنه كلام سياسي لا يعني الكثير، ولا يأخذ في الاعتبار الوقائع في سوريا».
وأعلنت متحدثة باسم رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أمس، أن لندن ليس لديها خطط لتوسيع عملياتها العسكرية في سوريا.
وفي وقت سابق أمس، قال وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون إن بريطانيا تدرس مرة أخرى المشاركة العسكرية في سوريا، لكن أي إجراء يجب أن يأتي في إطار تحالف يضم الولايات المتحدة ومن المستبعد أن يحدث قريباً.
وقالت المتحدثة باسم ماي رداً على سؤال عن تصريحات جونسون «لا توجد خطط لعمل عسكري. نعمل مع المجتمع الدولي بشأن كيفية إنهاء الصراع«. وأضافت أن هناك خيارات عدة متاحة.
وفي أنقرة أكّد وزير شؤون الاتحاد الأوروبي، كبير المفاوضين الأتراك عمر جليك، أمس، أن بلاده لم تجرِ أي اتصالات مباشرة أو غير مباشرة مع النظام السوري، وأنها لن تُجري أي شيء من هذا القبيل خلال الفترة المقبلة.
كلام جيليك جاء في البرلمان ردّاً على سؤال لأحد نواب حزب «الشعوب الديمقراطي» المعارض بشأن تقارير إعلامية تدعي «استعداد أنقرة للتشاور مع نظام الأسد لتنفيذ حرب مشتركة ضد الأكراد مقابل انسحاب فصائل المعارضة المدعومة تركياً«.
وشدّد الوزير التركي على أن بلاده تنتهج موقفاً صريحاً تجاه الأزمة السورية، مضيفاً: «النظام السوري نظام إجرامي، والأسد شخص قاتل (...)؛ لذلك فإن جميع الأنباء التي صدرت في وسائل الإعلام الدولية عارية عن الصحة«.
ورغم الاختلاف حول سوريا، تشهد العلاقات بين روسيا وتركيا تقارباً رحّب به الرئيس السوري بشار الأسد.
وقال الأسد في مقابلة لصحيفة كومسومولسكايا برافدا الروسية أمس: «من خلال التقارب بين روسيا وتركيا فإن أمنيتنا الوحيدة نحن فى سوريا أن تتمكن روسيا من إحداث بعض التغييرات في السياسة التركية». (أ ف ب، رويترز)